رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن النفاق اّفة الاّفات



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن النفاق في الشرع: معناه إظهارُ الإسلام، وإبطانُ الكفر والشرِّ، والنفاق نوعانِ:
• الاعتقادي، وهو النفاقُ الأكبر الذي يُظهر صاحبُه الإسلامَ، ويُبطِن الكفرَ، وهذا النوع مُخرِج من الدين بالكلية، مثل: الكفر، وعدم الإيمان، والاستهزاء بالدِّين وأهلِه، والسخرية منهم، والميل بالكليةِ إلى أعداء الدِّين.
أنواعه: تكذيب الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وبُغْضُه، وبُغْضُ ما جاء به، وكراهية الانتصار له، والسرور بإيذائه.
• النوع الثاني: النفاقُ العَمَلي، وهو عملُ شيءٍ من أعمال المنافقين، مع بقاءِ الإيمان في القلبِ، وهذا لا يُخرِج من الملَّة.
قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: 8 - 18].
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [المائدة:57، 58].
قال الحافظ ابن كثير:
وهذا تنفيرٌ من موالاة أعداء الإسلام وأهلِه، من الكتابِيِّين والمشركين، الذين يتخذون أفضلَ ما يعمَله العاملون - وهي شرائع الإسلام المطهَّرة المُحكَمة المشتملة على كل خيرٍ دُنيوي وأُخروي - يتخذونها ﴿ هُزُوًا ﴾: يستهزِئون بها، ﴿ وَلَعِبًا ﴾: يعتقدون أنها نوعٌ من اللَّعِب في نظرهم الفاسد، وفِكْرِهم البارد؛ كما قال القائل:
وكم مِن عائبٍ قولاً صحيحًا
وآفتُه من الفهمِ السَّقيمِ
وقوله: ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ ﴾، (مِنْ) ها هنا لبيانِ الجِنس؛ كقوله: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ﴾ [الحج: 30]، وقرَأ بعضهم (والكُفارِ) بالخفضِ عطفًا، وقرأ آخرون بالنصبِ على أنه معمول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة: 57]، تقديره: ولا الكفارَ أولياءَ؛ أي: لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياءَ.
والمراد بالكفَّار ها هنا المشركون، وكذا وقَع في قراءة ابن مسعود فيما رواه ابن جرير: ﴿ لا تتَّخذوا الذين اتَّخَذوا دينَكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب مِن قبلِكم والذينَ أشرَكوا ﴾.
قوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾؛ أي: اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداءَ لكم ولِدينِكم أولياءَ، ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ بشرعِ الله الذي اتخذه هؤلاء هزوًا ولعبًا؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ [آل عمران: 28].
وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ﴾؛ أي: وكذلك إذا أذَّنْتُم داعينَ إلى الصلاة، التي هي أفضلُ الأعمال لِمَن يعقِلُ ويعلَم من ذوي الألباب، ﴿ اتَّخَذُوهَا ﴾ أيضًا: ﴿ هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ معانيَ عبادةِ الله وشرائعه، وهذه صفاتُ أتباع الشيطان.
وقال تعالى: ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا * وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 138 - 140].
وقال تعالى: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [التوبة: 67، 68].
وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ﴾ [النساء: 60 - 63].
وقال تعالى: ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ * الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [التوبة: 64 - 68].
وقال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [الأحزاب: 11، 12].
وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الحشر: 11].
وقال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 1 - 8].
النِّفاق: تعريفه وأنواعه:
تعريفه: النفاق لغة: مصدر: نافَق، يقال: نافَق ينافق نِفاقًا ومنافقة.
قال ابن منظور في لسان العرب:
نافَقَ اليَرْبوعُ، إذا دخَل في نافِقَائه، وقصَع إذا خرَج من القَاصِعاء، سمي المنافق منافقًا للنَّفَق، وهو السَّرَب في الأرض، وقيل: إنما سمي منافقًا لأنه نافَق كاليربوع، وهو دخوله نافقاءه، يقال: قد نفق به ونافَق، وله جحر آخر يقال له: القاصعاء، فإذا طُلِب قصَع فخرَج من القاصعاء؛ فهو يدخُلُ في النافقاء، ويخرُجُ من القاصعاء، أو يدخُلُ في القاصعاء، ويخرُجُ من النافقاء، فيُقال: هكذا يفعل المنافق، يدخُلُ في الإسلام، ثم يخرج منه من غيرِ الوجهِ الذي دخَل فيه.
