المؤتمر العربي لبناء الإنسان ومواجهة التنمر: رحلة نحو مجتمع واعى ومتين

المؤتمر العربي لبناء الإنسان ومواجهة التنمر: رحلة نحو مجتمع واعى ومتين

 



كتب : باهر رجب 

في عالم يتسم بتسارع التحولات الرقمية والاجتماعية، تبرز قضيتان محوريتان كأساس لأي تقدم حقيقي. بناء الإنسان المتكامل، ومكافحة آفة التنمر بجميع أشكالها. انطلاقا من هذه الرؤية، يأتي المؤتمر العربي لبناء الإنسان ومواجهة التنمر كمنصة حيوية تجمع الخبراء والمختصين وصناع القرار لبحث سبل تشكيل شخصية إنسانية قوية قادرة على العطاء، وفي ذات الوقت مواجهة واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تهدد نسيج المجتمعات، خاصة بين فئة الشباب والناشئة. يهدف هذا المؤتمر إلى ربط الفلسفة التربوية بالحلول العملية، ووضع خطط استباقية وعلاجية لخلق بيئات آمنة وداعمة للجميع.


1- مفهوم بناء الإنسان: الأساس القيمي والتربوي

لا يقتصر مفهوم بناء الإنسان على التطور المعرفي والمهني فحسب، بل هو عملية شاملة تبدأ من غرس القيم والأخلاق الراسخة التي تشكل بوصلة السلوك. إنه الاستثمار في الإنسان ككل. عقلا وقلبا وجسدا وروحا. وتلعب التربية، في المدرسة والمنزل على حد سواء، الدور الأبرز في تشكيل الشخصية الإيجابية القادرة على التكيف والإبداع. فهم مراحل التطور النفسي من الطفولة إلى المراهقة وحتى الرشد، يساعد المربين على توجيه الطاقة السلوكية في الاتجاه السليم، واستباق التحولات التي قد تؤدي إلى سلوكيات منحرفة إذا أُهملت أو عولجت بشكل خاطئ.


2- تعزيز الصحة النفسية: الدرع الواقي من السلوكيات السلبية

ثمة علاقة وثيقة لا تنفصم بين الصحة النفسية للفرد وسلوكياته الاجتماعية. فالشخص الذي يتمتع بصحة نفسية جيدة يكون أكثر مرونة في مواجهة التحديات، وأكثر تعاطفا مع الآخرين، وأقل ميلا لممارسة العنف بأشكاله. لذا، تعد برامج الدعم النفسي في المدارس والجامعات ضرورة ملحة، وليست رفاهية. هذه البرامج يجب أن تركز على تعليم مهارات التفكير الإيجابي، وإدارة الضغوط والقلق، وتقبل الذات والآخر، مما يخلق جيلا واعيا بمشاعره وقادرا على تنظيمها.


3- التنمر: التعريف، الأنواع، والجذور الخفية

التنمر هو سلوك عدواني متكرر يهدف إلى إلحاق الأذى بالآخرين، جسديا أو نفسيا، وينتج عن اختلال في موازين القوة. تتعدد أشكاله لتشمل:


-التنمر اللفظي: كالسب والشتم والتهديد والسخرية.

-التنمر الجسدي: كالضرب والدفع والإيذاء المادي.

-التنمر الإلكتروني: وهو الأكثر انتشارا اليوم، ويحدث عبر منصات التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني.

-التنمر الاجتماعي: كالتهميش ونشر الشائعات وعزل الشخص.

  أما أسباب التنمر فتشمل عوامل أسرية (كغياب الرقابة أو التعنيف المنزلي)، واجتماعية (كالتفكك المجتمعي)، ونفسية (كضعف الثقة بالنفس أو الرغبة في السيطرة لدى المتنمر)، وبيئية (كتقليد ما يشاهده الأطفال في الإعلام).


