رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الرؤية الأدبية عند الفاروق عمر رضي الله عنه

بقلم \  المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي  عبد اللطيف 
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لاشك فيه أن عمر بن الخَطَّاب - رَضيَ الله عنه أبدى  اهتمامًا واضحًا بالشِّعر، وأُثرَتْ عنه أقوال كثيرة، ومواقف متعدِّدة تَتَّصل بهذه الفن الأدبي العريق، ونحسبه من أكثر خلفاء المسلمين وولاة أمورهم نقدًا له وآراءً فيه، وقد بَدَت أقوال هذا الخليفة العظيم ومواقفه النَّقديَّة التَّطبيق العَمَلي لما أرسَته أحاديث رسول الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - من أسس وقواعد للكَلمَة وفن الشِّعر.
وعلى اشتغاله بأعباء السِّياسة والنُّهوض بأمر الدَّولة، لم يهمل رعاية الجانب الأدبي الفكري؛ بل كان دور الشِّعر ولا سيَّما في حياة العَرَب حاضرًا في ذهنه حضورًا متَميِّزًا، وكان واجب تسديده وتصويب مساره في ضَوء الموقف الإسلامي أشد حضورًا.
إنَّ نقد عُمَر للشعر نَقْدٌ رؤيوي، يمَثِّل التَّصَوُّر الإسلامي للأدب، ويعكس النَّظرة العقديَّة السَّليمة إليه، يحتكم إلى معايير الدِّين والخلق الإسلامي في الاستحسان والاستقباح، وفي التَّنظير والتَّقعيد. وكان لآرائه الكثيرة السَّديدة دَورٌ بارزٌ متميِّز في رعاية النَّظرة الإسلاميَّة إلى الأدب، وترسيخها، وتعميق دورها في جانبين اثنين هما:
- المبادئ النَّظَريَّة في الشِّعر، وبيان المقبول والمرفوض، ومعايير ذلك، ويمثل هذا الوَجه الجانب التَّنظيري التَّشريعي.
- الجانب العَمَلي للمَبَادئ السَّابقة في الحياة الأدبيَّة، وأخذ الشُّعراء، وأصحاب القول بها، ويمَثِّل هذا الجانب التَّطبيقي التَّنفيذي.
شَخصيَّة عمَر الثقافيَّة:
لم يكن عمر بن الخطاب شَخصية عادية، كان متميزًا في كل شيء، وكانت عبقريَّته متعدِّدة الجوانب والمناحي. كان دقيق الحكم في كل ما يخوض فيه، حَصيف الرَّأي، وَقَّاد البَصيرة، ذا ملكة نَفَّاذَة في استنباط الأحكام السَّديدة، وحسبه شهادة رسول الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - أنَّ الحق ينطق على لسانه؛ بل حسبه أن يقولَ أحيانًا، فينزل القرآن الكريم نفسه على نحو مما قال.
وفي مجال الشِّعر تشهد الحال بعلوِّ كعب أبي حفص في المعرفة به، والبَصَر بشأنه والعناية بروايته، إنه يحتل حَيِّزًا ذا بال في تفكيره واهتمامه، فهو حفَظة له، واسع الرِّواية لعيونه وشَوَارده، وهو يحرص على الاستشهاد به وتوظيفه في كثيرٍ مِمَّا يعرض له مِنْ شؤون الحياة.
قال الأصمَعي: "وما أبرم عمَر أمرًا إلاَّ تَمَثَّل ببَيتِ شِعر"، وقال ابن الجعدية: "ما أبرم عمر بن الخطاب أمرًا قط إلاَّ تَمَثَّل فيه ببيت"، وقال ابن عباس:" ما رَأَيت أروَى من عمر"، وكانت فيه مَلَكَة الشعر، وقد جاشت نفسه به أحيانًا، قال الشعبي: "كان عمر شاعرًا".
ومن شعره، وقد دَخَلَ عليه كعب الأحبار، وقال له: اعهد يا أمير المؤمنين، فإنَّكَ ميت بعد ثلاثة، قوله:
تَوَعَّدَنِي    كَعْبٌ     ثَلاثًا     يَعُدُّهَا        وَلاَ شَكَّ أَنَّ القَولَ مَا قَالَ لِي كَعْبُ
وَمَا بِيَ خَوْفُ  المَوْتِ،  إِنِّي  لَمَيِّتٌ        وَلَكِنَّ خَوفَ  الذَّنْبِ  يَتْبَعُهُ  الذَّنْبُ
وإذا كان عمَر يمارس الشِّعر إبداعًا، ثم يرويه بعد، ويحفظه، وَيَتَمَثَّل به في مواطن شَتَّى، فلا عجب أن يكونَ نقادة له، مميزًا حسنه عن رَديئه، قادرًا على استنباط أحكامٍ تَتَعَلَّق به؛ تعليلاً وتذوقًا وتحليلاً. قال عنه ابن رشيق: "كان عمر بن الخطاب من أنقد أهل زمانه للشعر، وأنفذهم فيه بصيرة".
