كتب / ريهام عبد القادر أحمد
في السنوات الأخيرة، لم يعد الحديث عن الأطفال الذين يولدون باختلافات نمائية مثل التوحد أو صعوبات التعلم أمرًا نادرًا أو هامشيًا. الأرقام في ازدياد، والأسئلة في البيوت أكثر، والقلق حاضر عند كل أم وأب يلاحظان أن نمو طفلهم لا يسير على نفس خطى الآخرين. من هنا، تخرج هذه السطور محاولة لفهم القضية بعيون إنسانية، وبمسؤولية صحفية، بعيدًا عن التهويل أو الشفقة.
الطفل من أول يوم في حياته في حياته بيبدأ رحلته مع الدنيا، لكن مش كل الأطفال بيمشوا نفس الطريق بنفس السرعة. في أطفال بتحتاج دعم أكتر، فهم أكتر، وصبر أطول. اضطرابات زي طيف التوحد أو صعوبات التعلم مش مرض، ومش وصمة، هي طريقة مختلفة للمخ في الفهم والتعامل مع العالم.
أول دور حقيقي للأم والأب بيبدأ من لحظة الملاحظة. أم تلاحظ إن طفلها مش بيبص في عينيها كتير، أو مش بيرد على اسمه، أو متأخر في الكلام. أب يلاحظ إن ابنه ذكي بس بيعاني في القراءة أو الكتابة. هنا الخطر مش في المشكلة نفسها، الخطر في التجاهل أو الإنكار.
التشخيص المبكر هو المفتاح. كل ما اكتشفنا بدري، كل ما فرص التحسن كانت أكبر. وده مش معناه إن الطفل «يتصلح»، لكن معناه إننا نساعده يطلع أحسن نسخة من نفسه. زيارة أخصائي تخاطب، أو نفسي، أو تنمية مهارات مش رفاهية، دي خطوة أساسية.
من أصعب الحاجات اللي بتمر بيها الأسرة هي تقبل الواقع. في أمهات بتلوم نفسها، وآباء بتحس بالعجز، وأسئلة كتير ملهاش إجابة: ليه؟ عملنا إيه غلط؟ والحقيقة إن مفيش حد غلط. القبول هنا مش استسلام، القبول هو بداية الشغل الحقيقي.
دور الأم غالبًا بيكون اليومي والأقرب: متابعة الجلسات، تنفيذ التمارين في البيت، الصبر على التكرار، والاحتفال بأي تقدم مهما كان بسيط. كلمة جديدة، تواصل بعين، محاولة كتابة حرف… دي إنجازات حقيقية.
ودور الأب لا يقل أهمية. الدعم النفسي للأم، المشاركة في القرار، قضاء وقت حقيقي مع الطفل، وإحساس الطفل إن أبوه فخور بيه زي ما هو. الطفل المختلف محتاج أمان أكتر من أي حاجة.
ومع الوقت، ومع دخول المدرسة، بتظهر تحديات جديدة. نظام تعليمي أحيانًا مش مهيأ، ومعلمين مش دايمًا فاهمين. هنا لازم الأسرة تكون صوت الطفل، تدافع عن حقه في التعليم المناسب، وتشرح احتياجاته بدون خجل.
كبر الطفل مش نهاية الرحلة، دي مرحلة جديدة. مراهق عنده توحد أو صعوبات تعلم محتاج يتعلم يعتمد على نفسه على قد ما يقدر، يكتشف نقاط قوته، ويحس إنه عضو مهم في المجتمع. في أطفال كتير عندهم قدرات مذهلة، بس محتاجين اللي يكتشفها.
القصة دي مش قصة حزن، هي قصة مسؤولية وأمل. أطفالنا المختلفين مش أقل، هم فقط مختلفين. ومع أسرة واعية، ودعم حقيقي، وحب غير مشروط، الطفل ده يقدر يعيش حياة كريمة، ناجحة، ومليانة معنى.
في النهاية، تبقى القضية أكبر من مجرد تشخيص أو جلسات علاج. هي قضية وعي مجتمعي، ومسؤولية أسرة، ودور دولة ونظام تعليمي وصحي قادرين على الاحتواء قبل الحكم. الطفل الذي يولد مختلفًا لا يحتاج نظرات شفقة، بل فرصًا حقيقية، ويدًا تمتد له في الوقت المناسب.
حين نؤمن أن الاختلاف جزء من الإنسانية، سنكتشف أن دعم طفل واحد يمكن أن يغيّر مستقبل أسرة كاملة، وربما مجتمع بأكمله.

إرسال تعليق