رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن أمانة الود

بقلم \  المفكر العربى الدكتور  خالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف 
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لاشك فيه ان الخلق الحسن، من أعظم المنن، وأجزلِ عطايا الرزاق، وأعظمِ منح الخلاَّق؛ وذلك أن الخلق الفاضل يبعث صاحبَه على فعل الفضائل، واجتناب اقتراف الرذائل، كما يحرس المسلمَ من التقصير في حق الخالق، وهضمِ حق المخلوقين.
ألا وإن من أعظم الأخلاق التي ينبغي للمسلم أن يحرص على ملازمتها، والرباطِ على ثغورها، وعدمِ الانسلاخ منها-مهما تغير زمانه أو مكانه، أو داره، أو وطنه، أو منزلته أو رتبته: خلقَ حفظِ الود القديم، ورعايةِ العشرة السابقة، وتعاهد العلاقات الحسنة الماضية. هذا الخلق العظيم إنما يتحلى به الإنسان الكريم الذي لمع نجمه في آفاق عزة النفس وشرفها، ولم يرضَ لنفسه مهانة اللؤم والدناءة، ومخادنة الذل والقماءة، فصار ذاكراً أيامَ الصفاء السابقة، مجانبًا نكرانَ يد الإحسان السالفة، وكفران العشير القديم، غير ناسٍ الفضلَ الذي كان بينه وبين أهل حياته الماضية.
إن هذا الخلق الحسن خصلة من خصال الإيمان، وشعبة من شعبه، وخلق من أخلاق أهله.
فعن عائشة رضي الله عنا قالت: جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عندي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أنت؟ قالت: أنا جَثَّامة المزنية، فقال: بل أنت حَسَّانة.
المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم، كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير -بأبي أنت وأمي- يا رسول الله. فلما خرجت، قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان)
إن الإنسان يعيش في هذه الحياة مع أناس كثيرين، فتحصل بينه وبينهم علاقات؛ كعلاقة الأبوة، أو الأخوة، أو القرابة، أو الزوجية، أو الصداقة، أو الجوار، وفي إطار هذه العلاقات يحدث بينه وبين الناس محبة ومودة، وبر وإحسان، ومصالح ومنافع، ووصول خير، واندفاع شر.
ولكن هذه الروابط والوشائج قد لا يدوم الاجتماع بأهلها بسبب الافتراق إما بموت، وإما بغياب عن موطن تلك العلائق.
فإذا كان الإنسان كريمًا عظيمًا فإنه سيحتفظ بود أولئك الناس الذين التقى بهم على جوِّ المحبة والإحسان، وسيبقى ثابتًا على قمة الوفاء بحقوق تلك الصحبة القديمة، مراعيًا حرمتَها في حياة أهلها، وبعد مماتهم. ويستمر مؤديًا هذا الحق ولو طالت سنوات الفراق، أو تباعد عنهم بالسفر والانتقال، أو علت مكانته في الحياة، بعلو جاه، أو بسطة علم، أو كثرة مال، أو زيادة قوة.
ولا يمكن أن ينسى الجميل، أو يجحد الإحسان، ولو كان صاحبه كافراً.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاد من الطائف، ولقي من أهلها ما لقي، وأراد دخول مكة استجار ببعض كبرائها فأجاره المطعم بن عدي، فدخل مكة في جواره، فلم ينس رسول الله هذا الجميل للمطعم؛ فقد قال في حق أسرى بدر من المشركين: " لو كان المطعم بن عدى حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له"
ومن العجب: أن حفظ الود القديم يبقى عند بعض الحيوانات، ولا يبقى عند بعض البشر! قال إبراهيم النخعي: "إن المعرفة لتنفع عند الأسد الهصور، والكلب العقور، فكيف عند الكريم الحسيب!" 
