رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الشروط فى البيع



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
المقصود بالشرط في البيع هنا: إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة وهو ضربان:
القسم الأول: وهو صحيح ولازم: وهو ما وافق مقتضى العقد.
وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: شرط يوافق مقتضى البيع كالتقابض وحلول الثمن.
والثاني: شرط ما كان من مصلحة العقد مثل شرط تأجيل الثمن أو بعضه أو شرط صفة معينة في المبيع، كأن تكون البقرة حلوبًا.
وإن لم يوجد الشرط كان للمشتري فسخ العقد لفوات الشرط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((المسلمون على شروطهم)) أحمد.
والثالث: شرط ما فيه نفع معلوم للبائع أو للمشتري، كأن يشترط المشتري على البائع نفعًا معلومًا كحمل ما باعه أو اشتراه إلى موضع معلوم، أو خياطته، أو تفصيله، وكذلك لو باع دابة واشترط أن تحمله إلى موضع معين.
ولقد اختلف العلماء في هذا الموضوع:
فلقد ذهب الإمام أحمد والأوزاعي وأبو ثور وإسحاق وابن المنذر إلى جوازه، واستدلوا بما أخرجه البخاري ومسلم: أن جابرًا باع النبي - صلى الله عليه وسلم - جملاً واشترط ظهره إلى المدينة، وقد اشترى محمد بن مسلمة حزمة حطب من نبطي واشترط حملها واشتهر ذلك ولم ينكر.
وذهب الحنفية والشافعية إلى عدم صحة هذا البيع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط.
القسم الثاني: وهو الشرط الفاسد: وهو ما ينافي مقتضى العقد.
وهو كذلك ثلاثة أنواع:
الأول: ما يبطل العقد من أصله: كأن يشترط على صاحبه عقدًا آخر، مثل قول البائع للمشتري: أبيعك هذا على أن تبيعني كذا أو تقرضني مالاً، ودليله قوله - صلى الله عليه وسلم - :((ولا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع)) الترمذي وصححه.
والثاني: ما يصح معه البيع ويبطل الشرط: وهو الشرط المنافي لمقتضى العقد: مثل اشتراط البائع على المشتري ألا يبيع المبيع أو لا يهبه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط)) متفق عليه.
وقال بعض العلماء بأن البيع كله فاسد.
والثالث: وهو ما لا ينعقد معه البيع: مثل أن يقول له: بعتك إن رضي فلان، أو إن جئتني بكذا، وكذلك كل بيع علق على شرط مستقبل.
الشرط الجزائي
مقدمة:
هذا أسلوب آخر من أساليب المعاملات الاقتصادية التي راجت في العصر الحديث.
والشرط الجزائي أسلوب لضمان أداء العمل في زمان محدد وبالمواصفات المحددة في عصرنا الذي أصبح للزمان فيه ثمن غال كل الغلاء.
وأضف إلى ذلك شيوع المادية في أوساط الناس والميل إلى الشراء ولو عن طريق التحايل والإخلاف في المواعيد.
من ذلك كله كان ضروريًّا أن يحتل الشرط الجزائي على التأخير في تسليم المشروعات والوفاء بالعقود مكانته الكبيرة في المعاملات الاقتصادية الحديثة.
تعريفه:
عَرَّفَه بعضهم بقوله: هو ضمان التعويض عن التعطل والانتظار، وقيل هو: إقرار العقوبة المالية على الذي لا يفي بالتزاماته المنصوص عليها في العقد.
حكمه:
مصطلح الشرط الجزائي لم يكن معروفًا بهذا الاسم لدى فقهائنا الأقدمين، وإنما جاء ذكره في صور مسائل فقهية. ولعل أول وجود له في الفقه الإسلامي ما روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلاً قال لكريِّه (المستأجر منه): "أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم" فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه، وقال أيوب عن ابن سيرين:
أن رجلاً باع طعامًا وقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع، فلم يجيء فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت، فقضى عليه.
وقد ذكر الدكتور السنهوري تعريف الشرط الجزائي وسبب تسميته بقوله:
يحدث كثيرًا أن الدائن والمدين لا يتركان تقدير التعويض إلى القاضي كما هو الأصل؛ بل يعمدان إلى الاتفاق مقدمًا على تقدير هذا التعويض، فيتفقان على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم يقم المدين بالتزامه، وهذا التعويض عن عدم التنفيذ أو على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن إذا تأخر المدين في تنفيذ التزامه وهو التعويض عن التأخير: هذا الاتفاق مقدمًا على التعويض يسمى الشرط الجزائي، وسمي بالشرط الجزائي لأنه يوضع عادة كشرط ضمن شروط العقد الأصلي الذي يستحق التعويض على أساسه.
