رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الرحمة فى الزواج




بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
المجتمع أفرادٌ وأسرٌ وجماعات وقبائل، وبين هؤلاء جميعًا علاقات إنسانية مشتركة، بها المودة والتباغض، والتلاحم والتفرق، والتراحم والقسوة. وهي قيم تتوقف على الرابطة التي تجمع أفراد المجتمع، وعلى منبع القيم الذي تستقي منه الجماعة قيمها. فإذا كان المنبع طيبًا، كانت الرابطة نقية صالحة، كلما حدث فيها اعوجاج، انتبهوا لخطئهم فعادوا إلى نبعهم يستقون منه ما يصحح مسيرتهم. إن " الإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، فحيث يشيع الجهل والغش والجبن والبخل والجشع، لا يمكن أن يصح إخاء أو تترعرع محبة، ولولا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جبلوا على شمائل نقية، واجتمعوا على مبادئ رضية ما سجلت لهم الدنيا هذا التآخي الوثيق في ذات الله " [1]. وسنعرض - تفصيلاً قدر الإمكان - لأبرز جوانب الرعاية التي حض عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحفز أصحابه إليها، في النقاط الآتية:
• الرحمة بالوالدين:
فهما أول المستحقين للرحمة، لفضلهما على الفرد؛ فهما سبب وجوده في الحياة وقاما على رعايته وتنشئته.
عن أبي بكرة عن أبيه - رضي الله عنهما -: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: ثلاثًا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور. ألا وقول الزور، وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلتُ لا يسكت " [2].
فقد جعل عقوق الوالدين وهما من أقرب الناس للفرد الكبيرة الثانية بعد الإشراك بالله، وهذا يدل عظم الذنب، ففضل الوالدين على الإنسان لا يدانيه فضل.
• التراحم في الزواج والمصاهرة:
وهذا النقطة أساس للنقطة السابقة، فإن السعادة بين الزوجين - في نظر الإسلام - ليست سعادة مادية، تتحقق بالسكن والملبس والأثاث، بل تنبع من قلبيهما، قلبان يملؤهما المودة والرحمة، وصدق المولى تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21] [3].
وقد شدد الإسلام على أهمية اختيار الزوجة على أساس الدين، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك " [4]. ويقول صلى الله عليه وسلم: خير النساء من إذا نظرتَ إليها سرتك، وإذا أمرتك أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أبرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك " [5]. ومن المزايا التي ينبغي توافرها في المرأة المخطوبة أن تكون من بيئة كريمة، معروفة باعتدال المزاج، وهدوء الأعصاب، والبعد عن الانحرافات النفسية، فإنها أجدر أن تكون حانية على ولدها، راعية لحق زوجها [6].
إن اختيار الزوجة الصالحة الطيبة رحمة للزوج من شقاء الحياة وعنفوانها، فالزوجة الصالحة ستشمله برعايتها، وتحنو عليها. والمرأة الصالحة رحمة بأبنائها، في حملهم ورضاعتهم، وتربيتهم، وتدريسهم. إن المنظور الإسلامي للزواج ينطلق من الرحمة الشاملة؛ للزوج كي يعيش في بيت هانئ، دون تعقيدات أو مشكلات، وللمرأة التي تختار زوجها متدينًا صالحًا، فتطمئن إلى نفسها معه، فإن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها، وللولد حيث التربية السعيدة بين أبوين متحابين متراحمين.
كما أن رسول الله لم يقر ولي أمر الفتاة على تزويجها بمن لا ترغب فيه كرهًا عنها، وهذا يعطي المرأة المسلمة فرصة اختيار الزوج الصالح.
وقد شدد الرسول على اختيار الرجال لأخلاقهم وحسن عبادتهم، وليس على أموالهم. فقد عرضت امرأة نفسها عليه، ولكنه سكت، فالتمس رجل كان حاضرًا أن يتزوجها، فما زال به الرسول أن يمهرها، ولكن الرجل أخبره أنه لا يملك شيئًا ولا عند أهله شيء، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: " انظر ولو خاتمًا من حديد. فلم يجد الرجل وعرض إزاره، فقال رسول الله: ما تصنع بإزارك، إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء. ثم قال له الرسول: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا - عدّدها -، فقال: تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم. قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " [7]. وعن أنس، أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة على وزن نواة (أي من ذهب) فرأى النبي بشاشة العرس، فقال: إني تزوجت امرأة على وزن نواة " [8].
