رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن المال وسيلة لا غاية

بقلم \  المفكر  العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد  اللطيف 
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لاشك فيه أن المالُ وسيلةٌ إلى الإنفاق - في وجوه البذل - المحمودة عقلاً وشرعًا، أمَّا مَن يشح ويبخل، ويكون مسيكًا، لا تنضح يدُه، ولا يعطي في موضع الإعطاء، ويحرِم الفقيرَ والمسكين، وذوي القُرْبى، فالمال في حقِّه عقوبةٌ، يأثم فيه، ويُذَم بسببه، ويكون وبالاً عليه ونِقمة.
♦ دخل فُراتُ بن زيد الليثي على عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - وكان ذا مال كثير - وكان يبخل، وكان من أبناء العرب، وذوي التعليم والرأي، فوجد عمر يُعْطي المهاجرين والأنصار، فقال له: يا فراتُ مَن الذي يقول:
الْفَقْرُ يُزْرِي بِالْفَتَى فِي قَوْمِهِ  
وَالْعَيْنُ يُغْضِيهَا الْكَرِيمُ عَلَى الْقَذَى  
وَالْمَالُ يَبْسُطُ لِلَّئِيمِ لِسَانَهُ  
حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ شَيْءٌ يَرَى  
وَالْمَالُ جُدْ بِفُضُولِهِ وَلْتَعْلَمَنْ  
أَنَّ الْبَخِيلَ يَصِيرُ يَوْمًا لِلثَّرَى  
قال: لا أدري يا أمير المؤمنين، غيرَ أني عرفتُ أنَّ أخا بني ضبيعة أشعرُ الناس حيث يقول:
وَإِصْلاَحُ الْقَلِيلِ يَزِيدُ فِيهِ  
وَلاَ يَبْقَى الْكَثِيرُ مَعَ الْفَسَادِ  
فقال عمر: قول الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9] أفضلُ.
قال: يا أمير المؤمنين: إنَّ الله - تعالى - يقول: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾ [الإسراء: 27]، قال عمر: فبيْن ذلك قوامًا، يا فرات، اتَّق الله، وإنَّما لك من مالك ما أنفقت، يا فراتُ، أطعِم السائل، وكن سريعًا إلى داعي الله، إن الله جواد يحب الجُودَ وأهلَه، وإنَّ البخل بئس شِعارُ المسلم، يا فرات، أتدري مَن الذي يقول:
سَأَبْذُلُ مَالِي لِلْعُفَاةِ فَإِنَّنِي  
رَأَيْتُ الْغِنَى وَالْفَقْرَ سِيَّانِ فِي الْقَبْرِ  
يَمُوتُ أَخُو الْفَقْرِ الْقَلِيلُ مَتَاعُهُ  
وَلاَ تَتْرُكُ الْأَيَّامُ مَنْ كَانَ ذَا وَفْرِ  
وَلَيْسَ الَّذِي جَمَعْتُ عِنْدِي بِنَافِعٍ  
إِذَا حَلَّ بِي يَوْمًا جَلِيلٌ مِنَ الْأَمْرِ  
قال: لا أدري يا أمير المؤمنين، قال: هذا شعر أخيك قسامة بن زيد، قال: ما علمته. قال: بلى هو أنشدَنيه، وعنه أخذتُه، وإنَّ فيه لعِبرة، قال: يا أمير المؤمنين، وفَّقك الله وسدَّدك، أمرتَ بخير، وحضضتَ عليه، وتَرَك فراتٌ كثيرًا مما كان عليه.
الحرص على جمع المال:
مِن الناس مَن يُهلِك نفسَه في طلب المال، وهو محرومٌ من الانتفاع به، والاستفادة منه، فيكون وبالاً عليه، وتعبًا وهمًّا، وعناءً وشقاءً، فهو يكسبه من طُرق حرام، ويمنع حقَّ الله فيه، ولا يؤدِّي ما للقريب والفقير، والمسكين وابن السبيل، ولا يوسِّع على نفسه وولده وذويه، ولا ينفقه في المكارِم والمحامد، فلا ينال ثناءً في الدنيا، ولا حسناتٍ في الأخرى، وإنما نصيبُه الذمُّ والعقاب.
ومِن الناس مَن يمقت المال بخيره وشرِّه، ويحسب أنَّ في القعود عن الكسب شرفًا ومجدًا، وفضلاً وفخرًا، وقد يكون يعيش على الصَّدقات والسؤال، وإراقة ماء الوجه، وهو بهذا يُناقِض ما جاء به الشرع، وما يدعو له العقل السليم، والفِطَرُ المستقيمة.