نص فتوى الإدارة العلمية للبحوث والإفتاء بخصوص الشرط الجزائي:
(ملخص قرار الهيئة)
الحمد لله:
بعد مداولة الرأي والمناقشة واستعراض المسائل التي يمكن أن يقاس عليها الشرط الجزائي، ومناقشة توجيه قياسه على تلك المسائل والإيراد عليه وتأمل قوله - تعالى -:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]، وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله: ((المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً))، ولقول عمر - رضي الله عنه -: ((مقاطع الحقوق عند الشروط))، والاعتماد على القول الصحيح: من أن الأصل في الشروط الصحة، وأنه لا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًّا أو قياسًا.
واستعراض ما ذكره أهل العلم من تقسيم الشروط في العقود إلى صحيحة وفاسدة، وتقسيم الصحيحة إلى ثلاثة أنواع:
أحدها: شرط يقتضيه العقد: كاشتراط التقابض وحلول الثمن.
الثاني: شرط من مصلحة العقد: كاشتراط صفة في الثمن كالتأجيل أو الرهن أو الكفيل به، أو صفة في المثمن ككون الأمة بكرًا.
الثالث: شرط فيه منفعة معلومة وليس من مقتضى العقد ولا من مصلحته ولا منافيًا لمقتضاه كاشتراط البائع سكنى الدار شهرًا.
وتقسيم الفاسدة إلى ثلاثة أنواع:
أحدها: اشتراط أحد طرفي العقد على الطرف الثاني عقدًا آخر: كبيع أو إجارة أو نحو ذلك.
الثاني: اشتراط ما ينافي مقتضى العقد: كأن يشترط في المبيع ألا خسارة عليه أو ألا يبيع أو يهب ولا يعتق.
الثالث: الشرط الذي يعلق به العقد كقوله: بعتك إن جاء فلان.
وبتطبيق الشرط الجزائي عليها وظهور أنه من الشروط التي تعتبر من مصلحة العقد، إذ هو حافز لإكمال العقد في وقته المحدد له، والاستئناس بما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيين أن رجلا قال لكريه: أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: "من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه"، وقال أيوب عن ابن سيرين: أن رجلاً باع طعامًا وقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع، فلم يجيء فقال شريح للمشتري: "أنت أخلفت" فقضى عليه، وفضلاً عن ذلك فهو في مقابلة الإخلال بالالتزام، حيث إن الإخلال به مظنة الضرر وتفويت المنافع، وفي القول بتصحيح الشرط الجزائي سد لأبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله، وسبب من أسباب الحفز على الوفاء بالعهود والعقود تحقيقًا لقوله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة:1].
لذلك كله فإن المجلس يقرر بالإجماع أن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر يجب الأخذ به ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام الموجب له يعتبر شرعًا فيكون العذر مسقطًا لوجوبه حتى يزول.
وإذا كان الشرط الجزائي كثيرًا عرفًا بحيث يراد به التهديد المالي، ويكون بعيدًا عن مقتضى القواعد الشرعية، فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف على حسب ما فات من منفعة أو لحق من مضرة، ويرجع تقدير ذلك عند الاختلاف إلى الحكم الشرعي عن طريق أهل الخبرة والنظر عملاً بقوله - تعالى -: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ [النساء: 58]، وقوله سبحانه: ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على ألاَّ تَعْدِلُوا اعْدلُوا هُوا أقْرَبُ للتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 8]، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا ضرر ولا ضرار)) وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم...
وبناءً على هذا القرار من لجنة الفتوى بإدارة البحوث العلمية والإفتاء:
فإننا نعتبر الشرط الجزائي صحيحًا ملزمًا في سائر العقود الحديثة ما لم يكن شرطًا مخالفًا للشرع في شيء، وما لم يكن مخالفًا للمنطق والعقل لجسامته، فيقدر الضرر بقدره عن طريق لجنة فنية متخصصة، أما أصل الشرط فيعتبر صحيحًا.

اكتب تعليق

أحدث أقدم