رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن ذكرى يوم التأسيس للمملكة العربية السعودية



بقلم المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي ,
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن المملكة العربية السعودية تحتفل اليوم الثلاثاء بذكرى "يوم التأسيس"، تحت شعار "يوم بدينا"، الذي يصادف ذكرى تأسيس الدولة السعودية الأولى، قبل ثلاثة قرون، على يد الإمام محمد بن سعود، والتي كانت تتخذ من "الدرعية" عاصمة لها.
ويأتي الاحتفاء بهذه الذكرى، بعد أن أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، أمرا ملكيا في يناير الماضي يقضي باعتبار 22 فبراير من كل عام يوما للتأسيس، ليتم الاحتفاء بهذه المناسبة لأول مرة وسط احتفالات وفعاليات تعم المملكة وتؤكد على الجذور التاريخية للبلاد.
ويحمل الاحتفال بهذا اليوم الكثير من المعاني في نفوس السعوديين، فهو تأكيد على ارتباط مواطني المملكة بقادتها منذ عهد الإمام محمد بن سعود وبداية تأسيسه، في منتصف عام 1139هـ (1727م) للدولة السعودية الأولى التي استمرت إلى عام 1233هـ (1818م)، وعاصمتها "الدرعية"، وما أرسته تلك الدولة من الوحدة والأمن في الجزيرة العربية، بعد قرون من التشتت والفرقة وعدم الاستقرار.
ويستحق يوم الـ 22 من فبراير أن يستذكر أبناء المملكة العربية السعودية تفاصيله، حيث إنه يعبر عن بداية تاريخ دولتهم الممتد إلى أكثر من ثلاثة قرون، ويستنتج المؤرخون هذا التاريخ بناء على عدد من الأحداث التي وقعت خلال تلك الفترة قبل وبعد تولي الإمام محمد بن سعود الحكم في "الدرعية".
وأكدت المنعطفات التاريخية التي مرت بها الدولة السعودية مدى ما يربط أبناء المملكة وأشقاءهم في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من علاقات عميقة امتدت لقرون عديدة وتجذرت على مدار السنوات.
ويمثل يوم التأسيس مناسبة وطنية عزيزة توضح مدى رسوخ وثبات مؤسسة الحكم ونظام الدولة في السعودية طوال تلك السنين، فمنذ تأسيس الدولة السعودية الأولى في عهد الإمام محمد بن سعود وهي تقوم على مبادئ الإسلام الصحيحة، وتعزيز مكانتها محليا وإقليميا وعالميا، وكانت خدمة القبلتين وضيوف الرحمن أولوية قصوى لأئمة الدولة السعودية وتوارثها ملوك المملكة حتى اليوم.
وتوالت الإنجازات في عهد الدولة السعودية الأولى وكان على رأسها نشر الاستقرار في البلاد وعدم الخضوع لأي نفوذ في المنطقة أو خارجها، ومساندة البلدات المجاورة لتعزيز الاستقرار مثل: مساعدة أمير الرياض في تثبيت حكمه، واستتباب الأمن.
وخلال عهد الإمام محمد بن سعود ومن بعده من الأئمة أصبحت مدينة "الدرعية" عاصمة لدولة مترامية الأطراف، ومصدر جذب اقتصادي واجتماعي وفكري وثقافي، وتحتضن على ترابها معالم أثرية عريقة مثل : حي غصيبة التاريخي، ومنطقة سمحان، و"حي الطريف" الذي وُصف بأنه من أكبر الأحياء الطينية في العالم وتم تسجيله في قائمة التراث الإنساني لدى منظمة اليونسكو، ومنطقة البجيري وسوق الدرعية، إضافة إلى أن النظام المالي للدولة وصف بأنه من الأنظمة المتميزة من حيث الموازنة بين الموارد والمصروفات.
وقد هاجر كثير من العلماء إلى "الدرعية" لتلقي التعليم والتأليف الذي كان سائدًا وقتها مما أدى إلى ظهور مدرسة جديدة في الخط والنسخ، وبعد سقوط الدولة السعودية الأولى استطاع الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود أن يسترد الرياض عام 1240هـ" 1824م بعد سبع سنوات من العمل والكفاح، والتف الناس حوله وحول الأسرة المالكة من جديد.