ذكر الجاحظ أنَّ رجلاً خرج إلى مكان ينتظر رِكابَه فأتبعه كلبٌ كان له فضرب الكلبَ وطردَه، وكره أن يتبعه، ورماه بحجر فأبى الكلبُ إلاّ أن يذهب معه، فلما صار إلى الموضع الذي يريد فيه الانتظار ربضَ الكلبُ قريباً منه، فبينا هو كذلك إذ أتاهُ أعداءٌ لَهُ يطلبونه، وكان مع الرجل أخوه وجاره، فلما رأيا الأعداء هربا وتركا صاحبَ الكلب، فهجم عليه أعداؤه فجرحوه جِراحاتٍ، ثم رموه في بئرٍ غيرِ بعيدة القعر، ثم حَثَوْا عليه من التراب حتَّى غَطَّى رأسه، والكلبُ في ذلك كان يهر عليهم، فلمَّا انصرفوا أتى الكلب رأسَ البئْر فما زال يَعوي وينبث عنه ويحثو التُّرَابَ بيده، ويكشف عن رأسه حتى أظهر رأسه فتنفّسَ ورُدَّتْ إليه الرُّوح وقد كاد يموتُ، فبينا هو كذلك إذ مَرّ ناس فأنكروا مكان الكلب، ورأوه كأنّه يحفِر عن قبر فنظروا فإذا هم بالرَّجُلِ في تلك الحال فأخرجوه حيَّاً وحَملوه حتَّى أدَّوه إلى أهله 
إن أولى الناس بحفظ الود السابق معه، ورعايته، وعدمِ نسيان فضله ومعروفه: الأبوان، فإحسان الأب والأم إلى أولادهما طول حياتهما كثير كبير؛ فلهذا أمر الله تعالى ببرهما، وإحسان صلتهما.
فمتى حصلت الفرقة بسفر أو غياب بين الإنسان ووالديه فإن الولد الكريم يظل يحن إليهما، ويتصل بهما، ويشكرهما، ويدعو لهما في حال حياتهما، فإذا ماتا، أو مات أحدهما لم ينس معروفه، ولم يغفل عن ذكره، والدعاء له، وبذل ما ينفعه في قبره.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له )
ومِن حفظ الود لهما كذلك: صلة أصدقائهما، والإحسان إليهم، فعن عبدالله بن دينار عن ابن عمر-رضي الله عنهما-: أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروّح عليه إذا ملّ ركوب الراحلة، وعمامة يشد بها رأسه، فبينا هو يومًا على ذلك الحمار إذ مر به أعرابي فقال: ألست ابن فلان بن فلان؟ قال: بلى، فأعطاه الحمار وقال: اركب هذا، والعمامة قال: اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك! أعطيت هذا الأعرابي حماراً كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك! فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن من أبر البر صلةَ الرجل أهل ودِّ أبيه بعد أن يولِّي، وإن أباه كان صديقًا لعمر)[7].
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: " من أحب أن يصل أباه في قبره، فليصلْ إخوان أبيه بعده " 
وعن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: "أتيت أبا الدرداء- وكان في مرضه الذي قبض فيه- فقال لي: يا ابن أخي، ما جاء بك إلى هذا البلد؟ قلت: صلة ما كان بينك، وبين والدي عبد الله بن سلام"
أيها الأحباب الكرام، ومن حفظ الود: ما يكون بين الأقارب؛ فإن علاقة القربى يحدث فيها من الالتقاء والمعروف والصفاء-غالبًا- ما لا يحصل في غيرها، فكانت أولى بتعاهد الود والإحسان، وتذكر أيام الألفة الماضية، خصوصًا عند الفراق والغياب، بل حتى عند الشجار والاختلاف فإن سابق المودة عند كرام الأقارب لا يبعث على القطيعة، ووأدِ المعروف، وجحود الفضل.