4- الآثار المدمرة: جراح لا تندمل بسهولة

آثار التنمر لا تتوقف عند اللحظة التي يحدث فيها، بل تمتد لتكون قصيرة وطويلة المدى. نفسيا، قد يعاني الضحايا من الاكتئاب، والقلق المزمن، وانخفاض تقدير الذات، وحتى أفكار انتحارية.كما يتأثر التحصيل الدراسي سلبا بسبب الخوف من الذهاب إلى المدرسة وعدم القدرة على التركيز. اجتماعيا، يعاني الضحايا من صعوبات في تكوين علاقات اجتماعية صحية مستقبلا.

وتكون التأثيرات أقسى على ذوي الهمم، حيث يضاف إلى التنمر العادي وصم المجتمع ونظرته، مما يؤدي إلى انعزال أعمق، وضعف في المشاركة في الأنشطة المجتمعية، مما يعزز شعورهم بالإقصاء. على المستوى المجتمعي، يخلق انتشار التنمر بيئة من الخوف وعدم الثقة، ويهدر الطاقات البشرية، ويسهم في خلق أجيال تحمل أحقادًا وصراعات داخلية.


5- سياسات المواجهة: من النظرية إلى التطبيق


مكافحة التنمر تحتاج إلى عمل مؤسسي متكامل:


-دور المؤسسات التعليمية: يجب أن تتبنى سياسات واضحة وصارمة ضد التنمر، مع إنشاء وحدات إرشادية مختصة، وتدريب المعلمين على الكشف المبكر والتعامل مع الحالات.

-دور الأسرة: يبدأ بالتربية على الاحترام والمساواة، وفتح قنوات حوار دائمة مع الأبناء، والمراقبة غير التطفلية لسلوكهم خاصة في العالم الرقمي.

-دور المنصات الرقمية: يتحتم عليها تعزيز آليات الإبلاغ السريع، وحذف المحتوى المسيء، وتوعية المستخدمين بمخاطر التنمر الإلكتروني.

-يمكن الاستفادة من التجارب الناجحة محليًا ودوليًا التي طبقت برامج مثل "أولفوس" النرويجية أو مبادرات المدارس الآمنة في عدة دول عربية، مع تكييفها مع السياق الثقافي.


6- تنمية المهارات الاجتماعية: لغة التعايش


بناء الإنسان السوي يحتاج إلى تطوير مهارات التفاعل الاجتماعي، ومن أبرزها:


-مهارات الحوار: الإصغاء الجيد والتعبير الواضح عن الرأي باحترام.

-مهارات التعاطف وفهم الآخر: القدرة على وضع النفس مكان الآخر وشعوره.

-إدارة الخلافات بدون عنف: تعلم فن التفاوض والتسوية وحل النزاعات بطرق سلمية.


7- الإعلام: سلاح ذو حدين


يحمل الإعلام، التقليدي والجديد، مسؤولية مجتمعية جسيمة في تشكيل السلوك العام. فبينما يمكن أن يكون أداة قوية للتوعية ونشر القيم الإيجابية عبر الدراما والبرامج الحوارية والرسائل التثقيفية، فإنه قد يشكل أيضا أحد تحديات التنمر، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة مفتوحة للتنمر الإلكتروني. لذا، يجب تعزيز أخلاقيات النشر والتواصل، ونقد المحتوى الذي يروج للعنف أو السخرية من الآخر.


8- الأنشطة المدرسية والجامعية: تعليم غير صفيحي


الأنشطة اللاصفية هي مختبر عملي لبناء الشخصية. الأنشطة التي تقوي روح الفريق مثل الرياضات الجماعية، والفنون، والمسرح، والموسيقى، تعلم الطلاب التعاون، وتطلق طاقاتهم الإبداعية، وتوفر منفذا صحيا للمشاعر، مما يحد من السلوك العدواني. فهي أدوات قوية للتمكين وبناء الثقة بالنفس، خاصة للطلاب الذين قد يشعرون بالإقصاء في الفصول الدراسية التقليدية.


