فلكية جدة...
*هل هناك علاقة بين اصطفاف الكواكب والنشاط الشمسي؟*
الاحساء
زهير بن جمعة الغزال
أوضح ذلك المهندس. ماجد أبو زاهرة
أعيد خلال الأيام الماضية تداول محتوى يربط بين اصطفاف الكواكب الحالية وتحديداً وجود المشتري والزهرة على جانبي الشمس وبين احتمالات ازدياد النشاط الشمسي خلال الأسابيع القادمة مستندًا إلى دراسات بحثية محدودة تشير إلى دور محتمل لقوى جاذبية الكواكب الضعيفة في تنظيم نمط الدورة الشمسية.
ورغم أن هذه الأفكار تستند فعلًا إلى أبحاث منشورة فإن عرضها المتداول غالباً ما يتجاوز ما تسمح به الأدلة العلمية المتاحة ويقدم أحياناً بصيغة توحي بوجود علاقة مؤكدة لم تثبت بعد.
علمياً لا خلاف على أن النشاط الشمسي يتغير دورياً وأن متوسط دورة البقع الشمسية يبلغ نحو 11 سنة وهي دورة ناتجة عن عمل الدينامو المغناطيسي داخل الشمس حيث تتفاعل البلازما الساخنة مع الحقول المغناطيسية في بيئة شديدة الاضطراب. كما لا خلاف على وجود دورات ثانوية أقصر وأطول زمناً مثل التذبذب شبه الثنائي السنوي إضافة إلى دورات تمتد لعقود وقرون وجميعها تفسر ضمن إطار فيزياء الشمس الداخلية دون الحاجة إلى مؤثرات خارجية.
التذبذب شبه الثنائي السنوي هو دورة قصيرة نسبياً داخل النشاط الشمسي أو الغلاف الجوي تتكرر كل حوالي سنتين تؤثر على الرياح في طبقة الستراتوسفير على الأرض أو على بعض مظاهر النشاط الشمسي لكنها ليست ثابتة تماماً وتختلف من دورة لأخرى.
أما فكرة أن الكواكب قد تلعب دوراً في هذه الدورات فهي ليست جديدة لكنها لا تمثل الرأي السائد في علم الشمس. فالقوى المدية أو تأثيرات الجذب التي يولدها كل من المشتري أو الزهرة على الشمس ضعيفة للغاية مقارنة بالقوى الهائلة داخلها وهي أضعف بمراحل من الاضطرابات الناتجة عن الحمل الحراري وحركة البلازما في الطبقات الداخلية ما يجعلها – وفق الفهم العلمي التقليدي – بحيث لا يمكنها أن تسبب مباشرة النشاط الشمسي أو تغييره.
وقد طرح الفيزيائي الألماني فرانك شتيفاني وعدد محدود من الباحثين نماذج نظرية تقترح أن قوى جاذبية الكواكب الضعيفة رغم ضآلتها الشديدة قد تعمل كعامل تزامن زمني وليس كسبب مباشر عبر ما يعرف بالرنين البارامتري بحيث تضبط توقيت الدورة الشمسية كما تضبط الساعة الإيقاع دون أن تولد الطاقة نفسها.
الرنين البارامتري يشبه دفع أرجوحة بانتظام عند اللحظة المناسبة حيث يمكن لدفعات صغيرة أن ترفع حركة الأرجوحة إلى مستويات أعلى وفي حالة الشمس تقارن قوى جاذبية الكواكب الضعيفة بهذا الدفع المتكرر وقد تساعد فقط في ضبط توقيت نشاط الشمس وليس في إحداثه.
وتستند هذه الفرضية إلى وجود موجات مغناطيسية واسعة النطاق داخل الشمس تعرف بموجات روسبي الشمسية هي موجات هائلة تتحرك داخل الشمس نتيجة دورانها، تشبه الدوامات الكبيرة في الغلاف الجوي للأرض. هذه الموجات قد تؤثر على النشاط الشمسي لكنها لا تسبب الدورة الشمسية نفسها وما زال العلماء يدرسونها لفهم دورها بالضبط إلا أن ربط فتراتها الزمنية بقوى الجذب التي تولدها كواكب معينة لا يزال افتراضاً نظرياً فقط.
ومن ناحية أخرى يشير منتقدو هذه النماذج إلى أن الشمس والنظام الشمسي يضمان عدداً كبيراً من الدورات الزمنية المتداخلة ما يجعل من السهل العثور على تشابهات عددية بين فترات مختلفة عند المقارنة بينها دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود علاقة فيزيائية حقيقية أو تأثير مباشر يربط هذه الظواهر ببعضها، وهو نقد منهجي معروف في تحليل الظواهر الدورية. كما أن الاضطرابات العنيفة الناتجة عن الحمل الحراري داخل الشمس تفوق بمراحل أي تأثير مدّي كوكبي محتمل ما يضعف من قدرة هذه الفرضيات على تقديم تنبؤات علمية.
وبخصوص التنبؤ بزيادة محتملة في النشاط الشمسي خلال فترة قصيرة مقبلة فإن هذه المعلومات غير مؤكد علمياً إذ لا توجد حتى الآن آلية مثبتة رصدياً تتيح استخدام اصطفاف الكواكب للتنبؤ الدقيق بالنشاط الشمسي ولا يوجد سجل علمي موثوق يؤكد فاعلية هذا الأسلوب مقارنة بالنماذج المعتمدة مباشرة على قياسات الحقول المغناطيسية الشمسية نفسها.
وبالتالي فإن الحديث عن تأثير الكواكب في النشاط الشمسي يندرج حاليا ضمن نطاق البحث النظري وليس ضمن الحقائق العلمية المستقرة. فالفيزياء الشمسية المعاصرة ترجع أصل الدورة الشمسية إلى عمليات داخلية معقدة في حين تبقى فرضيات تزامن حركة الكواكب مع النشاط الشمسي أفكاراً غير مثبتة ولا تشكل أساساً علمياً للتنبؤ أو للربط المباشر بين اصطفافات الكواكب ونشاط شمسي قادم.
إرسال تعليق