ومن العلاقات التي حث الشرع الحنيف على حفظ الود السابق فيها، وتذكّر الإحسان الذي جرى في ربوعها: علاقة الزوجية، فما حصل بين الزوجين من سنوات المودة والرحمة، واللقاء الحنون والألفة، وصالحاتِ الأقوال، وحسنات الأفعال، وجميل الصحبة، واجتماع القلوب، وتقاسم الهموم، وطول العشرة المقدسة؛ كل ذلك يغرس في النفس الكريمة -زوجًا كان صاحبها أو زوجة- دوامَ الوفاء والإحسان، والتعهد والرعاية، وستر كل مكروه وسر، وبث كل خير وبِر، سواء كان ذلك في حال بقاء الزوجية، أو انتهائها بطلاق أو موت.
فإن حدث بين الزوجين خصام أو كراهية فإن خلق حفظ الود الماضي يحث على العفو والمسامحة، وغضِّ الطرف عن استيفاء كامل الحقوق، وعدم نكران الجميل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر) 
وقال: (أُريت النارَ فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن). قيل: أيكفرن بالله؟ قال: (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيراً قط).
فإذا وصل الأمر إلى الطلاق كان طلاق الكريم طلاقَ إحسان لا إساءة، فيعطيها ما فرضه الله لها عليه. وإن كان الزوجان ممن يحفظ الود القديم فحصل بينهما الطلاق فإن من مظاهر ذلك الخلق الفاضل: أن يمسك كل منهم عن الطعن في صاحبه، وعشيره السابق، وتشويه صورته بين الناس، ويبتعد عن بث عيوبه وأسراره، وإخراج خفياته وأخباره، قال تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة:237].
فإذا مات الزوج أو الزوجة أضحى من حقوق المودة القديمة: الدعاء، والذكر الحسن، والإحسان إلى الأقارب والأصدقاء. ومن الأمثلة في هذا الوفاء: ما كان يفعله نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم لزوجته خديجة رضي الله عنها بعد وفاتها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: ( إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد ) 
 ومن العلاقات التي يعظم فيها حفظ الود القديم: علاقة الجوار في الدار أو العمل، فجار الإنسان من أعلم الناس بجاره، بسبب القرب المكاني الذي جمعهما على اللقاء والصفاء، وتبادل الأفراح والأتراح، وإسداء الخير، وإعطاء الفضل. فالتحلي بخلق رعاية صفاء الجوار، ووداد الماضي يجعل الجار يراعي حرمة جاره، ويسعى إلى بذل وجوه الإحسان إليه، والصبر على إساءته.
ومتى غاب الجار الكريم عن جيرانه فإنه لا ينسى سابق عهده الجميل معهم، فيظل يذكرهم، ويشد حبل التواصل بهم، وإذا سافر جاره أو مات فإنه يحفظ جاره في أهله وولده وماله. قيل لأحد السابقين ": يا فلان، مالي أرى فلاناً يسيء إليك وأنت تتحمل منه؟ فقال له: والله ما كان ذلك مني إلاّ لأنه من بلدي، فكنت كما قال القائل:
رأى المجنونُ في البيداء كلباً  
فجلَّله من الإحسان ذيلا  
فلاموه على ما كان منه  
وقالوا: لِمْ أنلتَ الكلبَ نيلا  
فقال دعوا الملام فإن عيني  
رأته مرة في حيِّ ليلى13 
ومن العلاقات التي يراعى فيها حق الود القديم: علاقة الصداقة والأخوة، فاجتماع الإنسان مع غيره على مائدة الأخوة والصداقة يحصل فيه تبادل الوداد، ونشر بعض الأسرار، وتعاطي أسباب الحب والإخاء، وتداول خصال المعروف. والكريم من الأصدقاء من يتعاهد شجرة الصداقة بدوام المودة، وتنقية تربتها من أسباب الذبول، وحصول الإساءة. ويبقى على عهده في حفظ ودّه لإخوانه وخلاّنه ما دامت الحياة به، سواء بقي معهم، أم فارقهم لسفر أو رحيل. بل إنه يستمر على وفائه، وأمانة صداقته عند حدوث الشقاق والاختلاف -لو حصل-؛ فمتى حدث ذلك ذكرَ ضياء المودة القديمة فمحى به ظلامَ الكراهية الحادثة فعفا وصفح. وتذكّر أيضًا ترقرقَ ماء المعروف على أرض الأخوة والصداقة الماضية فسقى به ما أجدب من جوانب تلك العلاقة، فعادت إلى بهجتها ونضرتها. ولم تحمله إساءة صديقه على كفر معروفه، وإنكار جميله، وكشف أسراره وأخباره، ففي صلح الحديبية حينما أرسلت قريش عروة بن مسعود -قبل أن يسلم- إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الصلح، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: "أي محمد، أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لا أري وجوهًا، وإني أري أوباشًا من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بَظْر اللات، أنحن نفر عنه؟! قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يدٌ كانت عندي لم أجْزِكَ بها لأجبتك".
