رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن أسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع الفقهية”
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
أسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع الفقهية”(1) (عدم الاطلاع على الحديث)
لم يكن الصحابة رضي الله عنهم على درجة واحدة في العلم بالسنة؛ فقد يسمع أحدهم حديثًا لا يسمعه غيره، أو يشهد واقعة لا يشهدها غيره، فيجتهد من لم يبلغه النص بحسب ما ظهر له من الأدلة. فإذا بلغه الحديث رجع إليه وترك اجتهاده السابق. وهذا من أبرز أسباب اختلاف الفقهاء في الفروع.
عناصر الخلاف
١. ميراث الجدة
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه لا يعلم نصيب الجدة من الميراث، فلما شهد المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي ﷺ أعطاها السدس، قضى به.
وجه الخلاف: اجتهد أبو بكر لعدم بلوغ السنة إليه، فلما بلغته رجع إليها.
٢. ميراث المرأة من دية زوجها
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها، حتى بلغه كتاب الضحاك بن سفيان أن النبي ﷺ ورَّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر إلى السنة.
وجه الخلاف: عدم بلوغ الحديث إلى عمر رضي الله عنه.
٣. حكم المجوس في الدية
لم يكن عمر رضي الله عنه يعلم حكم المجوس حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بقول النبي ﷺ: «سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب».
وجه الخلاف: خفاء السنة على المجتهد يؤدي إلى اختلاف الحكم قبل بلوغها.
٤. الاستئذان
لم يكن عمر رضي الله عنه يعلم سنة الاستئذان حتى أخبره أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، واستشهد له بالأنصار.
وجه الخلاف: عدم سماع النص، ثم ثبوته .
٥. الخروج من البلد الذي وقع فيه الطاعون
لما خرج عمر رضي الله عنه إلى الشام وبلغه وقوع الطاعون فيها، استشار الصحابة، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف فأخبره بحديث النبي ﷺ: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه».
وجه الخلاف: اجتهاد عمر والصحابة قبل بلوغ الحديث، ثم انتهى الأمر إلى السنة.
٦. دية أصابع اليد
كان عمر رضي الله عنه يقضي بتفاوت ديات الأصابع بحسب منافعها، حتى بلغه كتاب عمرو بن حزم وفيه أن في كل إصبع عشرًا من الإبل، فرجع إلى ذلك.
وجه الخلاف: اختلاف الاجتهاد عند عدم بلوغ النص.
٧. عدة المتوفى عنها زوجها في بيت الوفاة
لم يكن عثمان رضي الله عنه يعلم أن المتوفى عنها زوجها تعتد في البيت الذي توفي زوجها فيه، حتى حدثته الفريعة بنت مالك رضي الله عنها بحديث النبي ﷺ، فقضى به.
وجه الخلاف: عدم بلوغ السنة، ثم العمل بها عند ثبوتها.
٨. مهر المفوضة إذا مات عنها زوجها
كان علي رضي الله عنه يرى أن المفوضة إذا مات عنها زوجها قبل أن يفرض لها مهرًا لا مهر لها، ولم يبلغه حديث بروع بنت واشق رضي الله عنها.
٩. قضاء ابن مسعود في المفوضة المتوفى عنها زوجها
لم يكن ابن مسعود رضي الله عنه يعلم قضاء النبي ﷺ في بروع بنت واشق، فاجتهد وقضى لها بمهر المثل، والعدة، والميراث، ثم أخبره معقل بن يسار رضي الله عنه بقضاء النبي ﷺ بمثل ذلك، ففرح ورجع إليه.
وجه الخلاف: الاجتهاد عند عدم بلوغ السنة.
١٠. صيام من أصبح جنبًا
كان أبو هريرة رضي الله عنه يفتي بأن من أصبح جنبًا فلا صوم له، ثم بلغته سنة عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم، فقال: «هما أعلم» ورجع عن قوله.
وجه الخلاف: عدم بلوغ السنة إلى أبي هريرة، ثم رجوعه إليها بعد ثبوتها.
١١. عدة الحامل المتوفى عنها زوجها
كان علي وابن عباس رضي الله عنهما يقولان إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين؛ جمعًا بين آيتي عدة الوفاة وعدة الحامل، ولم يكن قد بلغتهما سنة سبيعة الأسلمية رضي الله عنها، التي قضى النبي ﷺ بأن عدتها تنتهي بوضع الحمل.
وجه الخلاف: عدم بلوغ السنة، مع اختلاف وجه الجمع بين العمومين.
١٢. نقض المرأة شعرها في غسل الجنابة
كان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يأمر النساء بنقض شعورهن عند الاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس، ولم يكن قد بلغه حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال لها في غسل الجنابة: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات».
وجه الخلاف: عدم بلوغ الحديث إلى ابن عمرو، مع ثبوت السنة بخلاف ما كان يفتي به.
١٣. ربا الفضل
كان ابن عباس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير رضي الله عنهم يرون أن الربا إنما هو في النسيئة، ولم يبلغ بعضهم حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في تحريم ربا الفضل، ثم رجع ابن عباس رضي الله عنهما لما بلغه الحديث.
وجه الخلاف: عدم بلوغ أحاديث ربا الفضل إلى بعض الصحابة، فبنوا الحكم على ما بلغهم من السنة.
١٤. خروج الحائض من مكة قبل طواف الوداع
كان زيد بن ثابت رضي الله عنه يرى أن الحائض لا تنفر حتى تطوف بالبيت؛ لعموم النهي عن انصراف الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت، فلما أخبره ابن عباس رضي الله عنهما بسنة الفريعة في استثناء الحائض، رجع زيد عن قوله.
وجه الخلاف: عدم بلوغ النص المخصص للعموم.
١٥. التطيب قبل الإحرام
كان عمر وابنه عبد الله رضي الله عنهما ينهَيان عن التطيب قبل الإحرام، ولم يكن قد بلغهما حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت تطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم.
١٦. مدة المسح على الخفين
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى أن من لبس الخف يمسح عليه ما دام لابسه، ولا توقيت لذلك، وهو قول نُقل عن جماعة من السلف، بينما جاءت الأحاديث بتوقيت المسح للمقيم والمسافر.
وجه الخلاف: اختلاف الصحابة في ثبوت الأحاديث عندهم أو في بلوغها إليهم وفهم دلالتها.
الخلاصة:_
هذه الأمثلة تدل على قاعدة مهمة في فهم اختلاف السلف:
قد يترك الامام الحديث الصحيح لا لرده أو مخالفته، وإنما لعدم بلوغه إليه، فإذا بلغه وثبت عنده رجع إليه.
وهذا هو المقصود من كلام ابن تيمية في رفع الملام: أن كثيرًا من أقوال الأئمة التي يظهر للناظر أنها مخالفة لبعض الأحاديث، قد يكون سببها عدم اعتقاد ثبوت الحديث، أو عدم العلم به، أو اعتقاد نسخه أو تخصيصه أو معارضته بما هو أقوى عنده.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

إرسال تعليق