مقال بعنوان: البلياتشو

مقال بعنوان: البلياتشو



مقال بعنوان: البلياتشو 
بقلم 
ا.د إبراهيم محمد مرجونة 

في زاويةٍ منسية من السيرك، تحت ضوءٍ دائريٍّ لا يعرف الرحمة، يقف البلياتشو. وجهه مغطّى بطبقة بيضاء سميكة، كأنها محاولة لمحو شيءٍ ما، وفمه مرسوم بالأحمر على اتساعٍ مبالغ فيه، ابتسامة لا يمكن أن تنطفئ حتى لو أراد. يضحك، لأن الضحك هنا ليس اختيارًا، بل مهنة. ليس تعبيرًا عابرًا، بل شرط وجود.
البلياتشو ليس مجرد مهرّج يُسلي الأطفال ويخفف وطأة الوقت. هو كائن يعيش في المسافة بين ما يُظهره وما يخفيه، بين القهقهة التي يسمعها الجميع والأنين الذي لا يسمعه أحد. حين يضع قناعه، يبدو كأنه يتخفّى، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا: ربما لا يستطيع أن يكون صادقًا إلا خلف هذا القناع. وربما نحن أيضًا لا نكون صادقين إلا حين نتخفّى خلف أدوارنا اليومية.
نحن، مثل البلياتشو، نرتدي أقنعة أقل فجاجة: ابتسامة الموظف أمام مديره، خفة ظلّ الصديق في مجلس مثقل بالهموم، رباطة جأش الأب أمام أسرته وهو يحمل قلقه وحده. الفرق الوحيد أن البلياتشو يعترف بلعبته، أما نحن فنُصرّ على أن أدوارنا هي وجوهنا الحقيقية.
في كل سقوطٍ مفتعل على خشبة السيرك، ثمة حكمة صغيرة. يتعثر بحذائه الكبير، يلوّح بيديه في ارتباكٍ مصطنع، يسقط أرضًا فيضحك الجمهور. السقوط هنا مشهدٌ كوميدي، لكن الحياة خارج الخيمة لا تضحك حين نسقط. ومع ذلك، يذكّرنا البلياتشو بشيءٍ بسيط وعميق: أن زاوية النظر قد تحوّل المأساة إلى مشهدٍ محتمل. ليس الضحك إنكارًا للألم، بل أحيانًا طريقة لتطويقه، لتقليص حجمه، لترويضه ولو مؤقتًا.
وحين ينتهي العرض، ويهدأ التصفيق، وتُطفأ الأنوار، يجلس وحده أمام المرآة. يبدأ في مسح الطلاء الأبيض ببطء، كأنه يزيل يومًا كاملًا من على وجهه. تختفي الدهشة المرسومة، وتتقلص الابتسامة الحمراء إلى فمٍ عاديٍّ متعب. في تلك اللحظة لا أحد ينتظر منه طرفة، ولا أحد يطالبه بخفة الظل. لكنه أيضًا لا يجد من يسأله: كيف حالك حقًا؟
وحدته ليست صاخبة، بل هادئة وثقيلة. هو محبوب ما دام يضحك الآخرين، مرئيٌّ ما دام يثير الدهشة. أما حين يعود إنسانًا عاديًا، يصبح شفافًا تقريبًا. لعلّ هذه هي مأساة كل من حوّل ألمه إلى فن: يُصفَّق له على قدر ما يُخفي.
وجهه نفسه يحمل رمزية جارحة. الأبيض ليس براءة كما قد نظن، بل فراغ، مساحة محايدة يمكن رسم أي شعور عليها. أما الأحمر الذي يطوّق فمه فليس لونًا احتفاليًا خالصًا، بل يبدو كجرحٍ تعلّم أن يتخذ شكل ابتسامة. كأن الضحك، في صورته الأشد صفاءً، هو جرحٌ أعيد تشكيله ليصبح مقبولًا.
البلياتشو، بهذا المعنى، ليس شخصية سيرك فحسب؛ إنه صورة مكثفة عن الإنسان في عالمٍ يطالبه بالأداء المستمر. نحن نؤدي أدوارًا لا تنتهي: ناجحون، أقوياء، متماسكين، مرحين. نرتجل حركاتنا، نتعثر أحيانًا، ننهض سريعًا قبل أن يلاحظ أحد. وبين مشهدٍ وآخر، نبحث عن زاوية معتمة نلتقط فيها أنفاسنا.
ومع ذلك، ثمة جمال خفي في هذه الشخصية الحزينة. فأن تختار أن تضحك رغم إدراكك لثقل العالم، أن تحوّل سقوطك إلى رقصة، وأن تجعل من ضعفك لحظة دفء للآخرين، فذلك شكلٌ من أشكال الشجاعة. ليست الشجاعة دائمًا صراخًا أو مواجهة مباشرة؛ أحيانًا تكون ابتسامة مرسومة بعناية فوق قلبٍ مثقل.
حين يلوّح البلياتشو مودّعًا في نهاية العرض، نظنه يحيّي الجمهور، لكن ربما هو يحيّي شيئًا أعمق: قدرتنا المشتركة على الاحتمال. نحن نصفّق له لأننا نعرفه، لأننا رأيناه في المرآة دون طلاء. نعرف أن الضحك لا يُلغي الحزن، بل يسير إلى جواره، يمسك بيده حتى لا يغرق.
وفي النهاية، لا يبقى من البلياتشو إلا هذا الدرس البسيط والمؤلم: أن الإنسان قد يُجبر على اللعب في سيرك الحياة، لكن بوسعه أن يختار كيف يسقط، وكيف ينهض، وكيف يبتسم. ليس لأن كل شيءٍ بخير، بل لأن الابتسامة أحيانًا هي الطريق الوحيد لكي لا ينكسر تمامًا.

اكتب تعليق

أحدث أقدم