من آرائه النَّقديَّة:
أدرك عمر - رضي الله عنه - تأثير الشِّعر ودوره النَّفسي، وهو تأثير عميق قد يحمل على الفعل، فيجوز شأوه حينئذٍ هز النفس وتحريك سواكنها، ليدفعها إلى اتخاذ المَوَاقف، أو تغييرها، أو الانتقال إلى نقيض لها. يقول عمر: "الشعر جزل من كلام العرب، يسكن به الغَيظ، وتطفأ به الثائرة، ويتبلغ به القوم في ناديهم، ويعطى به السائل".
وبسبب هذا التَّأثير النفسي للشعر، يؤدي وظيفة خُلقيَّة كبرى في التَّوجيه والتَّربية، والحثِّ على مكارم الأخلاق، ومحمود الصفات؛ ولذلك نجد عمر يكتب إلى أبي موسى الأشعري - عامله - قائلاً له: "مُر مَن قِبَلَك بتَعَلُّم الشعر؛ فإنَّه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرَّأي، ومعرفة الأنساب"، وقال كذلك في بيان تأثير هذا الفَن، والدور الخلقي الإيماني الذي يمكن أن يلعبه إذا استثمرتْ طاقاته: "ارْووا منَ الشِّعر أعفَّه، ومن الأحاديث أحسنَها، ومن النَّسب ما تواصلون عليه، وتعرفون به، فرُبَّ رحِم مَجهولة قد عُرِفَتْ فوُصِلَت، ومحاسن الشعر تدل على مكارم الأخلاق، وتنهى عن مساوئها".
فمنَ الوَاضح من هذه الأقوال وغيرها، أنَّ الشِّعر نشاطٌ هادف مسؤول، إنَّه ليس فنًّا بلا هدف، أو نظمًا مُمتعًا لذيذًا بلا غاية، ولكنه - في المنظور الإسلامي - فعل جاد يلعب دور التَّربية، وغَرس القيَم الفاضلة، إنَّه يبني الأخلاق، ويدل على الخير، يزين الحق ويجمله فيحمل عليه، ويقبح الباطل ويهجنه فيحذر منه.
وكانت لعمر معايير واضحة في استحسان الشِّعر أو استقباحه، وهي معايير الإسلام وقيمه الفاضلة الخَيِّرة، وعلى هذه المعايير كان يضرب القول فيعجب به، ويستنشده، ويحث على تعلمه، أو يرفضه، ويستهجنه، وقد يحاسب - من موقعه وليًّا مسؤولاً من أمور المسلمين كافة - عليه، ويجرم قائله.
كان يستحسن مثل قول الشاعر:
خَلِيلَيَّ لَيْسَ الرَّأْيُ فِي صَدْرِ وَاحِدٍ        أَشِيرَا   عَلَيَّ   اليَوْمَ    مَا    تَرَيَانِ
أَأَرْكَبُ  صَعْبَ  الأَمْرِ  إِنَّ   ذَلُولَهُ        بِنَجْرَانَ،  لاَ  يُقْضَى  بِحِينِ   أَوَانِ
ويكتب به مُتَمَثِّلاً إلى أمرائه وقضاته، وكان يَتَمَثَّل بقول الأَعْوَر الشَّنِّيّ:
هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّ  الأُمُورَ        بِكَفِّ   الإِلَهِ   مَقَادِيرُهَا
فَلَيْسَ    بِآتِيكَ    مَنْهِيُّهَا        وَلا قَاصِر عَنْكَ مَأْمُورُهَا
وكان يعجب بقول عبدة بن الطبيب:
وَالعَيْشُ شُحٌّ وَإِشْفَاقٌ وَتَأْمِيلُ
ويقول: "عَلَى هذا بُنِيَتِ الدنيا".
ولكن عمر في مقابل ذلك نَقَدَ كثيرًا منَ الأقوال، وعَنَّف قائليها، بسبب اختلال الرؤية الإسلامية فيها، لقد حبس الحُطيئة لهجائه الزّبرقان بن بدر وقوله له:
دَعِ  المَكَارِمَ   لا   تَرْحَلْ   لِبُغْيَتِهَا        وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي
وكان قدِ استشار حسان بن ثابت فَتَأَكَّد إليه أنَّ هذا هو هجاء مرّ، لما فيه من سخرية واحتقار، وقيل إنَّه ألقاه في بئر، ولم يطلق سراحه إلاَّ بعد أن اشترى منه أعراض المسلمين، وعاهده الخطيئة ألاَّ يهجوَ أحدًا، وكان عمر بذلك أوَّل مَن حد على الهجاء، إذ هو ضرب من القذف والسب.
