رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السياسة المالية للفاروق عمر بن الخطاب

بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف 
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لاشك فيه أن سيدنا عمربن الخطاب  - رضي الله عنه - من أفذاذ الرجال لم تر الدنيا أفضل منه حاشا الأنبياء عليهم السلام وأبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ومن وقف على سياسة عمر - رضي الله عنه - أنبهر بها فسيرة عمر - رضي الله عنه - تبهر سواء سياسته في خاصة نفسه وأهله أو في نوابه أو في رعيته.
وفي هذه الخطبة أقف عند أهم ملامح سياسة عمر - رضي الله عنه - في توزيع الثروة فأقول مستعينا بالله:
عمر - رضي الله عنه - يرى أنه أجير تفرغ للمسلمين وانقطع عن التكسب فله في بيت مال المسلمين ما يكفيه وأهله فعن الأحنف قال: "كنا جلوسا بباب عمر - رضي الله عنه - فمرت جارية، فقالوا: سُرَّية أمير المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسُرَّية وما تحل له، إنها من مال الله، فقلنا: فماذا يحل له من مال الله؟ فما هو إلا قدر أن بلغت وجاء الرسول فدعانا، فأتيناه، فقال: ماذا قلتم؟ قلنا: لم نقل بأسا، مرت جارية فقلنا: هذه سرية أمير المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرية، وما تحل له، إنها من مال الله، فقلنا: فماذا يحل له من مال الله؟ فقال: أنا أخبركم بما أستحل منه، يحل لي حلتان، حلة في الشتاء، وحلة في القيظ، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين، يصيبني ما أصابهم" رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/275) وابن شبة في تاريخ المدينة (2/ 698) بإسناد صحيح.
إخوتي: 
أخذ عمر - رضي الله عنه - من بيت مال المسلمين ليس دائما إنما كان يأخذ وقت الحاجة فإذا كان عنده مال من غنيمة أو غيرها أنفق منه وأمسك عن الأخذ من بيت مال المسلمين وإذا نفذ ما عنده أخذ من بيت مال المسلمين فقد قال - رضي الله عنه - "إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ اللَّهِ مَنْزِلَةَ مَالِ الْيَتِيمِ، إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وَإِنِ افْتَقَرْتُ أَكَلْتُ بِالْمَعْرُوفِ" رواه ابن شبة في تاريخ المدينة (2/694) وابن سعد في الطبقات (3/276) وإسناده صحيح وولي اليتيم يأخذ عند فقره قدر حاجته - على الصحيح - كما أخبرنا ربنا تبارك وتعالى بقوله ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 6] وفعل عمر - رضي الله عنه - هذا من باب الورع وإلا له أن يأخذ مرتبا شهريا لتفرغه لإدارة الدولة المسلمة حتى مع غناه.
فإذا لم يكن للفاروق امتيازات مالية فمن باب أولى أن لا يكون لأولاده وأسرته وأقاربه وأحبابه امتيازات مالية فهم كسائر موطني الدولة في حقوقهم المالية فكان عمر - رضي الله عنه - يوزع ما زاد من مال على المسلمين ففرض للمهاجرين والأنصار ممن شهد بدرا خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض لمن كان له الإسلام كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدرا أربعة آلاف أربعة آلاف... وفرض لأسامة بن زيد - رضي الله عنه - أربعة آلاف، وفرض لعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - ثلاثة آلاف، فقال: يا أبت، لم زدته علي ألفا؟ ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي، وما كان له لم يكن لي، فقال: إن أبا أسامة - رضي الله عنهما - كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبيك، وكان أسامة - رضي الله عنه - أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك" رواه ابن أبي شيبة (12/ 303) وأبو يوسف في الخراج ص:53 والبزار (286) والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/304) والبيهقي (6/305) وهو ثابت بمجموعه.
فلم يكن يحابي أولاده وينفلهم على غيرهم، بل حينما يحابى أولاده بسببه لا يرضى بذلك فقد خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في جيش إلى العراق فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى هاهنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر - رضي الله عنه - قال: "أكل الجيش أسلفه، مثل ما أسلفكما؟" قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما، أديا المال وربحه"، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه؟ فقال عمر - رضي الله عنه -: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر - رضي الله عنه -: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا؟ فقال عمر - رضي الله عنه -: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر - رضي الله عنه - رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال" رواه الإمام مالك (2/687) بإسناد صحيح فأبو موسى الأشعري عنده مال يريد إيصاله لبيت مال المسلمين في المدينة وأبناء الخليفة عبدالله وعبيدالله جنديان من جنود الإسلام يجاهدان في سبيل الله مع المجاهدين في العراق فحب أبو موسى نفعهما بأن يعطيهما مالا للمسلمين يشتريان به بضاعة فإذا وصلا المدينة باعا البضاعة ودفعا أصل المال لعمر - رضي الله عنه - وإن كان من ربح فهو لهما والخسارة عليهما وحينما علم عمر - رضي الله عنه - أصر على أن يكون المال مع ربحه لبيت مال المسلمين لأن أبا موسى خصهما دون بقية المجاهدين لقربهما منه حتى شفع بعض أصحاب عمر - رضي الله عنه - واقترحا أن يكون المال مضاربة لهما نصف الربح والنصف الآخر مع رأس المال لبيت مال المسلمين.
