الطفولة تذهب إلى حقول الموت بقلم ا.د إبراهيم مرجونة

الطفولة تذهب إلى حقول الموت بقلم ا.د إبراهيم مرجونة



 الطفولة تذهب إلى حقول الموت 
بقلم ا.د إبراهيم مرجونة 


في كل مرة تقع فيها كارثة من هذا النوع نشعر، ولو للحظات، أن شيئاً في داخلنا قد انكسر. نرى صور السيارات المحطمة، وأجساداً صغيرة كان يفترض أن تكون في المدارس أو بين ألعابها، ونسمع أسماء القرى التي خرج منها الضحايا، ثم نعود بعد أيام قليلة إلى حياتنا المعتادة، وكأن المأساة لم تكن سوى خبر ثقيل مرّ على شاشة الهاتف ثم انصرف. لكن بعض الحوادث لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء مراسم الدفن، لأنها لا تكشف خللاً عابراً في الطريق، وإنما تكشف خللاً عميقاً في الطريق الذي يمضي فيه المجتمع كله.
حادث الإسماعيلية الأخير، الذي أودى بحياة 18 شخصاً، معظمهم من الأطفال، وأصاب نحو ثلاثين آخرين، لم يكن مجرد تصادم بين سيارتين تقلان عمالاً زراعيين في طريقهم إلى مزارع الفاكهة. كان هؤلاء الأطفال، وفق التقارير المنشورة، في الثالثة عشرة والرابعة عشرة من أعمارهم تقريباً، خارجين من قراهم إلى العمل اليومي في المزارع، بينما كانت أسرهم تنتظر عودتهم محملين بأجر قليل لكنه ضروري. وفي اللحظة التي اصطدمت فيها السيارتان، لم تتحطم مركبتان فقط؛ تحطمت مسافة كاملة بين ما ينبغي أن تكون عليه طفولة الإنسان وما اضطره الفقر إلى أن يكونه.
والأكثر إيلاماً أن المشهد ليس جديداً بما يكفي لكي نفاجأ به. ففي العام الماضي فقط، تحولت قرية مصرية إلى مأتم كبير بعد مصرع 19 فتاة من العاملات باليومية، تتراوح أعمار عدد منهن بين الثالثة عشرة والخامسة عشرة، كن في طريقهن إلى العمل في جمع العنب بمحافظة المنوفية. يومها امتلأت الصحف ووسائل التواصل بصور «فتيات العنب»، وامتلأت الكلمات بالحزن والغضب، ثم انطفأ الضوء تدريجياً، وبقيت القضية في ملفاتها، بينما ظل الطريق نفسه مفتوحاً، والفقر نفسه قائماً، والعمل الموسمي نفسه يبحث عن أيدٍ رخيصة، وأسر كثيرة لا تزال تجد نفسها مضطرة إلى تحويل طفولة أبنائها إلى مورد إضافي للدخل.
وبين حادث العنب وحادث الفاكهة في الإسماعيلية سنة واحدة تقريباً، لكن الفاصل الحقيقي بينهما ليس الزمن، وإنما قدرتنا على التعلم. فالمجتمع الذي يشهد مأساة بهذا الحجم ثم يسمح بتكرار الظروف التي صنعتها، لا يكون قد عالج المشكلة، وإنما يكون قد اكتفى بتأجيلها حتى يأتي موسم آخر، ومزرعة أخرى، وسيارة أخرى، وأطفال آخرون.
ثمة مفارقة موجعة في قصة هؤلاء الأطفال يصعب تجاوزها. نحن نرى الفاكهة في الأسواق دائماً في صورتها النهائية الجميلة: عناقيد عنب لامعة، وصناديق مانجو ممتلئة، وفاكهة تملأ الموائد وتدخل البيوت باعتبارها واحدة من علامات النعمة والوفرة. لكننا نادراً ما نرى اليد التي قطفتها، والظهر الذي انحنى تحت الشمس، والطفل الذي ربما استيقظ قبل أن يستيقظ أبوه، وارتدى ملابس العمل بدلاً من ملابس المدرسة، وركب وسيلة نقل غير آمنة لكي يحصل في نهاية اليوم على مبلغ قد لا يساوي ما ينفقه بعض الناس في ساعة واحدة على ما لا يحتاجون إليه.
وهنا تتحول الفاكهة من مجرد محصول زراعي إلى رمز اجتماعي بالغ القسوة. فالعنب الذي كانت تجمعه فتيات العام الماضي صار في الذاكرة المصرية مرتبطاً بالنعوش، والفاكهة التي كان أطفال الإسماعيلية يذهبون إلى جمعها أصبحت مرتبطة بصورة أخرى من صور الموت. كأن الثمرة التي تصل إلينا كاملة ونظيفة ومرتبة تخفي في داخلها أحياناً قصة إنسانية لا نريد أن نراها.