كما نَهَى عمر عن التَّشبيب بالنساء الأجنبيَّات، والنَّسيب بهنَّ على الطريقة الجاهلية؛ حيث يكون ذلك بمثابة هَتْك للأعراض، وفَضْح للحَرَائر، وقد قال للحطيئة عندما أطلق سراحه من السَّجن: "شبِّبْ بأهلك، وهدده إن شبَّب بنساء غيره قائلاً لمن حوله: "أشيروا عليَّ في الشاعر، فإنه يقول الهُجْر، وينسب بالحرم، ما أراني إلا قاطعًا لسانه"، وحَذَّرَ الشُّعراء من ذلك، وَتَقَدَّمَ إليهم بالوعيد ألا يشبب أحد بامرأة إلاَّ جلده.
وأثرت عن عمر - رضي الله عنه - آراء نقديَّة متميزة في عدد من الشعراء، وإن من أبرزها رأيه المشهور في زهير بن أبي سلمى، روي أنه قال يومًا لابن عباس: أنشدني لأشعر شعرائكم، أو لشاعر الشعراء، قال: مَن يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير، قال: لِمَ كان كذلك؟ فقال عمر: كان لا يُعاظل بين الكلام، ولا يَتَتبع حوشيه، ولا يمدح الرَّجل إلاَّ بما فيه.
هذا نَص في منتهى التَّألُّق والنُّضج، وهو نقد معَلل، أفصح فيه عمر عن سبب إعجابه بزهير، وتسميته شاعر الشُّعراء، وفيه ملمح هام من ملامح النقد الأدبي الإسلامي ذلك أنَّ عمر الناقد يشيد ها هنا بركني الأَدَب اللذين لا يقوم إلا بهما: وهما اللَّفظ والمعنى، أو الشَّكل والمَضمون. لقد أثنى عمر على زهير بإجادته في هَذين العنصرين معًا، فهو ليس شاعر لفظ فحسب، يهتم بجرس الألفاظ، وجمال العبارات، ورشاقة الأسلوب؛ ولكنه يعبر بهذا الأسلوب المتميز عن معنى تافه، أو عن معنى غير نبيل، أو عن معنى يقدم رؤية فكرية غير سليمة. لا، إن زهيرًا يعبر بأسلوب جمالي فني عن مضمون جيد، وأفكار خيّرة.
قال عنه عمر: إنَّه ذو أسلوب سهل، وعبارة طيِّعة متدفقة، لا تعقيد في ألفاظه، ولا تعثُّر في تراكيبه، ينطلق كلامه بسلاسة وبَسَاطة، وبُعد عن التَّكلُّف آخذًا بعضه برقاب بعض. وأما على مستوى الفكر - أي المضمون - فهو يؤثر الصِّدق، ويأخذ بالحق، فلا يقول إلا ما يعرف، غير مفرط ولا مُغالٍ.
لقد أخذ عمر - في حكمه على زهير - بالمعيارين: الدِّيني والفني، الخلقي والجمالي في حكمه على الشاعر. وهو ما يمثل التَّصور الإسلامي أدقَّ تمثيل.
ومثلما وضحت معايير عمر الدِّينية في استحسان القَول؛ وضحت كذلك في استهجانه ورفضه، سمع مرة قول طرفة:
فَلَوْلا ثَلاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ  الفَتَى        وَحَقِّكَ لَمْ أَحفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي
وثلاث طرفة التي فصلها بعد ذلك في شعره هي: الخمر، وإجابة المذعور المتلهِّف، والتَّمَتُّع بامرأة جميلة، ولولاها لَما بالى الموت، ويستَهْجِن عمر هذه الثلاث، ويستبدل بها ما هو خير، يقول: "لولا أن أسير في سبيل الله، وأضع جبهتي لله، وأجالس أقوامًا ينتقون أطايب الحديث كما ينتقون أطايب الثمر، لم أُبالِ أن أكون قدْ متُّ".
إنَّ ثلاث عمر هي: الجهاد في سبيل الله، والعبادة، ومجالسة الأخيار على صالح الحديث وَشَتَّان عندئذٍ بين الرؤية الجاهلية بِمطامحها الرخيصة الرعناء، كما مثلها قول طرفة، وبين الرؤية الإسلامية الرَّحبة وهمتها الشماء؛ كما تمثلت في كلام سيدنا عمر - رضي الله عنه.

اكتب تعليق

أحدث أقدم