معاذ عليان يكشف أسرار تحليل النصوص الدينية:حوار صريح بين البحث والدعوة

معاذ عليان يكشف أسرار تحليل النصوص الدينية:حوار صريح بين البحث والدعوة



معاذ عليان يكشف أسرار تحليل النصوص الدينية: حوار صريح بين البحث والدعوة

بقلم: آية محمود رزق

في زمن أصبحت فيه الحوارات الدينية ساحة للصخب أكثر منها مساحة للفهم يبرز أسلوب الأستاذ معاذ عليان بوصفه نموذجًا مختلفًا تمامًا أسلوب يقوم على المواجهة الهادئة لا الانفعال وعلى تفكيك الفكرة لا مهاجمة صاحبها وعلى طرح الأسئلة قبل ادعاء امتلاك الإجابات لا يعتمد في حضوره على الإثارة بقدر ما يعتمد على بناء حجة متماسكة ولا يسعى إلى إغلاق النقاش بل إلى توسيعه واضعًا أمام المتلقي مادة تحتاج إلى عقل يفكر لا مجرد موقف يُتبع في خطابه تبدو الدعوة أقرب إلى حوار مفتوح تُستخدم فيه أدوات البحث ويُستدعى فيه النص ويُترك الحكم النهائي للوعي لا للانحياز

في هذا السياق طُرحت مجموعة من الأسئلة على الأستاذ معاذ عليان وجاءت إجاباته كما هي لتعرض رؤيته كاملة كما عبّر عنها

المنهج العلمي وتحليل النصوص الدينية

سُئل عن المنهج العلمي الدقيق الذي يعتمد عليه في تحليل النصوص الدينية وكيف يضمن عدم توجيه النتائج لخدمة قناعة مسبقة فأجاب "هو المنهج العلمي المتبع في إطار أكاديمي ولكن بلغة بسيطة وواضحة فنحن عندما نتحدث عن أمور أبعد كل البعد عن قناعاتي المسبقة ولكن نحن نؤمن بالنتيجة بلا شك أنا أعتمد على منهج مقارن يقوم على جمع النصوص من أقدم مصادرها إن وجدت مع مراجعة السابق واللاحق ومراجعة الشراح قديمًا وحديثًا مع الوضع في الاعتبار الفرق بين النص الصريح والنص غير المباشر أنا لا أستطيع أن أنفي عن نفسي وجود قناعة مسبقة ولكن لن أتحامل ولن أنحني ولا أرضي لنفسي أن أتحامل على الآخرين فقط لأجل قناعاتي السابقة فالضابط عندي هو أن أرجح إلا بما هو ثابت عند المخالف أو معتبر في كتابه أو على الأقل الواضح في النص الصريح أنا فقط أقوم بعرض الفكرة كاملة حتى يكون الحكم للمشاهد أولًا"