ليست المشكلة بالطبع في أن هناك من يملك ومن لا يملك، ولا في أن ينفق الإنسان من ماله كيف يشاء. التفاوت الاقتصادي ظاهرة عرفتها المجتمعات كلها، والثراء ليس عيباً، والإنفاق على الحياة ومباهجها ليس جريمة. لكن الأزمة تبدأ حين يصبح المجتمع قادراً على التوسع في مظاهر البذخ والاستهلاك إلى الحد الذي يفقد معه إحساسه بالتناقض بين ما ينفقه على الرفاهية وما يعجز عن توفيره من الحد الأدنى للأمان للفئات الأضعف.
هناك عالم كامل من الإنفاق الاستعراضي يعيش إلى جوار عالم آخر يكافح من أجل الاحتياجات الأولية. مناسبات تُنفق عليها أموال طائلة، سيارات فارهة، حفلات لا يتذكر الناس تفاصيلها بعد أيام، موائد يفيض بعضها بما يكفي لإطعام أسر كاملة، وفي الجهة الأخرى طفل صغير يحمل صندوق فاكهة لكي يساعد أسرته على تدبير نفقات البيت. ليست المفارقة في وجود البذخ، وإنما في أن البذخ أصبح في بعض الأحيان أكثر وضوحاً من التضامن، وأكثر حضوراً من المسؤولية الاجتماعية.
وحين نتحدث عن عمالة الأطفال فإننا غالباً ما نميل إلى إلقاء المسؤولية على الأسرة الفقيرة، وكأنها اختارت بمحض إرادتها أن تضع طفلها في الحقل. وهذه نظرة مريحة لأنها تمنحنا مذنباً جاهزاً وتريح بقية المجتمع من التفكير في جذور المشكلة. لكن الفقر لا يعمل بهذه البساطة. الأسرة التي تدفع طفلاً إلى العمل ليست دائماً أسرة لا تعرف قيمة التعليم أو لا تحب أبناءها؛ قد تكون أسرة محاصرة بين احتياجات لا تنتهي ودخل محدود، وقد يكون ما يحصل عليه الطفل في يوم عمل هو الفارق بين احتياج أساسي يمكن تدبيره واحتياج لا يمكن تدبيره.
وهنا يصبح الطفل ضحية مزدوجة؛ ضحية الفقر من ناحية، وضحية منظومة عمل غير قادرة على حمايته من ناحية أخرى. وعندما يضاف إلى ذلك النقل غير الآمن، يتحول الطريق من مجرد وسيلة للوصول إلى الرزق إلى احتمال يومي للموت.
المشكلة أن عمال الزراعة الموسميين يتحركون غالباً خارج الصورة التي نراها في المدن. إنهم يعملون في مناطق بعيدة، وفي مواسم محددة، وفي ظروف تجعل الرقابة أكثر صعوبة، وتسمح بوجود وسطاء ومقاولي أنفار ووسائل نقل لا تتناسب مع أعداد الركاب أو طبيعة المهمة. وقد أعاد حادث الإسماعيلية فتح الحديث عن استخدام سيارات نقل البضائع في نقل العمال، وعن هشاشة منظومة النقل غير الرسمي التي يعتمد عليها ملايين العاملين.
لكن وراء كل ذلك سؤال أكبر يتعلق بقيمة الإنسان في حسابات الاقتصاد. فالاقتصاد الذي ينجح في إنتاج طن من الفاكهة ولا ينجح في ضمان وصول العامل الذي جمعها إلى بيته سالماً، يحتاج إلى مراجعة معنى النجاح نفسه. والتنمية التي تقيس عدد المشروعات ولا تقيس عدد الأطفال الذين خرجوا من دائرة الفقر، تظل تنمية ناقصة مهما بدت أرقامها براقة.
لقد اعتدنا أن نتحدث عن الفقر باعتباره مشكلة مالية، بينما هو في الحقيقة مشكلة تتصل بالكرامة والاختيارات والفرص. الفقر لا يسلب الإنسان المال فقط، وإنما قد يسلبه القدرة على الانتظار. والطفل الذي يعمل اليوم لأن الأسرة تحتاج إلى المال لا يستطيع أن ينتظر عشر سنوات حتى يصبح مؤهلاً لسوق العمل، ولا يستطيع أن يقول إن التعليم هو استثماره للمستقبل. المستقبل بالنسبة إلى الأسرة الفقيرة مفهوم مؤجل أمام ضرورة اليوم.
ولهذا فإن مكافحة عمالة الأطفال لا ينبغي أن تتحول إلى خطاب أخلاقي يلوم الفقراء، بل إلى سياسة اجتماعية تجعل العمل المبكر أقل ضرورة، والتعليم أكثر جدوى، وحماية العامل الزراعي أكثر صرامة، والنقل أكثر أماناً، ومحاسبة كل من يستفيد من تشغيل الأطفال أكثر وضوحاً.
وإذا كان حادث «فتيات العنب» قد منح المأساة اسماً، فإن حادث الإسماعيلية يذكرنا بأن المشكلة لم تكن في العنب، وليست في المانجو أو البطيخ أو أي محصول آخر. المشكلة في مجتمع لا تزال فيه بعض الأسر مضطرة إلى إرسال أبنائها إلى الحقول لكي تساعد في إنتاج الطعام الذي سيذهب في النهاية إلى موائد الآخرين.
