اقتران القمر بالثريا الأربعاء القادم : "قران تاسع..برد لاسع"

اقتران القمر بالثريا الأربعاء القادم : "قران تاسع..برد لاسع"

 رئيس الجمعية الفلكية الاردنية... 






اقتران القمر بالثريا الأربعاء القادم :


 "قران تاسع..برد لاسع"


الاحساء

زهير بن جمعة الغزال


أوضح ذلك د. عمار السكجي

رئيس الجمعية الفلكية الاردنية

تشهد ليلة الثلاثاء/الأربعاء 27–28 كانون الثاني/ يناير 2026 اقتران القمر بعمر تسعة أيام مع العنقود النجمي الثريا (الأخوات السبع)، وكلاهما في برج الثور، وهذا الاقتران يُشاهَد من سماء الأردن ومعظم أرجاء المنطقة العربية، يقترب القمر من الثريا طوال الليل، وتبلغ ذروة الاقتراب تقريبًا ما بين 12:18  بعد منتصف الليل وحتى 2:51 فجر الأربعاء بتوقيت الاردن، وخلال هذه الفترة يحجب القمر بعض نجوم الثريا في ظاهرة جميلة تجمع بين الاقتران والاحتجاب.

حسب الموقع الجغرافي لمدينة عمّان وضواحيها، تبلغ المسافة الزاوية بين القمر وعنقود الثريا عند الساعة 12:18 بعد منتصف الليل نحو درجة قوسية واحدة و14 دقيقة قوسية، ثم يواصل القمر اقترابه التدريجي ليصل إلى مسافة قرابة 47 دقيقة قوسية عند حوالي الساعة 1:50 فجر الأربعاء، قبل أن يغربا معًا بعد ذلك بنحو ساعة تقريبًا.

يمكن رصد هذا المشهد بالعين المجردة، ولا سيما من المناطق الأقل تلوثًا ضوئيًا، خاصة المناطق الصحراوية والبعيدة عن المدن، كما يُشاهَد بوضوح أكبر باستخدام النواظير والتلسكوبات، ويُعد هدفًا مميزًا للتصوير الفلكي بالكاميرات الاحترافية والتلفونات المحمولة على حدّ سواء، وننتظر صورا ايقونية من هواة الفلك والتصوير الفلكي. 

يحدث هذا الاقتران والقمر في عمر تسعة أيام تقريبًا، حيث يظهر القمر قريبًا من عنقود الثريا في سماء الشتاء،  وقد لخّص العرب دلالة هذا المشهد بقولهم التراثي المأثور: "قِران تاسِع… بَرد لاسِع"، وهي قراءة فلكية حديثة ضمن التقويم النجمي العربي القديم (علم الأنواء).

لم تكن هذه العبارة سجعا عابرًا من الموروث عند اهل البادية، بل خلاصة علم عملي طويل التجربة، كُتب على صفحة السماء، فـ"التاسع" هنا هو عمر القمر حين يبلغ نحو تسعة أيام، و"اللاسع" توصيف لبرودةٍ مفاجئةٍ شديدة، تتزامن غالبًا مع هذا الاقتران في قلب الشتاء.

فلكيًا، يأتي اقتران القمر بالثريا في فترة تكون فيها الشمس في أدنى ارتفاعها، والليل في أطوله تقريبا، والإشعاع الشمسي في اقل نسبه، وفي مثل هذه الظروف، تتعاظم تدني الحرارة ليلًا، فتشتد البرودة بشكلٍ ملحوظ، حتى لو سبقتها أيام معتدلة، من هنا وُلد وصف "اللاسع"  بردٌ يخترق العظم ولا يُستهان به.

لم ينظر أهل البادية إلى القمر والثريا كزينةٍ سماوية، بل كـتقويمٍ عمليٍّ للحياة. فإذا «احتضن» القمر الثريا وهو في تاسعه، أدركوا أن مرحلةً قاسية من الشتاء قد بدأت؛ فيُشدّ الرحال بحذر، وتُزاد طبقات الصوف، ويُقرب الحطب، وتُؤجَّل الأسفار الطويلة. إنها إدارة معيشة كاملة مبنية على اقترانٍ سماوي واحد.

ويأتي هذا الاقتران هذا العام في نهاية المربعانية واقتراب الخماسينية، أي قبيل أيام من موسم "سعد الذابح"، الذي يبدأ مع طلوع نجم الذابح في مطلع شهر شباط/فبراير، وهو موسم اشتهر تاريخيًا بشدة برده وتقلباته، وكما قال اجدادنا : "الصيت للمربعانية والفعل لشباط". 

واللافت أن هذه الحكمة الشعبية تتوافق تمامًا مع الفلك الحديث؛ فأطوار القمر تحدد ظروف الرصد الليلي، وموقع الثريا في السماء يحدد الفصل، واجتماعهما عند عمرٍ قمريٍّ معيّن يُعلن ذروةً موسميةً للبرودة، ما قاله الأجداد شعرًا وحكمة، تؤكده اليوم الحسابات الفلكية بلغة الأرقام.

لكن اليوم مع تطور العلوم والتكنولوجيا، لم تعد معرفة الطقس تعتمد على الاحداث الفلكية وحدها كما في الماضي، بل تُحدَّد بدقة عالية من خلال نماذج الأرصاد الجوية الحديثة، وصور الأقمار الاصطناعية، والقياسات المباشرة لمعاملات الطقس الأساسية مثل درجة الحرارة، والرطوبة، والضغط الجوي، وسرعة الرياح،  وتتيح هذه الأدوات العلمية التنبؤ بالتغيرات الجوية على المدى القصير والمتوسط بدقة كبيرة، مع تتبّع تطور الكتل الهوائية والمنخفضات الجوية لحظة بلحظة، لتصبح قراءة الطقس اليوم علمًا قائمًا على البيانات والنمذجة الفيزيائية، لا على الملاحظة التراثية وحدها، وإن بقي لهذا التراث قيمته الثقافية والمعرفية في فهم علاقة الإنسان القديمة بالسماء والفصول.

اكتب تعليق

أحدث أقدم