رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن النفخ عن الصور



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن النَّفخ في الصُّور من مسائل اليوم الآخِر التي يجِب اعتقادها والإيمان بها دون أدنى شكٍّ أو ريب، وقد ذَكَر الله جلَّ في علاه هذا النَّفخ في أكثر من مَوضع؛ في سورة الكهف والزمر والنمل وغيرها.
• قال الله تعالى: ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ﴾ [الكهف: 99].
• ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ [يس: 51].
• ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ [الزمر: 68].
• ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴾ [ق: 20].
والكلام في هذا الأمر الجلَل - أي النَّفخ في الصور - يتضمَّن عدَّةَ مسائل، منها:
1 - مَن النَّافخ في الصور؟
وَكَّل اللهُ تعالى للنَّفخ في الصور ملَكًا عظيمًا من حمَلَة العَرش، إسرافيل عليه السلام، وهو منذ أن وكَّلَه الله بذلك ملتقِمٌ الصُّور يَنتظر متى يُؤمر لينفخ فيه.
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((كيف أَنْعَم وقد التقَمَ صاحِبُ القرن القَرْنَ وحَنى جبهتَه وأصغى سمعَه؛ يَنتظِر أن يُؤمر أن يَنفخ، فيَنفخ))، قال المسلمون: فكيف نقول يا رسولَ الله؟ قال: ((قولوا: حَسبنا الله ونِعم الوكيل، توكَّلنا على الله ربِّنا))، وربَّما قال سفيان: ((على الله توكَّلنا))؛ [السلسلة الصحيحة، رقم: (1079)]، وقد روى هذا الحديثَ جمْعٌ من الصحابة الكرام عليهم أفضل الرضوان، منهم: أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وجابر بن عبدالله، والبراء بن عازب.
وفي لفظٍ آخر: ((كيف أنتم وصاحِب القرن قد التَقَم القَرْنَ وحنا الجبهةَ وأصغى السَّمعَ؛ يَنتظر متى يُؤمر بالنَّفخ فينفخ))، قالوا: كيف نَصنع؟ قال: ((قولوا: حَسبنا الله ونِعْم الوكيل، على الله توكَّلْنا))؛ أخرجه الإمام أحمد والترمذي والحاكم، وغيرهم، وصحَّحه العلَّامة الألباني في الصحيحة، رقم: (8721).
وفي حديثٍ آخَر: ((إنَّ طَرْف صاحب الصور منذ وكل به مستعدٌّ يَنظر نَحو العرش مَخافة أن يُؤمر قبل أن يرتدَّ إليه طَرْفُه؛ كأنَّ عينيه كوكبان درِّيَّان))؛ أخرجه الحاكم، وصحَّحه الألباني في الصحيحة، رقم: (1078).
ولهذا الحديث شاهِد من حديث أنَس مرفوعًا بلفظ: ((كيف أَنْعَم وصاحِب الصُّور قد التَقَم القَرْنَ وحنى ظهرَه، يَنظر تجاهَ العرش؛ كأنَّ عينيه كوكبان دريَّان، لم يَطرف قطُّ مخافةَ أن يُؤمر قبل ذلك))؛ أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة، وغيرُه.
ومن فوائد هذه الأحاديث:
• ثبوت النَّفخ في الصور.
• عظَمَة الملَك الموكَّل به؛ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في وَصْف عينيه: ((كأنَّ عينيه كوكبان درِّيَّان)).
يقول الإمام الفخر الرَّازي رحمه الله تعالى: "فصاحِب الصُّور يَبلغ في القوَّة إلى حيث إنَّه بنَفخَةٍ واحدة منه يَصعَق مَن في السموات والأرض، وبالنَّفخة الثانية منه يَعودون أحياء، فاعرِف منه عِظَمَ هذه القوَّة"؛ مفاتيح الغيب.
• خوف الملائكة الشديد من الله تعالى؛ فإسرافيل عليه السلام على عظَمَته لم يَطرف قطُّ خشية أن يُؤمر بالنَّفخ؛ بل عيناه شاخِصتان تجاه العرش، يَنتظر الأمرَ الربَّاني ليَأتمر به.
وقد أثبَت الله خوفَ الملائكة منه سبحانه والمسارعة في طاعته في عدَّة آيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [النحل: 49، 50].
