رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن الرشوة من أشد الأمراض فتكا بالأمم

  
بقلم \  المفكر العربى الدكتورخالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لا شك فيه أن من أشدّ الأمراض الاجتماعية فتكًا بالأمم مرض الرشوة الخطير، فهو يفتك بالمجتمع فتكًا ذريعاً، ويهدر أخلاق الأمة وكيانها، ويعود عليها بالوبال والدمار في الأسر والمجتمعات والأفراد، والمال والعيال والحال والمآل، في الدنيا ويوم العرض على الكبير المتعال.
فإذا فشت الرشوة في أمة من الأمم، واستمرأ الناس تعاطيها، فاعلم أن الضمائر قد ماتت، وأن نظام الأمة قد قوِّض، ومن أجل هذا فقد قص الله علينا في كتابه الكريم من أخبار اليهود أنهم سمّاعون للكذب، أكّالون للسحت، فقال - تعالى -: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) [المائدة:42]، أي: يسمعون الباطل ويأكلون الرشوة، فالكذب: هو الباطل في كل صوره وأشكاله وأنواعه وألوانه وطرقه الملتوية، والسحت: هو الرشوة كما فسر الآية عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وغير واحد من السلف، فهي فساد في الضمير وضرر في التعامل.
والرشوة  - هي بذل المال للتَّوصّل به إلى باطل، إما بإعطاء الباذل ما ليس من حقّه، أو إعفائه مما هو حق عليه.
والرشوة حرام بكلّ أشكالها وصورها وطرقها وأساليبها، سواء كانت على صورة هدية، أو مأدبة طعام للمرتشي، أو كانت نقداً صريحاً، وكل ذلك في مقابل الانحراف بالحقّ إلى الباطل، كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ((من يشفع شفاعة ليردّ بها حقًّا أو يدفع بها، ظلمًا فأهدي إليه فقبِل؛ فهو سحت)).
وتكون الطامة الكبرى إذا بلغ الأمر بالمرتشي ليساوم الراشي في مقدار الرشوة مجاهرًا بذلك، دون حياء أو خجل أو خوف من الله - جل وعلا -، مما يؤدّي إلى أن تصير الرشوة تجارةً رابحة في نظر مروّجيها الفاسدين، فيومئذ تضيع الكرامة، وتهدر لحقوق، ويموت النبوغ، ويتلاشى الجدّ في العمل، والحرص على أداء الواجب، ويضيع الحقّ، وتهدر الكرامات، وتموت الضمائر.
ومن أقبح وأخسّ الأساليب الملتوية للحصول على الرشوة: تعطيل معاملات الناس والتسويف في إنجازها، إلى أن يتمّ أخذ الرشوة وحصول خيانة الأمانة، التي يقول الله - تعالى - فيها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [الأنفال: 27 - 28].
وهكذا تضيع الأمانات بسبب الرشوة، وتؤكل بسببها أموال الناس بالباطل، وتتحول الأعمال الشريفة إلى أعمال لصوصيّة، كرشوة المسؤولين في مشاريع الدولة العمرانية، من قبل أصحاب الأعمال، وكرشوة المشرفين على الأعمال من أجل التقصير بالعمَل، وعدم تنفيذ الشروط المبرمة بالعقود، وعدم الوفاء بما عليها من التزامات.
! فإياكم والوقوع في حبائل الرشوة المحرمة، فإنها خيانة عظمى، ودناءة نفس وضيعة، فكفى بها من دناءة وخسة وهوان، وسقوط مروءة وخيانة عهد وإخلافَ مواعيد، فلا يقبلها إلا لئيم الطبع، وسيّئ الخلق، ودنيء النفس، ومجرم التعامل.
فالمرتشي يخون الأمانة التي عُهد بها إليه، ويمنع الحقّ عن صاحبه، ويشجّع على ضياع الذمم، وخراب الضمائر وإهدار الشرف والكرامة.
والراشي كذلك فإنه يساعد المرتشي على أكل أموال الناس بالباطل، وينمّي فيه الخلق السيّئ، وييسر له التحكم فيما هو حقّ لغيره، ويستحلّ ما ليس له، ومن أجل هذا كان الراشي والمرتشي ملعونين على لسان نبينا محمد، فعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله قال: ((لعنة الله على الراشي والمرتشي))[1]، أي: الآخذ والمعطي.
فهذه - عقوبة الراشي والمرتشي في الآخرة، إنها الطرد من رحمة الله - تعالى -.
وأما في الدنيا فإنها تؤدّي إلى محق البركة في الرزق، والأهل، والمال، والولد، والعمر، والحياة.
وحافظوا على دينكم وأمانتكم، واحذروا كلّ الحذر من الرشوة؛ فإنها خيانة وظلم، وفساد وشرّ، ووبال ودمار وهلاك.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 188].
وكانت نهاية خلافة الدولة العثمانية على إثر الرشوة عياذًا بالله - تعالى - من عقوبته وسخطه، اللهم سلمنا يا ربّ!.
! لقد صح عن رسول الله أنه استعمل رجلاً من الأزد - يقال له: ابن اللُّتبِيَّة- على الصدقة، فلما قدم بها قال: هذا لكم وهذا أهديَ إلي، فقام رسول الله فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولآني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟! والله، لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر))، ثم رفع يديه حتى رُئي بياض إبطيه يقول: ((اللهم هل بلغت؟))[2]
ففي هذا الحديث - وعيد شديد لمن يستغلّ نفوذه، ويستبيح لنفسه أن يأخذ ما لا يحل له أخذه، وإن ألبسه أثوابًا مستعارة كالهدية والوساطة وغير ذلك؛ فهذا خيانة في الأمانة، وسحت لا يبارك الله له فيه، ولا في نفسه، ولا في أولاده، ولا عائلته، ولا إنفاقه، ولا مأكله، ولا مشربه، فكل جسم نبت من حرام فالنار أولى به.
وعليكم بالحرص على الحلال الطيب الذي لا شبهة فيه، ونبذ الحرام الخبيث بكل صوره وأشكاله، وخاصة الرشوة، فهي سُحت تفسد الضمائر والذمم، إلى جانب إفسادها الدين والأخلاق والتعامل.
والرشوة قبيحة في شتى صورها، وأشكالها، وأنواعها، وطرقها، ممحوقة البركة، فآخذ الرشوة يتغذى بالحرام، ويطعم أهله من الحرام، ويجامع زوجته من قوت أصله حرام، فتكون الذرية فاسدة؛ لأن المورد لها من الحرام، نسأل الله السلامة والعافية.
فعلى المسلم الحرص على سلامة نفسه من الرشوة، وسلامة زوجته حتى يصلحها الله، وسلامة ذريته حتى ينشئوا بمأكل ومشرب حلال.
ليتّق اللهَ المسلمُ في نفسه، وفي أهله وزوجته وذريته، وليتق اللهَ في المجتمع المسلم الذي ينتمي إليه، والله المستعان.
 [1] أخرجه أحمد (2/164)، وأبو داود في الأقضية، باب: كراهية الرشوة (3580)، والترمذي (1337)، وابن ماجه في الأحكام، باب: التغليظ في الرشوة (2313)، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم (4/102)، ووافقه الذهبي.
[2] رواه البخاري في الأحكام، باب: هدايا العمال (8/114)، ومسلم في الإيمان، باب: تحريم هدايا العمل (1832).

اكتب تعليق

أحدث أقدم