وتمكن الإمام تركي من توحيد معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية في مدة قصيرة مستمرا على المنهج الذي قامت عليه الدولة السعودية الأولى وهو حفظ الأمن والتعليم والعدل والقضاء على الفرقة والتناحر، وظلت الدولة تحكم المنطقة حتى عام 1309هــ 1891م.
وبعد فراغ سياسي في وسط شبه الجزيرة العربية استمر قرابة عشر سنوات، تمكن الملك عبدالعزيز آل سعود في الخامس من شهر شوال عام 1319هـ (الخامس عشر من يناير 1902م) من إعادة تأسيس الدولة السعودية بعد أن استرد مدينة الرياض ليبدأ صفحة جديدة من صفحات التاريخ السعودي، ويضع لبنة من لبنات الوحدة والاستقرار والنماء.
وفي السابع عشر من شهر جمادى الأولى عام 1351هـ الموافق 23 سبتمبر 1932م أعلن الملك عبدالعزيز توحيد المملكة العربية السعودية بعد أحداث تاريخية استمرت 30 عامًا.
ويحتفل السعوديون باليوم الوطني للبلاد في 23 سبتمبر من كل عام تخليدا لذكرى توحيد الملك عبدالعزيز آل سعود، للمملكة عام 1932.
"يوم التأسيس" ليس بديلا لليوم الوطني السعودي الذي تحتفل به المملكة كل عام، ولكن السعودية أرادت من خلال الأمر الملكي الجديد بالاحتفال بيوم التأسيس أن تؤكد اعتزازها بالجذور الراسخة لهذه الدولة الممتدة لثلاثة قرون.
ويرتبط "يوم التأسيس" بشخصية محورية في التاريخ السعودي، وهو الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى وأول حكامها، وهو اليوم الذي تولى فيه مقاليد الحكم في "الدرعية"، حيث كان لأعماله التي قام بها، وإنجازاته التي حققها، دور بارز في مسيرة الدولة السعودية واستمرارها.
لقد تولى الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن حكم "الدرعية" في خضم فوضى سياسية في الجزيرة العربية، تنكفئ فيه كل بلدة وإقليم في حكم مستقل نسبيا، بشكل لا يلبي المتطلبات الدنيا لقيام أي حضارة أو ازدهار أو ثقافة، وقد كانت تلك البلدان والأقاليم دائمة القتال والحروب فيما بينها وكانت الفرقة والتشتت شعارها، كما كانت لبعض القوى نفوذ عليها.
لقد كان الإمام محمد بن سعود شخصية استثنائية وعبقرية، حين قرر أن يكسر منظومة التشتت معتمدا شعار الوحدة، مبتدئًا بمدينته "الدرعية"، ووحد شطريها، وجعلها تحت حكم واحد، بعد أن كان الحكم متفرقا بين مركزين لها، مهتما بشؤونها الداخلية، وتقوية مجتمعها، وتوحيد أفراده، مع الحرص على تنظيم مواردها الاقتصادية، كما أنه حرص على الاهتمام بالمظهر الحضري للدولة فأمر ببناء حي جديد وهو حي "الطرفية"، وانتقل إليه بعد أن كان حي غصيبة هو مركز الحكم لفترة طويلة، وفي ذلك إشارة واضحة إلى انطلاق عصر جديد كان يراه ببصيرته، لتشهد تلك المدينة المشرفة على وادي حنيفة استقرارا كبيرا وازدهارا في مجالات متنوعة، محققا لها الاستقلال السياسي التام عن أي قوة خارجية، كما سجل التاريخ حرصه على الاستقرار في منطقته.
ويحمل الاحتفال بهذا اليوم دلالة واضحة على مدى حرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، على إبراز الهوية الوطنية لأبناء المملكة، بربطهم معرفياً بالشخصية التي وضعت اللبنة الأولى لعمقها التاريخي والحضاري، الذي ظهرت ثمار تأثيره اليوم.

اكتب تعليق

أحدث أقدم