اليتيم الذي لم ييتم بعدبقلم: فاطمة زيدانمحاضر بالجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتاوالباحثة في التاريخ والتراث

اليتيم الذي لم ييتم بعدبقلم: فاطمة زيدانمحاضر بالجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتاوالباحثة في التاريخ والتراث



اليتيم الذي لم ييتم بعد
بقلم: فاطمة زيدان
محاضر بالجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا
والباحثة في التاريخ والتراث
 
يقول أحمد شقير رحمه الله:
" وحسبتُ أني أقترب وظننتُ أني على باب الوصول، فنظرتُ بكلي فرِحًا فإني أوشكتُ أن أصل، لكني يا أبتي وجدتُ طريقًا غير الطريق، وحُلمًا غير الحُلم، أنا يا أبتي في هذه الدار غريبٌ رُغم أُنسي وحيدٌ رُغم صحبي"
وقف الطفل أمام الباب، يحمل في داخله حلمًا صغيرًا: أن يُستقبل بابتسامة، أو كلمة، أو حتى حضن متأخر يعوض ما فات.
لكن المشهد أقسى من توقعاته.
لم يفتح الأب ذراعيه، لم يسأل، لم يقترب. بل ألقى جملة باردة: "ودوه للمحامي بتاعي"، ولم يتوقف الألم عند هذا الحد، إذ جاءت زوجة الأب لتؤكد الرفض الصريح: "ودوه لأمه…  ملناش دعوة بيه"
وفي لحظة واحدة، وجد الطفل نفسه خارج كل الدوائر: الأم تخلت، الأب تبرأ، والبيت أغلق أبوابه.
لم يبكِ الطفل. لأن أحيانًا يكون الصمت هو الشكل الأخير من أشكال الانكسار.
كان يقف أمام باب أبيه، لا يسأل عن الطعام أو المأوى، بل عن شيء أبسط وأعمق:
"إذا كانا لا يريداني… فمن يريدني إذن؟"
ليس كل يتيم من فقد أباه وأمه، فهناك يتيم آخر… لا يُكتب في السجلات، ولا يُصنف في القوانين، ولا تلتفت إليه العيون. أحيانًا لا يكون الوجع في الفقد فقط، بل في الشعور بأنك موجود بين الناس… لكن بلا مكان حقيقي لك بينهم. ذلك الإحساس الذي يجعل الإنسان غريبًا رغم الأنس، ووحيدًا رغم الزحام، هو أقرب ما يكون إلى صورة من صور اليُتم غير المعلن؛ اليُتم الذي لا يحدث بالموت، بل بغياب الاحتواء.
هو يتيم لأن أحدًا لم يحتضن روحه وليس لأن أحدًا غاب بجسده، يتيم لأن أول ما سقط من حياته لم يكن بيتًا، بل إحساس الانتماء. ولأن أخطر أنواع الفقد ليس فقد الأشخاص… بل فقد الشعور بأنك مقبول قد يكبر الطفل بين البيوت، يتنقل بين الوجوه، يسمع أصواتًا كثيرة، ويرى أبوابًا تُفتح وتُغلق، لكن بابًا واحدًا يبقى مغلقًا دائمًا: باب الاحتواء. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية:
حين لا يعود الطفل يسأل: "من تركني"؟
بل يسأل بصمتٍ أعمق:
"هل كان يجب أن أبقى أصلًا؟"
ذلك هو اليتيم الذي لم ييتم بعد…
طفل لم يُفقد والديه، لكن فُقد فيه معنى أن يكون له والدان.
 اليتيم ليس حالة مرتبطة بفقدان الوالدين فقط، بل قد تتشكل في صور أكثر خفاءً حين يغيب الاحتواء مع بقاء الأبوين على قيد الحياة. عندها لا يفقد الطفل والديه جسديًا، لكنه يفقد ما هو أعمق: الشعور بالأمان والانتماء والقبول.
أحد أخطر أشكال الظلم الإنساني هو تحويل الطفل إلى ساحة لتصفية خلافات الكبار.
فالطفل لا يختار الطلاق، ولا الزواج الثاني، ولا النزاعات الأسرية، لكنه يدفع الثمن كاملًا.
وحين يُحرم من الاحتواء، لا يفقد بيتًا فقط، بل يفقد شعوره الأساسي بأنه “مقبول ومحبوب”، وهو ما يُبنى عليه كل توازنه النفسي لاحقًا.
