أجسادنا تحمل عناصر وُلدت في النجوم... والله وحده هو الخالق
بقلم: آية محمود رزق
لطالما اعتقد الإنسان أن النجوم مجرد نقاط مضيئة تتلألأ في السماء، لكن العلم الحديث كشف حقيقة مذهلة، وهي أن كثيرًا من العناصر الكيميائية التي يتكون منها جسم الإنسان قد تكوّنت داخل النجوم قبل مليارات السنين. هذه الحقيقة لا تعني أن النجوم خلقت الإنسان، فالله سبحانه وتعالى هو خالق الكون والنجوم والإنسان وكل شيء، وإنما تعني أن الله جعل النجوم أحد الأسباب التي تكوّنت فيها العناصر التي تدخل في بناء الكواكب والأجسام الحية.
بدأت القصة العلمية في أوائل القرن العشرين، عندما كان العلماء يحاولون فهم مصدر الطاقة الهائلة التي تصدرها النجوم. ففي عام 1920 أعلن عالم الفيزياء الفلكية البريطاني السير آرثر إدنجتون (Sir Arthur Eddington) أن النجوم لا تحترق كما يحترق الفحم أو الخشب، بل تنتج طاقتها من خلال الاندماج النووي، حيث تندمج ذرات الهيدروجين لتكوين الهيليوم، وتنطلق أثناء ذلك كميات هائلة من الطاقة. كانت هذه الفكرة ثورية، لأنها فتحت الباب أمام العلماء لفهم كيفية تكوّن العناصر الكيميائية داخل النجوم.
بعد ذلك بسنوات، تطورت الأبحاث حتى جاءت الدراسة الأشهر في تاريخ الفيزياء الفلكية عام 1957، عندما نشر أربعة علماء هم مارجريت بربيدج (Margaret Burbidge) وجيفري بربيدج (Geoffrey Burbidge) وويليام ألفريد فاولر (William A. Fowler) وفريد هويل (Fred Hoyle) بحثًا علميًا ضخمًا عُرف باسم B²FH، وهو اختصار لأسماء مؤلفيه. أوضح هذا البحث أن العناصر الثقيلة مثل الكربون والأكسجين والمغنيسيوم والسيليكون والكالسيوم والحديد لا تتكون في بداية الكون، بل تُصنع داخل النجوم عبر تفاعلات الاندماج النووي، ثم تُقذف إلى الفضاء عندما تنفجر النجوم العملاقة في نهاية حياتها فيما يُعرف باسم المستعرات العظمى (Supernovae).
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي عام 1983 مُنح العالم الأمريكي ويليام ألفريد فاولر جائزة نوبل في الفيزياء تقديرًا لأبحاثه الرائدة في تفسير كيفية تكوّن العناصر داخل النجوم، وهو ما منح هذه النظرية دعمًا علميًا كبيرًا.
وفي العقود التالية، جاءت المراصد الفضائية الحديثة مثل هابل وتشاندرا وجيمس ويب لتلتقط صورًا مباشرة لبقايا النجوم المنفجرة والسحب الكونية الغنية بالعناصر الثقيلة، مما وفر أدلة رصدية قوية تؤيد ما توصل إليه العلماء منذ منتصف القرن الماضي.
واليوم يؤكد علماء الفيزياء الفلكية أن العناصر الموجودة في أجسامنا لها أصول كونية. فالكربون الذي يدخل في تركيب الحمض النووي والبروتينات تكوّن داخل النجوم، والأكسجين الذي نتنفسه صُنع في النجوم العملاقة، والكالسيوم الموجود في عظامنا وأسناننا، والحديد الذي يحمل الأكسجين في خلايا الدم الحمراء، كلها عناصر نشأت داخل نجوم عاشت وماتت قبل ولادة الشمس والمجموعة الشمسية بمليارات السنين.
ومن أشهر من عبّر عن هذه الحقيقة العالم الأمريكي كارل ساجان (Carl Sagan)، الذي قال عبارته الشهيرة: "We are made of star stuff" أي "نحن مصنوعون من مادة النجوم." وكان يقصد أن الذرات التي يتكون منها جسم الإنسان جاءت من مادة صنعت داخل النجوم، ولم يقصد إطلاقًا أن النجوم هي الخالق أو أنها أوجدت الإنسان.
كما يؤكد عالم الفيزياء الفلكية الأمريكي نيل ديجراس تايسون (Neil deGrasse Tyson) الفكرة نفسها، موضحًا أن ذرات أجسامنا مرت بمراحل داخل أجيال سابقة من النجوم قبل أن تدخل في تكوين الأرض وكل أشكال الحياة عليها.
لكن من المهم التفريق بين الخلق وتكوّن المادة. فالعلم يصف العمليات الطبيعية التي تحدث داخل الكون، ولا يتحدث عن الخالق. أما الإيمان فيقرر أن الله سبحانه وتعالى هو خالق هذه القوانين، وخالق النجوم، وخالق الإنسان. فالإنسان يُخلق من نطفة، لكن أحدًا لا يقول إن النطفة هي الخالق، بل هي سبب من الأسباب التي خلقها الله. وكذلك النجوم ليست إلا مخلوقات من خلق الله، جعلها سبحانه أماكن تتكون فيها العناصر وفق سننه الكونية.
ويؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة عندما يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]، ويقول أيضًا: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88]. فلا يوجد أي تعارض بين الإيمان الصحيح والعلم الصحيح، لأن العلم يشرح كيف تعمل قوانين الكون، بينما يخبرنا الوحي من خلق الكون ووضع تلك القوانين.
إن اكتشاف أن ذرات أجسادنا مرت برحلة كونية طويلة داخل النجوم لا ينتقص من عقيدة التوحيد، بل يزيد المؤمن إيمانًا بعظمة الله، الذي خلق الكون بنظام بالغ الدقة، وجعل كل ذرة فيه تسير وفق تقديره وحكمته، حتى أصبحت تلك الذرات جزءًا من أجسادنا اليوم. فسبحان من خلق فأبدع، وقدّر فهدى، وجعل في كل اكتشاف علمي جديد دليلًا إضافيًا على عظمة صنعه وإحكام خلقه.
إرسال تعليق