حين يغيب الضجيج
بقلم: فاطمة زيدان
محاضر بالجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا
والباحثة في التاريخ والتراث
هل حدث يومًا أن جلست في مجلس، وشعرت أن الحديث من حولك
يستنزفك من الداخل؟
هَبْ أنَّ الناسَ جميعًا أُزيحوا قليلًا عن
طريقك… فماذا يبقى منك؟
في عالمٍ يحيط بنا الضجيج والوجوه والآراء من كل مكان، كثيرًا ما نعيش وكأننا جزء من انعكاسات الآخرين، نمتثل لأصواتهم، ونتبنى أفعالهم وربما أفكارهم ايضًا، وأحيانًا ننسى من نحن حقًا. لكن ماذا لو أزيح الناس عن طريقك؟ هل ستظل قادرًا على السير بخطاك، أم ستشعر بالفراغ والضياع؟ وهل ما بداخلك يكفي لتستأنس بنفسك حين يغيب الجميع؟
حين يغيب الضجيج وتبتعد الوجوه، تكتشف الحقيقة: كثير مما حسبته ذاتك كان مجرد صدى لما حولك. الاختلاط المستمر يستهلكك، ويستهلك وقتك وعاطفتك، وفي كل حديث زائد، وفي كل مجاملة غير ضرورية، جزء من قلبك يذهب بلا عودة. ومع ذلك، هذا لا يعني أن الناس شر طوال الوقت، بل أن كثرتهم امتحان عسير للقلب والعقل والروح.
هنا يظهر الفرق بين من يرتبط بالآخرين ليعرف قيمته ومن يعرف
قيمته داخليًا. الإنسان الذي اعتاد أن يجد ذاته في انعكاس الآخرين قد يكتشف فجأة
فراغًا كبيرًا حين يغيبون، بينما من زرع داخله صفاء القلب، ووعي النفس، وقوة
الإرادة، يجد في وحدته صديقًا يُسند خطواته ويُمكّنه من الاستمرار.
إن غاب الجميع، يظل من يعرف نفسه قادرًا على الحب والعطاء،
قادرًا على الحلم والعمل، قادرًا على أن يكون حقيقيًا مع ذاته قبل أن يكون مع الآخرين.
فالوحدة ليست فقدانًا، بل فرصة لمعرفة من أنت حقًا وما يبقى منك حين يغيب الضجيج.
في المقابل، البعد المؤقت عن الآخرين فرصة لإعادة ترتيب الداخل وإعادة الإصغاء لصوت النفس، بعض البعد يُنقي الروح، ويظهر ما هو أصيل وما هو زائف، ويعيد للقلب صفاءه وهدوءه. في وحدتك، تبدأ في سماع صوتك الداخلي الحقيقي، الصوت الذي لا يحتاج إلى مدح أو اعتراف خارجي.
وفي هذا السياق، يظهر درس مهم: قيمتك لا تُقاس بما يمنحه لك الآخرون. كثير من البشر يربطون أنفسهم بالمديح والحب والاهتمام الذي يلقونه من المحيطين، ويظنون أن ذلك هو مقياس وجودهم. لكن الحقيقة أن ما يحدد قيمتك هو ما تبنيه بنفسك داخليًا: صدقك، وصفاء نيتك، نقاء قلبك، وقدرتك على الحب والعطاء بلا انتظار مقابل. الإنسان الذي يعرف قيمته الداخلية يستطيع الحب بصدق، العطاء بإخلاص، والمواجهة بشجاعة، حتى لو غاب الجميع حوله.
حين يزول الضجيج وتبتعد الوجوه، ستعرف من أنت حقًا، وستدرك أن جوهر الإنسان لا يحتاج لإثبات خارجي، بل يعرف قيمته في صمته ووحدته.
وفي ختام الرحلة مع النفس، يظل الإنسان مدينًا لأعظم درس على الاطلاق: ألا يزين نفسه بما ليس فيها، وألا يفقد جوهره في مطاردة إعجاب الآخرين. كما جاء في الحديث النبوي الشريف:
"المُتشبِّعُ
بما لم يُعط كلابِسِ ثَوبَي زُور"، قال النووي في
شرح مسلم عند شرح هذا الحديث: قال
العلماء معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده يتكثر بذلك عند
الناس ويتزين بالباطل فهو مذموم، وقال ابن حجر في الفتح: قوله المتشبع أي المتزين بما
ليس عنده يتكثر بذلك ويتزين بالباطل
فتزين الإنسان بما لا يملك ليس سوى خديعة للنفس والآخرين،
ويفقده ذلك صدقه وراحته الداخلية. من يعرف حدود ذاته ويقر بجوانب ضعفه وقوته، يجد
نفسه صادقًا مع قلبه، رصينًا في خطواته، وقادرًا على العطاء بلا زيف أو رياء. ما
يظل في الخلوة ويصان في صمت النفس لا يضيع في الزحام، بل يثمر حبًا أعمق، وعطاءً
أصدق، ووعيًا حقيقيًا لما يبقى منك حين يغيب الضجيج والوجوه.

إرسال تعليق