فقد منع عروةَ من إجابة أبي بكر معروفُ أبي بكر السابق له، وهذه "اليد المذكورة أن عروة كان تحمل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن"
معشر المسلمين، إن خلق حفظ الود القديم يحمل صاحبه على عدم نسيان أرض تربى فيها، ووطن عاش فيه سنوات من عمره سعيدا، فإنه إذا فارق تلك الديار فلا يزال يذكر تلك الأرض التي درج بين جنباتها، ويذكر أهلها الذين تبادل معهم الصفاء في نواحيها، ويحمله الحنين على مواصلة أحبابه من ساكنيها، ويغلبه الشوق على حب زيارتها، وتجديد أطلال أيامه السالفة فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة: (ما أطيبك! وأحبك إليّ! ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك)
وكان بلال رضي الله عنه يقول حينما يمرض وهو في المدينة مشتاقًا إلى مكة:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَة  
بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ  
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّة  
وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ  
وهذا الحنين إلى الأرض التي عاش فيها الإنسان، والشوق إلى أهلها من علامات الوفاء، وشيم الرجال الكرماء؛ فقد قيل لبعض الحكماء: "بمَ تعرف وفاءَ الرجل، وذمام عهده دون تجربة واختبار؟ فقال: بحنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وتلهّفه على ما مضى من زمانه".
وربما قال ذلك الإنسان الكريم بلسان حاله- وهو يتقلب بين أعطاف الغربة، والشوقُ يؤزه إلى تلك الرياض العتيقة أزّاً-:
جسمي معي غيرَ أن الروح عندكمُ  
فالجسم في غربةٍ والروح في وطنِ  
فليعجبِ الناس مني أن لي بدناً  
لا روحَ فيه ولي روحٌ بلا بدن 
ويبقى على عهد الوفاء لرفقاء الحب في تلك الديار، ويعاهد نفسه على دوام التعلق بها وبهم، ويقول:
مَا زِلْتُ مُذْ سَكَنُوا قَلْبِي أَصُونُ لَهُمْ  
لَحْظِي وَسَمْعِي وَنُطْقِي إِذْ هُمُ أُنُسِي  
حَلُّوا الفُؤَادَ فَمَا يَنْدَى وَلَوْ وَطِئُوا  
صَخْرَاً لَجَادَ بِمَاءٍ مِنْهُ مُنْبَجِسِ  
وَفِي الحَشَا نَزَلُوا وَالوَهْمُ يَجْرَحُهُم  
فَكَيْفَ بَاتُوا عَلَى أَذْكَى مِنَ القَبَسِ  
لأَنْهَضَنَّ مِنَ الدُّنْيَا بِحُبِّهِمُ  
لا بَارَكَ اللهُ فِي مَنْ خَانَهُمْ فَنَسِي 
ومع مفارقته وغربته تذكره أشياء بقديم عهده، ولقاء أحبابه في داره الماضية، فيقول:
ما ناحَ في أعلى الغصونِ الهَزارْ  
إلاّ تشوَّقتُ لتلك الديارْ  
