الدكتورة اسلام فوزي أنس تكتب : المطالبة بتجديد الخطاب الديني بين الرفض والقبول

الدكتورة اسلام فوزي أنس تكتب : المطالبة بتجديد الخطاب الديني بين الرفض والقبول





بادئ ذى بدء نتفق جميعاً على أن الخطاب الديني لاقى فى السنوات الأخيرة ضجة وضجيج غير عادى , وإلى الأن لا ينقطع النقاش والجدال من حوله , وتصدّرت كثير من المجلات والصحف هذا الموضوع , وكُتبت فيه إفتاءات وفتاوى وأراء وأطروحات للكثيرين  ممن يٌرجع لهم الشأن وممن ليسوا أهلاً لذلك , ولازال الجدال مستمراً ولا ينقطع فيه الحديث , وإلى الأن مازال اليقين مقطوعاً بالشك .

ومن ثَم حري بنا التطرق لمثل هذه الموضوعات التى من الصعب إحتسابها فى مجال أو تخصص بعينه دون الأخر , فهى ثقافية , دينية ,اجتماعية , تربوية, حياتية, وحتى اقتصادية وسياسية فى الآن عينه.


وهنا وقبل أن نتجادل دعونا نتفق على أن جميع الأديان جاءت بهدفين, أولاً: عبادة العبد لمعبوده واخلاص الإيمان به من خلال علاقة روحية بين العبد وربه. وثانياً : إقامة شعائر الدين والحفاظ على طقوسه وممارساته التى تنظم مجالات الحياة كافة.
تلك التى تحدد الحقوق والواجبات والممنوعات والمسموحات من خلال حدود يتوجب إلتزام الأفراد بها فى معاملتهم تجاه بعض؛ فتقل السلوكيات الغوغائية والتعديات الهمجية وتنضبط المجتمعات ويقل معدلات الإنحراف والاجرام؛ لينصلح حال العباد والبلاد . فما من دين على مر البشرية إلا ونظم تفاصيل الحياة فى المجالات كافة. وترك جزءاً خالصاً للإجتهادات والمستحدثات والتطورات التى يمكن أن يقابلها الإنسان فى مسيرته الدنيوية , على أن يستلهم مبادئ التطوير والإستحداث من الثوابت والأصول .
عن الثوابت والأصول ننتحدث !!!!... بل لا... ليس من حقنا التحدث عنها فنحن لسنا بعلماء للدين , وانما دعونا نتحدث عن الطرق والآليات التى يمكن أن يتم خطاب الأفراد من خلالها , وتساعد فى أن يصل إليهم الثابت الذي لا مساس فيه , والمستجد الذي يواكب الحداثة والتطور بما لا يتناقض مع هذا الثابت . فنحن لا نتحدث عن الثابت "الذى هو أصل الدين" تاركين إياه لأهل الدين والفقه والشريعة . وإنما نتحدث عن المتطور والمستحدث من آليات التواصل والنشر للدين وهذا هو ما يُسمى ب"تجديد الخطاب الديني".
إن الخطاب الديني فى مفهومه يختلف تماماَ عن مفهوم الدين ,ولذا ؛ نرى أن التداخل واللبث حول هذا المفهوم والضجيج الذي لحقً به ,إنما هو وليد لهذا اللبث , فالبعض يخلط بين الدين والخطاب الديني ويرفض التطوير والتحديث فى الخطاب معتقداً أن هذا ينال الدين فى ذاته وثباته . ولا نلوم على الذين أثاروا هذا الضجيج بدافع من الغيرة على أديانهم وثوابتها ماداموا يحملون فهماً واحداً لكلا المفهومين. ونجد أن من يٌلام عليه فى هذا الأمر إنما هم الذين كان منوطاً بهم أن يجيدوا لغة الخطاب الثقافي وخطاب فن التواصل وخطاب التسامح و قبول الأخر ,قبل أن يتطرقوا لمفهوم الخطاب الديني.

لا شك أن الأديان عند الجميع هى خطوطٍ حمراء لا يجب المساس بها أو الحديث عنها ,ولكن إذا أردنا التغيير فى الآليات والطرق والأدوات توجب علينا أمرين, أولهما إنتقاء من يتحدث فى هذا الشأن الذي يحتاج قطعاً قدرات فائقة وعلم جم وثقافة موسوعية وفهم عميق ونطاسة وعبق . أما ثانيها , فكان يتوجب تغيير الخطاب الثقافى أولاً.
 ونعني بالخطاب الثقافي تلك التنظيرات والممارسات حول طبيعة  الشأن الثقافي ،والتى تُعد مطلباً لا غنى عنه فى بناء شخصية الفرد من خلال تنمية الفكر والوعى وتشكيل الوجدان , وتكتسب تلك الممارسات والتنظيرات  أهمية وخطورة لما لها من اتصال مباشر بشرائح المجتمع التى تتسم بالتنوع والتعدد ، وذلك من أجل بناء المجتمعات ، بما ينسجم مع مرجعيتها الفكرية والثقافية والعقيدية واللغوية، سواء أكان ذلك على الصعيد (المادي أو المعنوي), (المنهجي أو النظري),(القيمي أو الفكري -الأيديولوجي).
جدير بالذكر أن  دور الخطاب الثقافي لا يقتصر على نشر المعرفة والثقافة , بل إن من أهم أدواره إنتاج الوعي القادر على التطرق إلى قضايا المجتمع ومعالجتها, فضلاً عن استيعاب ثقافة الأمة والحفاظ على تراثها وحضارتها , ولا ننسى دوه العظيم وقدرته الفائقة على تقريب المسافة بين المنشود والموجود.