ومع إعادة تشكل الحياة الأسرية لدى كل طرف، أو دخول أطراف جديدة في المعادلة، قد يتحول الطفل إلى عنصر هامشي، لا يجد له موقعًا ثابتًا داخل أي بيت. وهكذا يبدأ شكل جديد من اليُتم؛ يُتم غير مُعلن، لا يُسجَّل في الوثائق، لكنه يُسجَّل بعمق في النفس.
هذا النوع من الحرمان لا يتعلق بفقدان الرعاية المادية، بل بفقدان الإحساس بالانتماء. فالطفل يحتاج قبل كل شيء إلى شعور داخلي بأنه “مرغوب فيه”، وأن له مكانًا آمنًا يعود إليه نفسيًا قبل أن يكون ماديًا.
وتشير الأدبيات النفسية إلى أن ما يُعرف بـالرفض الوالدي يُعد من أكثر التجارب تأثيرًا في تشكيل شخصية الطفل، حيث يرتبط باضطرابات في تقدير الذات، وصعوبات في تكوين العلاقات، وزيادة احتمالات القلق والاكتئاب. الأخطر من ذلك أن الطفل غالبًا ما يُسقط سبب هذا الرفض على ذاته، فيعتقد أنه غير كافٍ أو غير جدير بالحب.
تربويًا، لا يمكن اختزال احتياجات الطفل في الغذاء والتعليم والمسكن. فهناك احتياجات غير مرئية، لكنها أساسية في البناء النفسي، مثل: الاحتواء، والتقدير، والحب غير المشروط، والشعور بالانتماء. وعند غياب هذه العناصر، لا ينشأ فقط طفل “مُهمل”، بل شخصية مضطربة في علاقتها بذاتها وبالآخرين.
أما شرعًا، فإن مسؤولية الوالدين لا تنحصر في الرعاية المادية، بل تمتد إلى حفظ النفس والوجدان والتربية. يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"
فالولد ليس ورقة تُطوى بعد الطلاق، ولا عبئًا يُلقى على أحد الطرفين، بل أمانة يُسأل عنها الوالدان أمام الله، في النفقة والرعاية والاحتواء، قبل أي اعتبار اجتماعي أو شخصي.
ومن هنا، فإن التفريط في احتواء الطفل، أو تحويله إلى عبء يُدفع بين البيوت، هو صورة من صور الإخلال بهذه المسؤولية، حتى وإن لم يُسمى ذلك إهمالًا في القوانين أو الأعراف.
إن أخطر ما في "اليتيم الذي لم ييتم بعد" أنه لا يعلن معاناته بوضوح، بل يعيشها في الداخل بصمت. وقد يكبر وهو يحمل آثار هذا الغياب في سلوكه، وعلاقاته، ونظرته إلى ذاته والعالم.
لكن هذا المصير ليس حتميًا. فحين يجد الطفل بيئة بديلة آمنة، أو دعمًا نفسيًا حقيقيًا، يمكن للجرح أن يتحول إلى وعي، وللألم أن يصبح قوة، وللفقد أن يتحول إلى دافع لبناء ذات أكثر تماسكًا ورحمة.
يبقى الطفل في النهاية ليس بحاجة إلى بيت فقط، بل إلى قلبٍ يشعره أنه ليس زائدًا عن الحياة.
وأخيرًا...
هذا الطفل الذي تخلى عنه والداه ليس حالة فردية، بل مرآة لواقعٍ يتكرر بصور مختلفة، في بيوتٍ تبدو مكتملة من الخارج، لكنها من الداخل تُخفي فراغًا لا يراه أحد.
فليست المأساة في غياب الأبوين وحده، بل في حضورٍ لا يترك أثرًا، ووجودٍ لا يصنع أمانًا، وقرابةٍ لا تمنح انتماءً.
إن اليتيم الحقيقي ليس من فقد والديه، بل من فقد المعنى الذي يجعل وجوده في هذا العالم مُبرَّرًا ومحبوبًا وآمنًا.
وقد يُكتب لهذا الطفل أحد طريقين لا ثالث لهما:
إما أن يكبر وهو يحمل ندبة الرفض كظل لا يفارقه، تُعيد تشكيل نظرته لنفسه وللآخرين، وتُثقل خطواته في كل علاقة جديدة…
أو أن تمتد إليه يد واعية في لحظة إنقاذ مبكرة، فتُعيد تعريف الألم لا كحكمٍ نهائي، بل كبدايةٍ لفهم أعمق للحياة عندها فقط، يمكن للجرح أن يتحول إلى وعي، وللانكسار إلى بصيرة، وللفقد إلى إنسانٍ أكثر رحمة… لا لأنه لم يتألم، بل لأنه فهم معنى الألم، ولم يسمح له أن يتحول إلى قسوة.
ويبقى أعظم ما يمكن أن يُمنح لطفلٍ منكسر… أن يُقال له بصدق: أنت لست وحدك، ولم تكن يومًا زائدًا عن الحياة.

اكتب تعليق

أحدث أقدم