"شهر رمضان: الاستعداد الواعي لا يجعلنا نصوم فقط… بل يجعلنا نتغير"

"شهر رمضان: الاستعداد الواعي لا يجعلنا نصوم فقط… بل يجعلنا نتغير"

 


بقلم/ ريهام عبد القادر أحمد

مع كل عام، يقترب رمضان فتتغير ملامح الشوارع والأسواق، وتطول قوائم المشتريات، وكأن الاستعداد للشهر الكريم يبدأ وينتهي عند المائدة. لكن الحقيقة الأعمق، التي يغفلها كثيرون، أن رمضان ليس ضيفًا عابرًا نحسن استقباله بالطعام، بل محطة إيمانية وإنسانية تحتاج استعدادًا واعيًا يطال القلب والعقل والجسد معًا.

فالطريقة التي ندخل بها رمضان، هي التي تحدد كيف سنخرج منه.

الاستعداد الروحي… التهيئة قبل العبادة

الخطأ الشائع أن نؤجل علاقتنا الروحية حتى إعلان أول يوم صيام، بينما النفس البشرية تحتاج تمهيدًا لا مفاجأة. التدرج في الطاعة قبل رمضان — بالانتظام في الصلاة، وتخصيص وقت يومي للقرآن، والتخفف من العادات السلبية — يجعل القلب أكثر تقبلًا لأجواء الشهر، ويحوّل العبادة من مجهود ثقيل إلى سلوك طبيعي نابض بالسكينة.

رمضان لا يغيّر من يرفض التغيير، لكنه يمنح فرصة ذهبية لمن يتهيأ له.

الاستعداد الصحي… لأن الجسد شريك في العبادة

الصيام عبادة روحية، لكنه أيضًا تغيير جسدي مفاجئ. الانتقال من نظام عشوائي في النوم والطعام إلى صيام طويل قد يرهق الجسم إذا لم يُمهَّد له. تقليل المنبهات تدريجيًا، شرب الماء بانتظام، تخفيف السكريات والمقليات، وتنظيم ساعات النوم… خطوات بسيطة لكنها تصنع فارقًا هائلًا في النشاط والقدرة على أداء العبادات دون إجهاد.

فالجسد المتوازن لا يثقل الروح، بل يعينها.

الاستعداد النفسي… رمضان ليس موسم ضغط

كثيرون يدخلون رمضان بقائمة التزامات مرهقة، فيفقد الشهر هدوءه تحت ضغط العزومات والواجبات الاجتماعية. بينما جوهر رمضان هو التخفف لا التكدس، والسكينة لا الاستنزاف. وضع أهداف بسيطة وقابلة للاستمرار — كعادة خير، أو ورد قرآني، أو إصلاح سلوك — يحول رمضان من سباق متعب إلى رحلة داخلية هادئة.

النجاح في رمضان لا يُقاس بكمّ الأطباق، بل بقدر التغيير الحقيقي داخل النفس.

التسامح… تصفية القلوب قبل تصفية المائدة

ومن أهم معاني الاستعداد التي يمنحها هذا الشهر، قيمة التسامح. فلا معنى لصيام الجسد وقلب الإنسان مثقل بالخصام. رسالة صلح، كلمة طيبة، أو قرار داخلي بالعفو، قد يحرر الإنسان من عبء قديم، ويجعله يدخل رمضان بقلب خفيف. التسامح هنا ليس ضعفًا، بل قوة 

روحية تفتح باب الطمأنينة الذي يبحث عنه الجميع.

الاستعداد الأسري… دفء العلاقات أولى من وفرة الطعام

رمضان فرصة نادرة لإعادة الروح إلى البيوت. لحظات بسيطة — إفطار بلا هواتف، دعاء جماعي، مشاركة الأطفال في التحضير — تصنع ذاكرة عاطفية تبقى طويلًا بعد انتهاء الشهر. فالبيوت التي تستعد لرمضان بالمودة، تعيش معناه الحقيقي.

رمضان لا يحتاج موائد ممتلئة بقدر ما يحتاج قلوبًا مهيأة.

فالاستعداد الواعي لا يجعلنا نصوم فقط… بل يجعلنا نتغيّر.


اكتب تعليق

أحدث أقدم