بإختصار كيف لمجمعات تعانى من الإستلاب الفكرى والغزو الثقافى وطمس الهوية أن يتسنى لها لغة الحوار البناء مع أفرادها , تلكم الذين يعانون من التداخل واللبث بين الثابت والمتطور فكيف لهم أن يتفهموا طبيعة العلاقة بينهما ؟ ثم نطالبهم بأن يتقبلوا التجديد والتطوير فى مفاهيم الخطاب الدينى التى لا يؤمنوا أو يعتقدوا فى صدق غيرها في المحيط الذى يحيوا فيه ؛ مما يجعلهم متخبطون بين المفاهيم والمقاصد والمستجدات والأصول.
حريٌ بالمجتمعات أن تعي تماماً أن الصدام كائناً لا محالة , متى طالبنا بتقبل التجديد لاسيما فيما يخص الدين , فإن كان بٌد من صدام , فيتوجب علينا تغيير الخطاب الثقافى أولا حتى يتفهم الأخر ويتقبل ماذا يٌريد تجديد الخطاب الديني من المجتمعات. ولكن إن أبقينا على الوضع هكذا ,فليس بغريب أن تزداد حدة الصدام .

ثٌم على المجتمعات التى ترغب فى التطوير والتحديث دون صدام أو ثرثرة أن تعترف أولاً بأن أزمة التبعية الثقافية جعلتنا جميعاً لا نتفق حول مفهوم واضح ومحدد لأى من المصطلحات , فكيف لنا أن نرغب فى تجديد الخطاب الديني مع أُناس مختلفين ومتناقضين فى إنتمائتهم الثقافية , هلا عالجنا هذه الأزمة وطرحنا آليات لتقارب الفكر أولاً ليتسنى لنا تجديد الخطاب الديني بطرق وآليات مشتركة ؟!!!

ثٌم هل رسخنا متطلبات تجديد الخطاب قبل أن ندعوا له؟ , هلا أوجدنا واستحدثنا الإنسجام بين الأفراد ومجتمعاتهم ليتفهموا الأمر ؟؟ هل استحدثنا آليات لفنون الحوار معهم قبل أن نطرح الأفكار عليهم  ونطالبهم بقبولها جرعة واحدة . هلا رسخنا ثقافة التسامح والسلام ؟؟؟هلا طرحنا كل الأفكار وكل السُبل وأوضحنا الفروق فى التداخلات واللبث ؟؟؟هلا امتكلنا سُبلاً لتقبل الرفض وإبداء الرأى  وقبول الأخر ؟؟؟ هلا أنرنا العقول وطرحنا عليها كل المختبئات والأسرار وأعطيناها حق التفكر والتدبر ثم حق الاختيار ,ثم حق التعبير ؟؟

 إن الأمر جد خطير يستوجب أن نبدأ بتجديد وتطوير موضوعات نعتقد أنها أهم  من تلك التى لاننكر أنها مهمة. فيستوجب أن نأخذ بعين الاعتبار متطلبات التجديد فى ضوء أُطروحات الشرائح الأيديولوجية كافة. من أجل أن تتوافق جميعها على مستجدات(طرق وأليات) يمكن ارجاعها لأهل الدين والفقه لنطبق منها مالا يتعارض مع ثوابت الأديان وأصولها .
ولا يفوتنا فى هذا المقام أن ننوه إلى أن المطالبة بتجديد الخطاب الديني إنما هو اعتراف ضمنى , بل اعتراف مباشر بأهمية الدين فى مجالات الحياة كافة. فمن غير المقبول أن يظهر علينا من يطالب بتجديد الخطاب الديني , ثُم يدعى أن الدين لله , وأن لا علاقة له بشؤن ومجالات الحياة . موجهين له تساؤلاتنا وليته كان حاضراً ليجيب ....لماذا إذاً نطالب بتجديد الخطاب الديني وفقاً للمستحدث والجديد؟ ...هلا أصاب علاقة الإنسان بربه أية تطوير أو أية متطلبات للتغيير؟ أم أن التطوير الذي طرأ أصاب العلاقات البشرية والمعاملات الحياتية والأخلاقيات الإنسانية ؟؟فبات من الضروري استحداث آليات تٌمكننا من ضبط هذه المجالات ومعالجة ما أصابها من انفلات وقصور وخلل, لحق بطبيعتها, فكيف يمكننا التقويم إلا من خلال تطوير خطاب لازالوا  يقدرونه ويفهمون لغته ويلبون أوامره وينتهون بنواهيه؟؟؟
ليت المجتمعات فى وقتنا هذا,  تطرح ما يجمع أفرادها  ويجعلهم يتفقون قبل أن تطرح ما يزيد صفوف الشقاق بينهم , فهلا طرحت آليات لتنمية الشعور بالمؤخاة والإنتماء والمواطنة ؟؟هلا طرحث سٌبلاً لمحاربة طمس الهوية وتحديد معالمها والحفاظ عليها من الميوعة والتقولب ؟؟ فمن غير المقبول أن يطلب رب البيت من أبنائه أن يلتزموا بمستجدات ما يراه مطلباً حداثياً وهم لا يسعوا له بالاً , ولا يفهموا له مقصد من جراء سوء التكوين وخلل النشء وانتشار الغزو الفكري والطمس الثقافي.

اكتب تعليق

أحدث أقدم