وقال في تاج العروس:
ونقَل الصاغاني عن ابنِ الأنباريِّ في الاعتلال لتسمية المنافق منافقًا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سُمِّي به لأنه يستُرُ كُفره ويُغيِّبه، فشُبِّه بالذي يدخل النَفَق - وهو السَّرَب - يستترُ فيه.
والثاني: أنه نافَق كاليربوع فشُبِّه به؛ لأنه يخرُجُ من الإيمان من غيرِ الوجه الذي دخَل فيه.
والثالث: أنه سمي به لإظهاره غيرَ ما يُضمِر؛ تشبيهًا باليَرْبوع، فكذلك المنافق؛ ظاهرُه إيمان، وباطنُه كُفر.
قلت: وعلى هذا يحمل حديث: ((أكثرُ منافقي هذه الأمَّة قرَّاؤها))، أراد بالنفاقِ هنا الرياء؛ لأن كليهما إظهارُ غيرِ ما في الباطن.
وهو مأخوذ من النافقاء: أحد مخارجِ اليربوع من جُحره، فإنه إذا طُلِب من واحد، هرَب إلى الآخر، وخرَج منه، وقيل: هو من النَّفَق، وهو السَّرَب الذي يستترُ فيه.
وقال الفيروزآبادي: ونافَق في الدين: ستَر كفره، وأظهَر إيمانَه، واليربوع: أخَذ في نافقائه، كانتفق.
قال ابن الأثير:
قد تكرَّر في الحديث ذِكْر النِّفاق، وما تصرَّف منه؛ اسمًا وفعلاً، وهو اسمٌ إسلامي، لم تعرِفْه العربُ بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستُرُ كفرَه، ويُظهِر إيمانَه، وإن كان أصله في اللغة معروفًا، يقال: نافَق ينافِق منافقةً ونِفاقًا، وهو مأخوذ من النَّافِقاء: أحد جِحَرَة اليربوع، إذا طُلِب من واحد، هرَب إلى الآخَر وخرَج منه، وقيل: هو مِن النَّفَق: وهو السَّرَب الذي يستترُ فيه؛ لسترِه كُفرَه؛ انتهى.
أما النفاقُ في الشرع، فمعناه: إظهارُ الإسلام، وإبطان الكفر والشر؛ سمِّي بذلك لأنه يدخُلُ في الشرع من باب، ويخرُجُ منه من باب آخر، وعلى ذلك نبَّه الله تعالى بقوله: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: 67]؛ أي: الخارِجون من الشَّرع، وجعَل الله المنافقين شرًّا من الكافرين فقال: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾ [النساء: 145]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ [النساء: 142]، ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [البقرة: 9، 10].
أنواع النفاق:
النفاق نوعان: اعتقادي وعملي:
النفاق الاعتقادي:
ستةُ أنواع، صاحبُها من أهل الدَّرْك الأسفل من النار:
الأول: تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم.
الثاني: تكذيب بعضِ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
الثالث: بُغْض الرسول صلى الله عليه وسلم.
الرابع: بُغْض بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
الخامس: المَسَرَّةُ بانخفاضِ دِين الرسول صلى الله عليه وسلم.
السادس: الكراهية لانتصارِ دِين الرسول صلى الله عليه وسلم.
النفاق العملي: خمسة أنواع:
والدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا ائتُمِن خان))، وفي رواية: ((إذا خاصَم فجَر، وإذا عاهَد غدَر)).
وسببُ النِّفاق:
أنه لما عَزَّ الإسلامُ بعد هجرةِ الرسول صلى الله عليه وسلم، صار هناك أناسٌ يريدون العيشَ مع المسلمين، ولكنهم لن يستطيعوا أن يعيشوا بين المسلمين إلا إذا أظهَروا الإسلام، وهم لا يريدون الإسلامَ، ولا يحبُّون الإسلامَ، فلجؤوا إلى حِيلةِ النِّفاق، وهي: أن يُظهِروا الإسلامَ من أجل أن يعيشوا مع المسلمين، ويبقَوا في قرارةِ نفوسهم على الكفر، فسُمُّوا بالمنافقين؛ هذا هو النِّفاق الاعتقاديُّ.
وأما النِّفاق العملي، فمعناه:
أن بعضَ المسلمين الذين عقيدتهم سليمة، ومؤمنون بالله، لكنهم يتَّصِفون ببعضِ صفات المنافقين، مثل: الكذب في الحديث، والغَدْر في العهد، وإخلاف الوَعْد؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا ائتُمِن خان))، هذا نِفاق عمَلي، صاحبه مؤمن، ولكن فيه خَصْلة من خِصال المنافقين، وهي خطيرة جدًّا، ربما تؤول إلى النِّفاق الأكبر إذا لم يتبْ منها.
يؤذي المؤمنين بمعنى: أنه يضايق المسلمين بكلامِه وبتصرُّفاته، يسخَرُ من المسلِمين، يتلمَّس معايبَ المسلمين، ينال من الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وينال من المؤمِنين، ويتتبَّعُ العَثَرات، فدل على أن إيذاءَ المسلمين من النفاقِ.

اكتب تعليق

أحدث أقدم