كان عمر - رضي الله عنه - يخشى من أن يستغل أولاده وأقاربه منصب عمر - رضي الله عنه - فتقع منهم مخالفات مالية أو غيرها عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ عمر - رضي الله عنه - إِذَا نَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ دَخَلَ إِلَى أَهْلِهِ - أَوْ قَالَ: جَمَعَ - فَقَالَ: "إِنِّي نَهَيْتُ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَالنَّاسُ إِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ إِلَى اللَّحْمِ، فَإِنْ وَقَعْتُمْ وَقَعُوا، وَإِنْ هِبْتُمْ هَابُوا، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ مِنْكُمْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِمَّا نَهَيْتُ عَنْهُ النَّاسَ، إِلَّا أَضْعَفْتُ لَهُ الْعُقُوبَةَ لِمَكَانِهِ مِنِّي، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَقَدَّمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَأَخَّرْ" رواه معمر بن راشد في جامعه (20713) بإسناد صحيح.
من ليس لهم دخل ولا عائل لهم نصيب من سياسة عمر - رضي الله عنه - المالية فقد هم أن يجعل للأرامل دخلا ثابتا يستغنن به عن ما في أيدي الناس لكنه استشهد قبل التنفيذ فعَنْ عمرو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عمر بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ بِالْمَدِينَةِ، َقَالَ: لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ، لَأَدَعَنَّ أَرَامِلَ أَهْلِ العِرَاقِ لاَ يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا، قَالَ: فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا رَابِعَةٌ حَتَّى أُصِيبَ..." رواه البخاري (3700).
ولم يغفل عمر - رضي الله عنه - الحوائج الطارئة من طعام ونحوه للمحتاجين من الفقراء وغيرهم قال ابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الملوك (4/226) وفيها [السنة السابعة عشرة] اتخذ عمر - رضي الله عنه - دار الدقيق، فجعل فيها الدقيق والسويق والتمر والزيت، وما يحتاج إليه المنقطع والضعيف الذين ينزلون بعمر - رضي الله عنه -، ووضع عمر - رضي الله عنه - في طريق السبيل ما بين مكة والمدينة ما يصلح لمن ينقطع به ويحمل من ماء إلى ماء.
ومن سياسة عمر - رضي الله عنه - المالية أنه كان يعطي المتضررين من بيت مال المسلمين ولو كان حصل لهم الضرر من غير قصد فلو أخطأ أحد موظفي الدولة المسلمة الحاكم فما دونه على أحد المواطنين وحصل له ضرر بذلك عوض عن الضرر الذي حصل له من بيت مال المسلمين ولو كان الضرر يسيرا فبينما سعيد بن الْهَيْلَم يأخذ من شاربه ففزعه عمر - رضي الله عنه - فأحدث فقال له عمر - رضي الله عنه -: أخفناك، وسنعقله لك، فأمر له بأربعين درهما" وفي رواية فتنحنح عمر - رضي الله عنه - وكان مهيبا، فأحدث الحجام، فأعطاه أربعين درهما" رواه ابن شبة في تاريخ المدينة (2/683) وابن سعد في الطبقات الكبرى (3/ 287) وهو حسن بمجموعه.
أما ما يتعلق بالسكن؛ فكان عمر - رضي الله عنه - يخطط المدن ويوزعها على المسلمين فخطط البصرة والكوفة في العراق والفسطاط في مصر ثم وزعت الأراضي السكنية على المسلمين في هذه المدن الجديدة.
سياسة عمر - رضي الله عنه - في مال المسلمين نابعة من معرفته بأن الإساءة في تصريف مال المسلمين كبيرة من كبائر الذنوب تستوجب دخول النار فعَنْ خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" رواه البخاري (3118) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/219) يتصرفون في مال المسلمين بالباطل وهو أعم من أن يكون بالقسمة وبغيرها وفيه ردع الولاة أن يأخذوا من المال شيئا بغير حقه أو يمنعوه من أهله. 
فمن بيده مال للمسلمين فلا يتصرف فيه إلا وفق مصلحة المسلمين ويحرم عليه أن يستأثر بشيء منه دونهم وهذا الحكم عام لكل المسلمين من الحاكم حتى السائق فمثلاً مدير الدائرة يحرم عليه أن يستخدم سيارات الدائرة أو معداتها أوموظفيها أو عمالها في أعماله الخاصة. والسائق يحرم أن يستخدم السيارة في تنقلاته الخاصة. وإذا وجد نظام خاص لمصلحة فالأمر يختلف.
هذا نموذج عملي في التوزيع العادل للثروة بين موطني الدولة المسلمة وهو تصرف بسبب الخوف من الله وليس من المخلوق فلا خيانة وجدت الرقابة أو لم توجد بخلاف من يؤدي الأمانة خوفا من المحاسبة وفي كلا الفعلين خير والأول أفضل.
هؤلاء الحكام سلف الأمة وقدوة من أتى بعدهم فلنعتز بما في شريعتنا من أحكام وتطبيقات عملية كفيلة بمنع الاستئثار بالمال العام والتوزيع العادل للثروة بين موطني الدولة الإسلامية ولنعلم أن الخلل هو في التطبيق فلا بد من رقابة وجدان ورقابة مستقلة تحاسب فالإسلام دين العدل والمحاسبة وتولية القوي الأمين والممارسات الخاطئة هي أمور عارضة ما تلبث أن تزول وتنسب إلى المخطئين لا إلى شرع الله.

اكتب تعليق

أحدث أقدم