بقلم: آية محمود رزق
في سجل الأمم، لا تُقاس قيمة الانتصارات بحجم المعارك وحده، وإنما بما تغيّره في وعي الدولة ومسارها. وفي السادس من أكتوبر 1973، صنعت مصر واحدة من أكثر لحظاتها حسمًا؛ أعادت فتح الطريق إلى الأرض المحتلة، واستردت ثقةً وطنية كانت قد تعرضت لزلزال قاسٍ، وأثبتت أن الفارق بين الانكسار والنهوض قد تصنعه إرادة دولة تعرف هدفها وتستعد له جيدًا.
كان العبور نتيجة سنوات من إعادة بناء القوات المسلحة، وإعادة تنظيم القدرات، وإدارة دقيقة للتفاصيل. لذلك لم يكن نجاحه وليد اللحظة، بل ثمرة قرار طويل المدى جمع بين التخطيط والسرية والانضباط والقدرة على التنفيذ. وهذه التفاصيل هي التي تجعل أكتوبر تجربة تتجاوز بعدها العسكري إلى معنى أوسع يتعلق بكيفية إدارة الدول لأصعب أزماتها.
وهنا تبدأ صلة أكتوبر بالحاضر.
فمصر اليوم تتحرك في بيئة مختلفة تمامًا، لكن بعض التحديات أكثر تعقيدًا من أن تُدار بردود الأفعال: اقتصاد عالمي سريع التغير، ضغوط على الأسعار والدخول، احتياجات سكانية متزايدة، موارد محدودة تتطلب إدارة أكثر كفاءة، وحاجة ملحة إلى زيادة الإنتاج والصادرات والاستثمار وتوفير وظائف قادرة على استيعاب أعداد جديدة من الشباب.
كما أن موقع مصر في إقليم مضطرب يجعل الحفاظ على الأمن القومي مرتبطًا بمجموعة واسعة من الملفات؛ من أمن الحدود والمياه والطاقة والغذاء إلى استقرار الاقتصاد وقدرة الدولة على حماية مصالحها وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
لهذا فإن استدعاء أكتوبر اليوم يجب أن يتجاوز الاحتفال إلى التعلم من طريقة إدارة المعركة نفسها.
في التنمية، كما في الحرب، لا يكفي امتلاك الإمكانات؛ الأهم هو حسن توظيفها. مصر تحتاج إلى اقتصاد أكثر اعتمادًا على الإنتاج والتصدير، وإلى بيئة أعمال أكثر قدرة على جذب الاستثمار، وإلى صناعة محلية تستطيع المنافسة، وإلى تعليم وتدريب يرتبطان باحتياجات سوق العمل، وإلى استثمار أكبر في التكنولوجيا والبحث والابتكار.
وهناك جبهة أخرى لا تقل أهمية: الإنسان.
فأي خطة اقتصادية أو تنموية تظل محدودة الأثر إذا لم تنعكس على جودة حياة المواطن وقدرته على العمل والتعلم وتحسين دخله. ولذلك فإن الاستثمار في التعليم والصحة والمهارات ليس ملفًا خدميًا فقط، بل هو استثمار مباشر في قوة الدولة وقدرتها على المنافسة.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر أسرع من قدرتنا أحيانًا على التحقق منها، أصبح الوعي جزءًا من الأمن الوطني. حماية المجتمع من الشائعات والتضليل لا تعني منع النقد، وإنما تعني أن يكون النقاش العام قائمًا على المعلومات الدقيقة، وأن يمتلك المواطن أدوات التمييز بين الخبر والتحريض، وبين الاختلاف المشروع ومحاولات صناعة الفوضى.
لكن مواجهة هذه الملفات لا يمكن أن تُختزل في دور الدولة وحدها. فالمشروع الوطني الحقيقي يحتاج إلى مجتمع مشارك: موظف يؤدي عمله بإتقان، وطالب يعرف أن مستقبله يبدأ من علمه، ومستثمر يوسع إنتاجه، وباحث يحول المعرفة إلى قيمة، وإعلام يلتزم بالدقة، ومواطن يدرك أن احترام القانون والحفاظ على الموارد جزء من حماية الوطن.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل أكتوبر: الإنجاز الكبير يبدأ عندما يتحول الهدف الوطني إلى مسؤولية مشتركة.
لقد احتاج العبور إلى جيش مستعد، وقيادة تعرف ما تريد، وخطة دقيقة، وتضحيات كبيرة. أما تحديات مصر الحالية فتحتاج إلى مؤسسات أكثر كفاءة، واقتصاد منتج، وعقول متخصصة، ومجتمع واعٍ، ونفس طويل لا يتوقع نتائج فورية في ملفات تحتاج بطبيعتها إلى سنوات من العمل.
ومن الخطأ أن ننظر إلى أكتوبر باعتباره نهاية قصة؛ فهو في الحقيقة بداية سؤال مستمر: ماذا نفعل بالفرصة التي صنعتها تضحيات السابقين؟
لقد استعاد جيل أكتوبر الأرض، وترك للأجيال التالية مسؤولية الحفاظ على الوطن وتطوير قدرته على الصمود والنمو. واليوم، فإن معركة مصر الأساسية هي أن تبني اقتصادًا أكثر قوة، وتوفر فرصًا أفضل لشبابها، وتحافظ على مواردها، وتطور مؤسساتها، وتستثمر في الإنسان، وتتعامل مع محيطها الإقليمي بعقل الدولة ومصالحها.
أكتوبر ليس مجرد تاريخ نتذكره، بل معيار نسأل أنفسنا من خلاله عن قدرتنا على تحويل التحديات إلى عمل، والإمكانات إلى نتائج، والذاكرة إلى مستقبل.
رحم الله شهداء مصر، وحفظ جيشها، وصان أرضها، وأبقى لهذا الوطن قدرته على تجاوز المحن وصناعة الفرص.
وفي ذكرى النصر، تبقى الرسالة الأهم واضحة:
من استعاد الأرض بالأمس، عليه أن يحمي قيمتها اليوم… ومن ورث وطنًا صمد في وجه التحديات، عليه أن يترك للأجيال القادمة وطنًا أقوى مما ورثه.
السادس من أكتوبر .. حين استعادت مصر الأرض وكتبت للمستقبل درسًا لا يُنسى
Aya Mahmoud Rezq
0

إرسال تعليق