رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التنافس على الذكاء الاصطناعي وأثره في النظام الدولي

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التنافس على الذكاء الاصطناعي وأثره في النظام الدولي

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التنافس على الذكاء الاصطناعي وأثره في النظام الدولي


بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

التنافس على الذكاء الاصطناعي وأثره في النظام الدولي

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تكنولوجية لتحسين الخدمات ورفع الإنتاجية، بل بدأ يتحول إلى أحد ميادين إعادة توزيع القوة في النظام الدولي. فالتنافس بين القوى الكبرى لا يتعلق فقط بمن يطوّر النموذج الأكثر تقدمًا، وإنما بمن يمتلك الشروط التي تجعل تطوير هذه النماذج واستخدامها ممكنًا: الرقائق، والقدرة الحاسوبية، والبيانات، والطاقة، والمواهب، ومراكز البيانات، والبنية التحتية، والمعايير التقنية والتنظيمية.

🔹 من التكنولوجيا إلى القوة

يتجسد هذا التحول بصورة واضحة في التنافس الأمريكي–الصيني، حيث أصبحت الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها والقدرات الحاسوبية جزءًا من الحسابات الاستراتيجية للدول. وفي الوقت نفسه، تتسابق الحكومات والشركات على توسيع مراكز البيانات وتأمين مصادر الطاقة وبناء البنية التحتية اللازمة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها على نطاق واسع.

وهنا تستعيد فكرة القوة البنيوية لدى سوزان سترينج أهميتها؛ فالقوة لا ترتبط فقط بامتلاك الموارد، وإنما أيضًا بالقدرة على التأثير في الهياكل التي تنتج المعرفة والثروة والأمن وتوزعها.

وبهذا المعنى، قد تصبح السيطرة على شروط إنتاج الذكاء الاصطناعي أكثر أهمية من مجرد امتلاك تطبيقاته النهائية.

🔹 من الاعتماد المتبادل إلى النفوذ

المفارقة أن الذكاء الاصطناعي يقوم على شبكة عالمية شديدة الترابط: الرقائق تحتاج إلى معدات ومواد وتقنيات متخصصة، والنماذج تحتاج إلى قدرة حاسوبية وطاقة ومراكز بيانات، بينما ترتبط عملية تطويرها بشبكات عالمية من المعرفة والمواهب والاستثمارات.

لكن هذا الترابط لا يعني بالضرورة غياب القوة؛ بل يمكن أن يتحول إلى مصدر جديد لها.

وهنا تبرز مقاربة هنري فاريل وأبراهام نيومان حول «تسليح الاعتماد المتبادل»، التي توضح كيف يمكن للدول ذات المواقع المركزية في الشبكات العالمية أن تستخدم هذه المواقع للتأثير في تدفقات التكنولوجيا والموارد والمعلومات.

_ لذلك، قد لا يكون السؤال الأهم: من يمتلك الذكاء الاصطناعي؟ بل: من يتحكم في نقاط الاختناق التي تجعل امتلاكه وتطويره ممكنًا؟

🔹 الذكاء الاصطناعي والأمن

لا يقتصر التنافس على المجال الاقتصادي والتكنولوجي، فالذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بالاستخبارات، والأمن السيبراني، وتحليل المعلومات، والأنظمة العسكرية، ودعم القرار، وهو ما يفتح نقاشًا متزايدًا حول الردع، والحرب، والرقابة البشرية، وحدود استخدام القوة.

وفي المقابل، تتزايد الحاجة إلى بناء قواعد دولية للتعامل مع المخاطر المرتبطة بهذه التكنولوجيا. وقد شهد عام 2026 حراكًا أمميًا متزايدًا حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع جهود دولية لتوسيع التعاون بشأن استخداماته ومخاطره.

_ وهنا تظهر مفارقة أساسية:

كلما ارتفعت القيمة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، ازدادت دوافع التنافس عليه؛ وكلما اتسعت مخاطره العابرة للحدود، ازدادت الحاجة إلى التعاون بشأنه.

وبالتالي، فإن العلاقة بين القوى الكبرى قد لا تتجه ببساطة نحو التعاون أو الصراع، بل نحو تعايش التنافس والتعاون داخل المجال نفسه.

🔹 سباق التكنولوجيا أم سباق القواعد؟

_ من هنا، قد لا يكون التنافس المقبل متعلقًا فقط بالسؤال:

من يملك أفضل ذكاء اصطناعي؟

_ بل بمجموعة أوسع من الأسئلة:

من يحدد شروط الوصول إليه؟

من يمتلك بنيته التحتية؟

من يضع معاييره؟

ومن يحدد قواعد استخدامه؟

وهنا تبدو أفكار مانويل كاستلز حول قوة الشبكات ذات صلة خاصة؛ إذ إن النفوذ في الاقتصاد العالمي لا يرتبط فقط بحجم الدولة أو مواردها، وإنما أيضًا بموقعها داخل شبكات المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد.

🔸 وبذلك تصبح القوة التكنولوجية مزيجًا من:

” الامتلاك، والتحكم، والربط، والقدرة على وضع القواعد”.

فالدولة قد لا تكون صاحبة النموذج الأكثر تقدمًا، لكنها قد تمتلك موقعًا مركزيًا في سلسلة الرقائق، أو البنية التحتية للحوسبة، أو شبكات المعرفة، أو المعايير التقنية؛ وهو ما يمنحها قدرة مختلفة على التأثير في البيئة التي يعمل فيها الذكاء الاصطناعي.

الخلاصة:

في عصر الذكاء الاصطناعي، لا تكمن القوة فقط في امتلاك التكنولوجيا، وإنما في القدرة على التأثير في سرعة انتشارها، وشروط الوصول إليها، والبنية التحتية التي تقوم عليها، والقواعد التي تحدد استخدامها.

ولهذا لم تعد الرقائق والحوسبة والبيانات والطاقة والمواهب والمعايير عناصر منفصلة، بل أصبحت أجزاء مترابطة من منظومة واحدة لإنتاج القوة الدولية.

وقد لا يكون المستقبل قائمًا على الاختيار بين التعاون والمواجهة، وإنما على مزيج أكثر تعقيدًا:

تنافس في التكنولوجيا، واعتماد متبادل في البنية التحتية، وتعاون في إدارة المخاطر، وصراع على قواعد النظام الدولي.

ومن ثم، يتحول الذكاء الاصطناعي تدريجيًا من تقنية جديدة داخل النظام الدولي إلى أحد العوامل التي قد تؤثر في توزيع القوة وفي القواعد التي تحكم النظام نفسه.

 

اكتب تعليق