ولا سرى من نحوكمْ بارقٌ  
إلاّ وأجريتُ الدموعَ الغزارْ  
وا أسفي أين زمان الحمى؟  
وأين هاتيك الليالي القصار؟  
واحر قلبي فمتى نلتقي  
وتنطفي من داخل القلب نار؟  
وأنظرُ الأحبابَ قد واصلوا  
ويأخذ الوصلُ من الهَجر ثار  
أقول للنفس ابشري بالِّلقا  
قد واصلَ الحبُّ وقرَّ القرار 
 إن لؤمَ الطبع، ودناءة النفس، وضعف الإيمان، والحسد والبغضاء، والخلاف والجهل؛ قد يؤدي ذلك أو بعضه إلى خيانة الود القديم، ونسيان الجميل والمعروف، وتركِ تعاهد المحبة السابقة، وقطع الصلة بالعلاقات الاجتماعية الطيبة الماضية. كما أن تطاول الزمن، وتفاوت منازل الناس الدنيوية، واختلاف أحوالهم الحياتية مِسبارٌ يُعرف به كرم النفوس من لؤمها، وشرفها من ذلها، وصدق ودادها من كذبه.
فمن فارق أحباءه السابقين بسفر ونحوه، أو زاد عليهم في متاع الدنيا، أو نال فوقهم وظيفة راقية، أو مرتبة عالية، فصار يتكبر عليهم، أو يعاملهم معاملة الطارئ الغريب، بعدما كان يعاملهم معاملة القريب الحبيب، وأصبح ينظر إليهم من آفاق الثريا على أنهم على أطباق الثرى، أو زاد في لؤمه فغدا يؤذيهم، أو يسيء إليهم فإنه قد عرَّفهم بلؤم نفسه، وصغار طبعه، حينما انحدر إلى هذه الدركة السحيقة من تغيّر الحال، وتبّدل الأقوال والأفعال، وتبيّن لخلانه الماضين أن حبه السابق كان لمصلحة عاجلة انتهى بانتهاء تلك المصلحة.
وقد قيل: " يود الكريم عن لُقية واحدة، ومعرفة يوم فقط، واللئيم لا يصل أحداً إلا عن رغبة أو رهبة"
يذكر أن أبا العتاهية لحقه جفاءٌ من الكاتب البليغ عمرو بن مسعدة بعد أن أصبح وزيراً للمأمون، فقال أبو العتاهية معاتبًا له:
غَنِيتَ عن الودّ القديم غَنِيتَا  
وضيعّتْ ودّاً كان لي ونسِيتا  
وقد كنتَ في أيام ضعف من القوى  
أبرَّ وأوفى منك حين قوِيتا  
عهدتُك في غير الولاية حافظاً  
فأغلقتَ بابَ الودّ حين ولِيتا  
تجاهلتَ عما كنت تحسن وصفَه  
ومتَ عن الإحسان حين حيِيتا  
ومن عجبِ الأيام أن بادَ من يفي  
ومن كنتَ ترعاني له وبقِيتا 
تبادلوا بينكم كؤوسَ المعروف والإحسان، وأوثقوا علائقكم بصدق المحبة والألفة، وحافظوا عليها بتعاهدها، والوفاء بها، والثبات عليها، وشكرها، ورعاية أهلها، والحذر َكل الحذر من نسيان وداد الماضي، وجحود الفضل السابق، وكفران عشرة السنوات الخالية؛ فإن الكريم لا يخون عهده، ولا ينسى مودة من ودّه، ولا يكفر نعمة من أحسن إليه، ولا ينكر فضل من أفضل عليه؛ فإن حسن العهد من الإيمان.

اكتب تعليق

أحدث أقدم