رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ مِنَ الْغِيَابِ.. أَيْنَ الْأَهْلُ؟ وَأَيْنَ الْجِيرَانُ؟ وَأَيْنَ ضَمِيرُ الْمُجْتَمَعِ؟
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ مِنَ الْغِيَابِ.. أَيْنَ الْأَهْلُ؟ وَأَيْنَ الْجِيرَانُ؟ وَأَيْنَ ضَمِيرُ الْمُجْتَمَعِ؟
وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَمُرَّ عَلَيْنَا مُرُورَ الْخَبَرِ الْعَابِرِ؛ امْرَأَةٌ تَمُوتُ دَاخِلَ شَقَّتِهَا، وَيَبْقَى جَسَدُهَا ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ كَامِلَةً دُونَ أَنْ يَفْتَقِدَهَا أَحَدٌ أَوْ يَسْأَلَ عَنْهَا أَحَدٌ! ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ! أَيْنَ أَهْلُهَا؟ أَيْنَ إِخْوَتُهَا؟ أَيْنَ أَقَارِبُهَا؟ أَيْنَ أَصْدِقَاؤُهَا؟ أَيْنَ جِيرَانُهَا؟ أَيْنَ كُلُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانَ مِنَ الْمَفْرُوضِ أَنْ يَشْعُرُوا بِغِيَابِهَا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟!
أَيْنَ صِلَةُ الْأَرْحَامِ الَّتِي نَتَحَدَّثُ عَنْهَا؟ وَأَيْنَ الْمَوَدَّةُ الَّتِي نَتَغَنَّى بِهَا؟ وَأَيْنَ الْجِيرَةُ الَّتِي كَانَتْ قَدِيمًا أَمَانًا وَسَنَدًا وَرَحْمَةً؟
أَوَّلًا: أَيْنَ الْأَهْلُ وَالْأَقَارِبُ؟
● أَلَيْسَ مِنْ حَقِّ الْقَرِيبِ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ؟
أَلَيْسَ مِنْ حَقِّ الْأُخْتِ أَنْ يَتَفَقَّدَهَا إِخْوَتُهَا؟
أَلَيْسَ مِنْ حَقِّ الْإِنْسَانِ أَنْ يَجِدَ مَنْ يَطْمَئِنُّ عَلَيْهِ إِذَا غَابَ وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ؟
• يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23].
• وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36].
• وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (رواه البخاري). فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ؟
وَهَلْ أَصْبَحَتْ صِلَةُ الرَّحِمِ مُجَرَّدَ تَهْنِئَةٍ فِي الْعِيدِ، أَوْ تَعْلِيقٍ عَلَى مَنْشُورٍ، أَوْ مُكَالَمَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ دَقَائِقَ فِي الْمُنَاسَبَاتِ؟!
ثَانِيًا: أَيْنَ الْجِيرَانُ؟ وَأَيْنَ حَقُّ الْجِيرَةِ؟
● كَيْفَ يَسْكُنُ الْإِنْسَانُ بِجِوَارِنَا، ثُمَّ يَغِيبُ أَيَّامًا وَشُهُورًا وَسَنَوَاتٍ، وَلَا يَلْفِتُ غِيَابُهُ انْتِبَاهَنَا؟! أَإِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ أَصْبَحْنَا لَا نَعْرِفُ بَعْضَنَا؟!
• يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (متفق عليه).
• وَيَقُولُ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ» (متفق عليه). فَأَيْنَ حَقُّ الْجَارِ؟ وَأَيْنَ السُّؤَالُ عَنْهُ؟
وَأَيْنَ تَفَقُّدُ أَحْوَالِهِ؟ لَقَدْ كَانَ الْجَارُ قَدِيمًا يَشْعُرُ بِغِيَابِ جَارِهِ، وَرُبَّمَا طَرَقَ بَابَهُ إِذَا تَأَخَّرَ عَنْ عَادَتِهِ، أَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ يَمُوتُ الْإِنْسَانُ خَلْفَ جِدَارٍ، وَلَا يَشْعُرُ بِهِ مَنْ يَسْكُنُ خَلْفَ الْجِدَارِ الْآخَرِ!
ثَالِثًا: أَيْنَ الْمُجْتَمَعُ الَّذِي نَتَغَنَّى بِتَوَاصُلِهِ الِاجْتِمَاعِيِّ؟
● أَصْبَحْنَا نَمْلِكُ هَوَاتِفَ ذَكِيَّةً، وَنَمْتَلِكُ مِئَاتِ الْأَصْدِقَاءِ وَالْمُتَابِعِينَ، وَنُتَابِعُ أَخْبَارَ الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ، وَنَتَبَادَلُ الصُّوَرَ وَالتَّعْلِيقَاتِ وَالْمَنْشُورَاتِ، لَكِنَّنَا عَجَزْنَا عَنْ سُؤَالِ إِنْسَانٍ يَسْكُنُ بِجِوَارِنَا!