تعدد الترجمات والتفسيرات المسيحية

حول تعدد الترجمات والتفسيرات داخل المسيحية وكيف يختار النص أو التفسير المناسب قال "الترجمات تختلف عن التفاسير وإن كانت متقاربة فالترجمة هي ترجمة لنص مقدس وهي بالنسبة للشخص المسيحي هي الكتاب المقدس وهي في الواقع اجتهاد البشر في ترجمة النص والترجمة كما يقال في الأوساط الكنسية تخضع لأيديولوجيات المترجم أما التفاسير فهي توضيح للنص الذي خضع بالفعل لأيديولوجيات متعددة سواء في النقل أو النسخ أو الترجمة وبخصوص السؤال أنا أعتمد الترجمة أو التفسير الذي يقبله المحاور فمثلاً لو كان الشخص أرثوذكسي فمن الممكن أن أستدل بترجمة الكلية الإكليريكية التي صدرت عام 2022م أو ترجمة القديس جيب جرجس والتي صدرت عام 1935م أو ترجمة البابا كيرلس للأناجيل عام 1972م تقريبًا أو الترجمة العربية المشتركة التي صدرت عام 1992م وقد تشارك فيها أعضاء من مختلف الكنائس مسيحية كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس أو النص اليوناني أو ترجمة بين السطور أو ترجمة الفانديك أو نص القطمارس وهي القراءات الكنسية المعتمدة في الكنيسة الأرثوذكسية وهذه الترجمات تختلف اختلافات دقيقة قد تصل لعدم وجود نصوص في بعضها بالجملة يسري الأمر نفسه على الكاثوليك فلديهم الترجمة الكاثوليكية أو ترجمة اليسوعية أو الترجمة الجبرية أو الترجمة البوليسية أو ترجمة الآباء الدومينيكان وغيرهم أما بالنسبة للبروتستانت فهو المتحرر عنهم قليلًا ففيه ترجمة الفانديك وهي إنجيلية الأصل وترجمتها حياة وترجمة الكتاب الشريف كل هذه الترجمات تختلف اختلافات كبيرة وهذه الاختلافات نتجت عن أيديولوجيات المترجم ومن قبل المترجم ناسخي المخطوطات وقد يظهر هذا بشكل واضح في مخطوطات من أقدم مخطوطات الكتاب المقدس الكامل وهي تعود للقرن الرابع حيث نجد في صفحة 1512 أحد النساخ يحرف كلمة فيأتي آخر ويجدف ما حرفه ويضع كلمة أخرى فيعود المحرف يغيرها ثم يكتب الناسخ الأخير الآتي "يا أحمق يا مخادع ألا تستطيع أن تترك الكتابة القديمة على أصلها وألا تحرفها" تلاعب النساخ في النسخ القديمة واضح لكل باحث في المخطوطات وهذا التلاعب ظاهر حتى في الترجمات ودائمًا أقول إن أردت ترى اختلافات المخطوطات القديمة وأنت لا تعرف اليوناني قارن بين الترجمات الحالية لترى ذلك وكذلك الأمر في التفاسير فأنا لا أستشهد بتفسير إنجيلي على شخص أرثوذكسي أو على شخص كاثوليكي بتفسير بروتستانتي وهذا الأمر مرهق ويحتاج جهدًا كبيرًا بلا شك

التعامل مع السياق ونقد الاختلافات

عندما سُئل عن التركيز على نقاط الخلاف دون السياق الكامل قال "اتهامات معلبة ليس إلا نحن نفتح الكتاب على الهواء ونقرأ ونناقش فالاعتراض يُوجَّه من حيث الأصل لو كان الطرح مبتورًا فعلًا ولذلك نرى أن من الإنصاف عرض السياق الذي يذكره الطرف الآخر ثم نوضح هل هذا السياق يحل الإشكال أم لا بعض الاتهامات تكون لمجرد قناعة فكرية فبمجرد أنك مخالف يُقال إنك تجتزئ وتفعل كذا وكذا بالإضافة إلى أننا يجب أن نفصل بين السياق بوصفه شرحًا وبيانًا وبين السياق بوصفه وسيلة للهروب من دلالة النص ليس كل اعتراض على السياق إنصافًا كما أن ليس كل استحضار للسياق تبريرًا المطلوب من المشاهد الإنصاف وفهم فحوى الكلام كاملًا وتوضيحه"

البحث الموضوعي أم الخطاب الدعوي

حول طبيعة ما يقدمه وهل هو بحث موضوعي أم خطاب دعوي أجاب "هو خطاب دعوي حواري يستفيد من أدوات البحث الموضوعي الأكاديمي فيما يخدم غرض البيان والرد والتوضيح وليس بحثًا أكاديميًا محترفًا بالمعنى المؤسسي مستوى رجال الدين يختلف عن ذلك لكنني في الوقت نفسه ألتزم فيه بالصدق والإنصاف الدين ليس ترفيهًا ولا هو ساحة لاستعراض المهارات الجدلية بل أناقش أمورًا تختص بالله سبحانه وتعالى والأمر جلل"

في النهاية لا يقف هذا الحوار عند حدود الإجابات بل يفتح بابًا أوسع للتأمل هل تكمن قوة الطرح في نتائجه أم في منهجه وهل الخلاف الحقيقي في النصوص أم في طريقة قراءتها ربما لا يقدّم هذا الحوار إجابة نهائية لكنه يضع القارئ أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها أن يفكر أن يُراجع وأن يُدرك أن الحقيقة لا تُمنح جاهزة بل تُنتزع عبر سؤال صادق وعقل لا يخشى أن يعيد النظر

اكتب تعليق

أحدث أقدم