حرصَ النبي صلى الله عليه وسلم على إمهار المرأة تقديرًا لها، دون مغالاة في المهر، وقد ظل مع الرجل الفقير، حتى زوجه بما يحمل من قرآن، فحامل القرآن أمين على المرأة التي ينحكها. في القصة المتقدمة معان عديدة، أبرزها: الحث على النكاح الذي يقوم على الدين، والدين شامل لكل خير، وفيها تقدير واحترام للمرأة، وعدم امتهانها، رغم أنها عرضت نفسها على الرسول كي يتزوجها، وتقدير الرجل المؤمن وتزويجه رغم فقره.
وفي حديث عبد الرحمن بن عوف، فإنه تزوج على وزن نواة من ذهب، هذا هو مهر زوجته، بسيط، قليل، ولكن فيه تقدير لمكانة المرأة، وفي الحديث إرشاد إلى عدم المغالاة في المهور، فمن يمن المرأة يسر مهرها.
والنبي ساعٍ إلى تعميق الفهم بأن الرجال يُقوَّمون في النكاح وفي سائر شؤون الحياة بأخلاقهم، وليس بأشكالهم. فعن سهل قال: " مر رجل على رسول الله فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌ أن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يُشفَّع وإن قال أن يُستَمع. قال ثم سكت. فمر رجل من فقراء المسلمين؛ فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إن خطب ألاَّ ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال أن لا يستمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا " [9].
رسالة الحديث بسيطة واضحة: لا ننخدع بمظاهر الرجال، ولا بنسبهم، ولا بما يملكون، وإنما الحكم في الأمور كلها: التقوى ومرضاة الله. ولننظر إلى رأي سامعي الرسول فقد أجازوا للغني ذي النسب: أن يزوج، وأن يسمع، وأن يشفع. إنها مقاييس القبول الاجتماعي للرجل، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة أعاد نصاب الأمور إلى أصلها الإسلامي. ونخرج من الحديث بإعادة النظر في موازيننا مع الناس، فالصالح التقي: نزوجه، ونشفعه، ونسمع له، وفي كل هذه الأمور سيكون الصالح التقي أمينًا على من يتزوجها، وعادل في قوله وشفاعته.
كلمات المصطفى الرقيقة تعبر عن ظاهرة " التعاطف والتواد " وهي ظاهرة نفسية في الأساس، تهدف إلى تصحيح التفسيرات لدى الآخرين بهدوء، ومن خلال مشاعر واتصالات وانفعالات، وتعطي الإيحائية العاطفية وهي من أعلى مستويات السلوك البشري [10]، وقد مارسها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث من خلال الكلمات، والإيماءات، وضرب المثل العملي بالأشخاص والمواقف المستجدة.
و جاء النهي عن التصارع من أجل المرأة في الخطبة، فعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: نهى النبي (صلى الله عليه وسلم ) أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذنَ له " [11].
فالناس كما تتصارع على المادة، تتصارع على النساء، وكم من حالات تُخطَب فيها المرأة لرجل، ثم تُفسَخ خطبتها لتقدّم خطيب آخر لها أكثر مالاً أو جاهًا أو نسبًا. كأن المرأة سلعة لمن يدفع أكثر، وكأن الزواج ميدان صراع وليس ميدان حب ومودة ورحمة، فجاء النهي واضحًا صريحًا، فنفس الرجل الذي يجد أهل خطيبته يفضلون غيره عليه لسبب دنيوي، تصاب بالألم والحسرة ثم يكون التشاحن والبغضاء. هذا باب فتنة عظيمة، وليت الناس يعلمون آثاره المدمرة، على المرأة والرجال.
ولا يحل للرجل أن يضيق على زوجته من أجل أن يأخذ من صداقها أو ميراثها، أو أن يضربها، ولكن إذا أتت بفاحشة مبينة كان له أن يعضلها لتفتدي منه، ويجب على أهلها أن يعينونه فيكشفون الحق دون النظر لابنتهم[12]، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ [النساء: 19] [13]
وعن خنساء بنت خذام الأنصارية: أنا أباها زوّجها وهي ثيّب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها [14].
وهذا باب آخر يغلقه الرسول بتشريع واضح في شأن هذه المرأة المكرهة على الزواج من غير من ترغب، إن حياة المرأة تصبح جحيمًا حينما يتم امتهان آدميتها، وتجد أهلها يعاملونها مثل الجماد: تُزَّوج غصبًا، وتُطلَّقُ غصبًا، وتعيش غصبًا، فسنّ الرسول حقًا ثابتًا: لا نكاح دون موافقة المرأة الثيب.
________________________________________
[1] فقه السيرة، محمد الغزالي، مرجع سابق، ص181.
[2] صحيح البخاري، ج4، ص88.
[3] سورة الروم، الآية (21).
[4] صحيح البخاري، ج3، ص 360.
[5] رواه النسائي وغيره بسند صحيح، سنن النسائي، شرح الحافظ جلال الدين السيوطي، دار الكتاب العربي، بيروت، ج2، ص210.
[6] فقه السنة، ج2، ص15.
[7] صحيح البخاري، ج3، ص359، 360، من حديث سهل بن سعد.
[8] صحيح البخاري، ج3، ص375.
[9] صحيح البخاري، ج3، ص360.
[10] موسوعة علم النفس، مرجع سابق، مج3، ص1046.
[11] صحيح البخاري، ج3، ص373.
[12] انظر: فقه النساء في الزواج والعشرة والنشوز والطلاق، ابن تيمية، تحقيق: د. السيد الجميلي، دار الفكر العربي، بيروت، 1989م، ص213.
[13]سورة النساء، الآية (19)
[14] صحيح البخاري، ج3، ص372.

اكتب تعليق

أحدث أقدم