وقال تعالى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: 26 - 28].
• إشفاق الصَّحابة الكِرام من النَّفخ؛ حيث بادَروا بسؤال النبيِّ صلى الله عليه وسلم عمَّا يقولونه أو يَفعلونه، فأرشَدَهم إلى ما يثبِت توكُّلَهم على مَن بيده الأمر كله وإليه يُرجَع الأمر كلُّه جلَّ جلاله.
وفي بعض ألفاظ أحاديث الصُّور: "... فكأنَّ ذلك ثقل على أصحابه فقالوا: فكيف نَفعل يا رسولَ الله أو نقول؟ قال: ((قولوا: حَسبنا الله ونِعْم الوكيل، على الله توكَّلنا))، وربَّما قال: ((توكَّلنا على الله))"؛ رواه الترمذي وغيره، وصحَّحه الألباني.
• عظم شَأن التوكُّل؛ حيث إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أرشد الصَّحابةَ رضي الله عنهم للتلفُّظ بذلك الكَلِم المبارَك: ((حَسْبُنا الله ونِعْم الوكيل)) عند سماعِهم لهذا الخبر الجَلَل.
وهو نفس ما قاله إبراهيمُ عليه السلام لمَّا أُلقي في النَّار؛ فقد روى الإمامُ البخاري رحمه الله تعالى: "كان آخِر قول إبراهيم حين أُلقِي في النَّار: حَسبي الله ونِعْم الوكيل"، وقاله النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمَّا خوَّفوه بالمشركين، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173].
• أنَّ الملائكة أجسامٌ لا أرواح؛ خلافًا لِما يَزعمه العقلانيُّون والفلاسفة.
2 - صفة الصور:
يقول العلَّامة السعدي رحمه الله تعالى: "وهو قَرْنٌ عَظيم، لا يَعلم عظمَتَه إلَّا خالقه، ومَن أطلَعَه اللهُ على عِلمه من خلقه، فيَنفخ فيه إسرافيلُ عليه السلام، أحَد الملائكة المقرَّبين، وأحَدُ حمَلَة عرش الرحمن"؛ تيسير الكريم الرحمن.
وقد ورد حديثٌ طويل يسمَّى بحديث الصُّور، ذُكرَت فيه أوصاف كثيرة للصُّور، أخرجه الإمام الطَّبري والحافظ ابن كثير والثعلبي؛ لكنْ في سنَده ضَعف؛ فقد حكَمَ عليه الحافظُ ابن كثير رحمه الله تعالى بالضعف، وبيَّن أنَّ بعض ألفاظه فيها نَكارة، كما ضعَّفه العلَّامةُ الألباني رحِمه الله تعالى وغيرُه.
3 - عدد النفخات في الصور:
اختلف العلماءُ رحمهم الله في عدَد النَّفخات في الصُّور؛ فمنهم من قال: إنَّ النَّفخ يكون ثلاث مرَّاتٍ، ومنهم مَن قال: إنَّه ليس ثمَّة إلَّا نفختان: نفخة الصَّعق ونفخة البَعث.
والثلاث عند مَن أثبتها؛ كالحافظ ابن كثير وغيرِه هي: نفخة الفزَع، ونفخة الصَّعق، ونفخة البعث.
والصَّحيح - والله أعلم - أنَّ عدد النَّفخات اثنتان؛ لظاهر القرآن الكريم والسنَّة المطهَّرة.
أ - الدليل من الكتاب الحكيم:
قال الله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ [الزمر: 68].
فذَكَر الله تعالى نفختَين:
• نفخة الصَّعق، وهو الموت؛ حيث يصعق ويموت كلُّ مَن في السَّموات والأرض إلَّا مَن شاء سبحانه.
• نفخة البعث: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾.
ب - الدليل من السنَّة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ما بين النَّفختين أربعون))؛ متفق عليه، فلم يُثبِت النبيُّ الكريم عليه من ربِّه أفضل الصلاة والتسليم إلَّا نفختين.