• هَلْ هَذِهِ مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ حَقًّا، أَمْ أَصْبَحَتْ مَوَاقِعَ لِلتَّدَابُرِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالْعُزْلَةِ وَالِانْشِغَالِ بِالنَّفْسِ؟!
• أَيْنَ الْمَوَدَّةُ؟ وَأَيْنَ التَّرَاحُمُ؟ وَأَيْنَ السُّؤَالُ عَنِ الْغَائِبِ؟!
• يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (رواه مسلم). فَأَيْنَ هَذَا الْجَسَدُ الْوَاحِدُ؟! وَكَيْفَ أَصْبَحْنَا أَجْسَادًا مُتَجَاوِرَةً وَقُلُوبًا مُتَبَاعِدَةً؟!
رَابِعًا: أَيْنَ الرَّحْمَةُ؟ وَأَيْنَ الْإِنْسَانِيَّةُ؟
● الْقَضِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَحِيدَةً، وَإِنَّمَا الْقَضِيَّةُ أَنَّ غِيَابَ إِنْسَانَةٍ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ لَمْ يُوقِظْ فِي مُحِيطِهَا سُؤَالًا وَاحِدًا!
• يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17].
• وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه أبو داود والترمذي).
● إِنَّنَا لَا نَعْرِفُ ظُرُوفَ هَذِهِ السَّيِّدَةِ، وَلَا نَمْلِكُ أَنْ نَتَّهِمَ أَحَدًا بِعَيْنِهِ، وَلَا أَنْ نَجْزِمَ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ السُّؤَالِ عَنْهَا، لَكِنْ مِنْ حَقِّنَا أَنْ نَتَسَاءَلَ: كَيْفَ وَصَلَ بِنَا الْحَالُ إِلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْعُزْلَةِ وَالْجَفَاءِ؟ وَأَيْنَ ذَهَبَتِ الْمُؤَسَّسَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَمَعَانِي التَّكَافُلِ وَالتَّرَاحُمِ؟
الخَاتِمَةُ .
يَا سَادَةُ، لَيْسَ التَّقَدُّمُ أَنْ يَسْكُنَ كُلُّ إِنْسَانٍ فِي شَقَّةٍ مُغْلَقَةٍ لَا يَعْرِفُ جَارَهُ وَلَا يَعْرِفُهُ جَارُهُ، وَلَيْسَ التَّحَضُّرُ أَنْ نَعِيشَ غُرَبَاءَ وَنَحْنُ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ التَّوَاصُلُ أَنْ نَضَعَ الْإِعْجَابَاتِ عَلَى صُوَرِ بَعْضِنَا ثُمَّ لَا يَسْأَلُ أَحَدُنَا عَنِ الْآخَرِ!
إِنَّهَا مَأْسَاةٌ تَسْتَوْجِبُ أَنْ نُرَاجِعَ أَنْفُسَنَا جَمِيعًا؛ أَهْلًا وَأَقَارِبَ وَجِيرَانًا وَمُجْتَمَعًا. ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ! كَانَ يُمْكِنُ فِيهَا أَنْ يَطْرُقَ إِنْسَانٌ بَابَهَا، أَوْ يَتَّصِلَ بِهَا، أَوْ يَسْأَلَ عَنْهَا، أَوْ يَفْتَقِدَ غِيَابَهَا!
فَلَا تَجْعَلُوا انْشِغَالَكُمْ بِالدُّنْيَا سَبَبًا فِي نِسْيَانِ أَهْلِكُمْ، وَلَا تَجْعَلُوا خِلَافَاتِكُمْ تَقْطَعُ أَرْحَامَكُمْ، وَلَا تَنْتَظِرُوا أَنْ يَمُوتَ أَحْبَابُكُمْ حَتَّى تَتَذَكَّرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِقُّونَ مِنْكُمُ السُّؤَالَ وَالِاهْتِمَامَ.
فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ مَاتَ، وَلَمْ يَكْتَشِفِ النَّاسُ مَوْتَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ اكْتَشَفُوا مَوْتَ ضَمَائِرِهِمْ تُجَاهَهُ!
رَحِمَ اللَّهُ هَذِهِ السَّيِّدَةَ، وَغَفَرَ لَهَا، وَأَلْهَمَ أَهْلَهَا الصَّبْرَ، وَأَصْلَحَ أَحْوَالَنَا، وَرَدَّ إِلَيْنَا أَخْلَاقَنَا وَمُرُوءَتَنَا وَرَحْمَتَنَا. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا نِعْمَةَ صِلَةِ مَنْ أَمَرْتَ بِصِلَتِهِمْ، وَاجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ

إرسال تعليق