لقد أوجعنا مشهد «فتيات العنب» العام الماضي، واليوم يعيد إلينا أطفال الإسماعيلية الوجع نفسه في موسم آخر. وهذا التكرار هو الجزء الأكثر خطورة في القصة، لأن الكارثة حين تتكرر لا تعود مجرد قدر سيئ، وإنما تصبح دليلاً على أن شيئاً ما لم يتغير بالقدر الكافي. وقد صدرت بعد حادث العام الماضي أحكام قضائية بحق المتسببين فيه، لكن العقوبة الفردية، مهما كانت ضرورية، لا تستطيع وحدها إصلاح البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي سمحت بأن يكون أطفال في هذا العمر جزءاً من منظومة العمل الزراعي والنقل غير الآمن.
ولعلنا نحتاج إلى إعادة النظر في الطريقة التي نرى بها هؤلاء الأطفال. إنهم ليسوا «عمالة رخيصة» ولا أرقاماً في إحصاءات سوق العمل، وليسوا مجرد ضحايا تظهر صورهم في نشرات الأخبار ثم تختفي. هؤلاء أطفال كان من المفترض أن تكون لديهم أحلام أكثر بساطة من أحلام الكبار؛ أن ينجح أحدهم في امتحان، وأن تتمنى فتاة منهم فستاناً جديداً، وأن يحلم طفل بأن يصبح طبيباً أو مهندساً أو معلماً، وأن يعودوا جميعاً في نهاية اليوم إلى بيوتهم.
لكن بعضهم عاد في سيارة إسعاف، وبعضهم عاد في نعش، وبعضهم لن يعود أبداً.
وهذا هو الجزء الذي ينبغي ألا نسمح للضجيج الإعلامي بأن يخفيه.
إن المجتمع لا يُقاس فقط بما يبنيه لأغنيائه، وإنما بما يفعله حين يكون الإنسان في أضعف حالاته. ولا تقاس قيمة الثروة بحجم ما يستطيع صاحبها أن يشتريه، وإنما أيضاً بحجم ما يستطيع المجتمع أن يحميه من الانكسار. وربما كان أجمل ما يمكن أن يفعله القادرون ليس أن يتخلوا عن رفاهيتهم، وإنما أن يجعلوا في رفاهيتهم مكاناً للآخرين؛ أن تتحول بعض الأموال التي تذهب إلى مظاهر لا تعني شيئاً بعد انتهاء المناسبة إلى تعليم طفل، أو علاج مريض، أو حماية عامل، أو دعم أسرة لا تستطيع أن تدفع ابنها إلى المدرسة بدلاً من الحقل.
لسنا أمام قصة أطفال ماتوا في حادث طريق فحسب. نحن أمام صورة مكثفة لمجتمع تتجاور فيه الوفرة والحاجة، ويجلس فيه البذخ على بعد خطوات من الحرمان، وتصل فيه الثمرة إلى السوق في كامل نضارتها بينما قد لا يصل جامعها إلى بيته.
وربما لهذا السبب تحديداً ستظل صورة الطفل العامل في الحقل أكثر إيلاماً من صورة السيارة المحطمة. فالسيارة يمكن إصلاحها، والطريق يمكن إعادة رصفه، والسائق يمكن محاسبته، والقضية يمكن أن تنتهي بحكم قضائي؛ أما السنوات التي ضاعت من طفولة طفل، والحلم الذي مات معه، والأسرة التي ستظل تنتظر شخصاً لن يعود، فلا شيء يستطيع إصلاحها.
في العام الماضي كان العنب شاهداً على المأساة، وفي هذا العام كانت الفاكهة شاهدة أخرى. وبين العنب والمانجو تختبئ حكاية واحدة: أطفال صغار يعملون كي تستمر بيوت أكبر منهم، ومجتمع غني بما يكفي لأن ينفق ببذخ، لكنه لا يزال يبحث عن الطريقة التي يجعل بها حياة الفقراء أكثر أمناً.
ولعل المأساة الحقيقية ليست أن هؤلاء الأطفال ذهبوا إلى الحقول، وإنما أن المجتمع اعتاد رؤية الطفل في الحقل حتى أصبح وجوده هناك يبدو طبيعياً، ولم يعد غير الطبيعي في أعيننا إلا أن يموت.
عندها فقط نكتشف أن الكارثة لم تبدأ لحظة اصطدام السيارتين.
لقد بدأت قبل ذلك بكثير، يوم أصبح عمل الطفل أمراً عادياً، ويوم أصبح فقر الأسرة مبرراً، ويوم أصبح الطريق الآمن رفاهية، ويوم اعتدنا أن ننظر إلى الثمرة ولا نرى اليد الصغيرة التي قطفتها.
رحم الله ضحايا الإسماعيلية، ورحم فتيات العنب، ورحم كل طفل دفع ثمن الفقر من عمره أو صحته أو حياته. أما نحن، فربما يكون أقل ما نستطيع فعله تجاههم ألا نسمح لموتهم بأن يتحول إلى خبر قديم؛ لأن المجتمع الذي ينسى ضحاياه بسرعة، مرشح لأن يصنع ضحايا جددًا بالسرعة نفسها.

اكتب تعليق