وأمَّا الفَزَع الذي ثبَت في سورة النمل[1] فيَقَع مع الصَّعق أو قبيله؛ كما قال الإمامُ القرطبي رحمه الله تعالى: "والصَّحيح أنَّهما نفختان فقط؛ لثبوت الاستِثناء بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ في كلٍّ من الآيتين، ولا يلزم من مُغايرة الصَّعق للفزع ألّا يَحصلا معًا من النَّفخة الأولى".
فعند النَّفخة الأولى تَفزَع الخلائق ويَبلغ الخوفُ منها كلَّ مَبلغ؛ لهول الأمر وشدَّتِه، ثمَّ يصعق الكلُّ إلَّا مَن استثنى اللهُ تعالى، فإذا نُفِخ ثانية قاموا من الأجداث والقبورِ ليَقفوا للحِساب بين يدَي العزيز الغفور.
4 - المدة بين النفختين:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ما بين النَّفختين أربعون))، قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يومًا؟ قال: أبَيْتُ، قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبَيْتُ، قالوا: أربعون سنةً؟ قال: أبَيْتُ، ((ثمَّ يُنزِل الله من السَّماء ماءً فيَنبتون كما يَنبت البقلُ))، قال: ((وليس من الإنسان شيءٌ لا يَبلى إلَّا عظمًا واحدًا؛ وهو عَجْبُ الذَّنَب، ومنه يُركَّب الخَلْق يوم القيامة))؛ متفق عليه.
وفي روايةٍ لمسلم قال: ((كلُّ ابنِ آدم يَأكله الترابُ إلَّا عَجْب الذَّنَب؛ منه خُلِق وفيه يُركَّب)).
وقول أبي هريرة رضي الله عنه: "أبَيْتُ"؛ أي: أبيْتُ أن أستفسِرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الأربعين، وهناك أقوال أُخر؛ منها ما ذَكَره الحافِظُ ابنُ حجَر رحمه الله تعالى: "امتنَعْتُ من تبيينه؛ لأنِّي لا أَعلمه، فلا أخوض فيه بالرَّأي، وقال القرطبيُّ في التذكرة: يحتمل قوله: امتنعتُ أن يكون عنده علمٌ منه، ولكنَّه لم يفسِّره لأنَّه لم تَدْعُ الحاجة إلى بيانه، ويحتمل أن يريد امتنعتُ أن أسأل عن تفسيره"؛ [فتح الباري: (11 / 370)].
5 - المستثنى من الصَّعق:
• قيل: هم الشُّهداء، وفيه حديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((سألتُ جبريل، عليه السلام، عن هذه الآية: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ [الزمر: 68]؛ مَن الذين لم يشَأ اللهُ أن يَصعقهم؟ قال: هم الشُّهداء، مقلِّدون أسيافَهم حول عرشه، تتلقَّاهم ملائكة يوم القيامة إلى المَحشر بنجائب من ياقوتٍ، نمارها ألْيَن من الحَرير، مَدُّ خُطاها مد أبصار الرِّجال، يَسيرون في الجنَّة يقولون عند طول النُّزهة: انطلِقوا بنا إلى ربِّنا عزَّ وجلَّ، لننظر كيف يَقضي بين خلقه، يَضحك الله إليهم، وإذا ضحِك إلى عبدٍ في مَوطن فلا حِساب عليه))؛ رواه الحاكم وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذَّهبي، وذكره الحافظُ ابن كثير في تفسيره، لكن حَكَم عليه العلَّامة الألباني رحمه الله تعالى بالضَّعف الشديد؛ لأنَّ في سنده عمر بن محمد؛ وهو ابن صهبان الأسلمي أبو جعفر المدني: مَتروك.
وعن سعيد بن جُبَير، في قوله: ﴿ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾، قال: "الشُّهداء ثَنيَّةُ الله حولَ العَرش، متقلِّدين السيوف"؛ ذكره الإمام الطَّبري في تفسيره.
• وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملَك الموت.
• وقيل: حمَلَة العَرش.
• وقيل: الحور العين وخَزَنة النَّار.
• ومِن أهل العلم مَن توقَّف؛ كالإمام قتادة، قال: قد استثنى الله، والله أعلمُ إلى ما صارت ثنيته؛ ذكره الإمام الطَّبري في تفسيره.
________________________________________
[1] ﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴾ [النمل: 87].

اكتب تعليق

أحدث أقدم