9- الإطار القانوني: ردع وحماية


لا غنى عن وجود قوانين وتشريعات رادعة تنص صراحة على تجريم التنمر بكافة أشكاله، وتحديد العقوبات المناسبة. يجب تفعيل التشريعات الخاصة بحماية الطفل، وتعزيز دور الجهات الحكومية كوزارات التربية والتعليم، والداخلية، والتنمية الاجتماعية، في التطبيق والمتابعة الجادة لهذه القوانين، مع إنظمة إبلاغ سهلة وآمنة للضحايا والشهود.


10- من التنمر إلى الإجرام: حلقة مفرغة خطيرة


تشير الدراسات النفسية والاجتماعية إلى وجود علاقة بين الطفولة والتنمر والسلوك الإجرامي لاحقا. فكيف يشكل التنمر المبكر شخصية عدوانية؟ المتنمر الذي لا يتم تصحيح سلوكه قد يتحول إلى معتدٍ أو مجرم، حيث يتعلم أن العنف وسيلة مقبولة لتحقيق المكاسب. بالمقابل، قد تدفع المعاناة الطويلة ضحية التنمر إلى التحول إلى جانى في المستقبل، كنوع من تعويض الإحساس بالضعف أو الانتقام. وتلعب البيئة الاجتماعية السلبية، المليئة بالإهمال أو الحرمان العاطفي وسوء المعاملة، دورًا محوريا في هذه التحولات الخطيرة.


11- التنمر كمدخل للتطرف: الاتجاه نحو الهاوية


في حالات متطرفة، قد يمثل التنمر مدخلا للتطرف والعنف. فالشخص الذي يشعر بالظلم والرفض المستمر من مجتمعه المحلي، قد يصبح أرضية خصبة لتلقي أفكار متطرفة تمنحه شعورا زائفا بالقوة والانتماء. تسرد العديد من الدراسات النفسية أمثلة على كيف أن المسار الشخصي لبعض الأفراد المنخرطين في سلوكيات عنيفة بدأ بكونهم ضحايا أو مرتكبي تنمر.


12- ذوى الهمم: فئة تحتاج حماية مضاعفة


يواجه ذوى الاحتياجات الخاصة أشكالا خاصة من التنمر، أبرزها التنمر المؤسسي الذي يتجلى في الإهمال أو التمييز في تقديم الخدمات، أو عدم توفير مرافق مناسبة، أو نظرة الشفقة الدونية. هذا بالإضافة إلى الأشكال التقليدية من التنمر اللفظي والجسدي والإلكتروني، مما يضاعف من معاناتهم ويعيق دمجهم الحقيقي.


13- تمكين ذوى الهمم: نحو بيئة دامجة


لحماية وتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة، يجب اتباع استراتيجيات الدمج الفعال التي لا تقتصر على وجودهم الجسدي في المدرسة أو المجتمع، بل على مشاركتهم الفاعلة. هذا يتطلب:


-تقديم الدعم النفسي والتعليمي المتخصص.

-تدريب الكوادر التعليمية والطلاب على كيفية التعامل والتواصل.

-إطلاق حملات توعية مستمرة تهدف إلى خلق بيئة دامجة خالية من التنمر، تغير الصور النمطية و التنوع الإنساني.


خاتمة:

المؤتمر العربي لبناء الإنسان ومواجهة التنمر ليس مجرد فعالية تقليدية، بل هو نداء عاجل لإعادة البناء من الداخل. إنه دعوة لتعاون جماعي بين الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات التشريعية، والمجتمع المدني. إن بناء إنسان قوي متماسك نفسيًا وأخلاقيًا هو أفضل استراتيجية دفاع ضد التنمر والعنف بجميع أشكالها. والاستثمار في هذه المعركة هو استثمار في مستقبل أكثر أمانا وإنتاجية وإنسانية لأمتنا العربية. الطريق طويل، لكن كل رحلة تبدأ بخطوة، وهذا المؤتمر خطوة واثقة على الدرب الصحيح.

اكتب تعليق

أحدث أقدم