وكلا الاثنين على خَطَل ، وبُعْد من الصواب، أما التوسُّط والاعتدال، فذلك هو الأعدل والأسلم.
وقال ربيعة بن ثابت بن لجأ الأسدي يمدَحُ العباس بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس:
لَوْ قِيلَ لِلْعَبَّاسِ يَا ابْنَ مُحَمَّدٍ  
قُلْ: لاَ وَأَنْتَ مُخَلَّدٌ مَا قَالَها  
مَا إِنْ أَعُدُّ مِنَ الْمَكَارِمِ خَصْلَةً  
إِلاَّ وَجَدْتُكَ عَمَّهَا أَوْ خَالَهَا  
وَإِذَا الْمُلُوكُ تَسَايَرُوا فِي بَلْدَةٍ  
كَانُوا كَوَاكِبَهَا وَكُنْتَ هِلاَلَهَا  
إِنَّ الْمَكَارِمَ لَمْ تَزَلْ مَعْقُولَةً  
حَتَّى حَلَلْتَ بِرَاحَتَيْكَ عِقَالَهَا  
فبعث إليه العباس بدينارين، فقال يهجوه:
مَدَحْتُكَ مِدْحَةَ السَّيْفِ الْمُحَلَّى  
لِتَجْرِيَ فِي الْكِرَامِ كَمَا جَرَيْتُ  
فَهَبْهَا مَدْحَةً ذَهَبَتْ ضَيَاعًا  
كَذَبْتُ عَلَيْكَ فِيهَا وَافْتَرَيْتُ  
فَأَنْتَ الْمَرْءُ لَيْسَ لَهُ وَفَاءٌ  
كَأَنِّي إِذْ مَدَحْتُكَ قَدْ رَثَيْتُ  
فلمَّا بلغتِ العباسَ غضب، وتوجَّه إلى الرشيد وهمَّ بقَتْله، فقال: يا أمير المؤمنين، مُرْه بإحضار القصيدة فأحضرها، فلمَّا سمعها استحسنها، وقال: والله ما قال أحدٌ في الخلفاء مثلها، فكم أثابَك؟ قال: دينارين، فغضب الرشيد، وقال: يا غلام أعطِ ربيعة ثلاثين ألف درهم وخلعة، واحمله على بغلة، وقال له: لا تذكُرْه في شعرك، لا تعريضًا ولا تصريحًا، وكان الرشيدُ قد همَّ بأن يزوِّج العباسَ ابنته ففَتَر عنه لذلك.
مدح بعضُهم رجلاً فقال: ما كان أفسحَ صدرَه، وأبعدَ ذِكْره، وأعظم قدرَه، وأنفذ أمرَه، وأعلى شرَفَه، وأربح صفقةَ مَن عرفه، مع سَعةِ الغناء، وعظم الإناء، وكرم الآباء!
أعمار الأمم:
تُقاس أعمار الأمم والشُّعوب والأفراد بما قدمتْه من جلائل الأعمال، وما أنتجتْه مِن كل نافع مفيد، وما أسدتْه للبشرية من أيادٍ بيضاء، وليس بكثرة السِّنين أو قلَّتِها يكون التفاضل والتفاخر، فكم مِن شباب قدَّموا للناس ما انتفعوا به فكريًّا وجسديًّا وحضاريًّا، وكم مِن معمِّرين كانوا عبئًا ثقيلاً، وكابوسًا جاثمًا لم تنتفعِ الأمم من حياتهم، وإن استبشر أناسٌ بزوالهم.
أمَّا مَن طال عمرُه، وحَسُن عمله، فذلك فضْل الله يؤتيه من يشاء.
المجد والمجال:
قال أبو الطيب المتنبي:
وَأَتْعَبُ خَلْقِ اللَّهِ مَنْ زَادَ هَمُّهُ  
وَقَصَّرَ عَمَّا تَشْتَهِي النَّفْسُ وُجْدُهُ  
فَلاَ يَنْحَلِلْ فِي الْمَجْدِ مَالُكَ كَلُّهُ  
فَيَنْحَلَّ مَجْدٌ كَانَ بِالْمَالِ عَقْدُهُ  
وَدَبِّرْهُ تَدْبِيرَ الَّذِي الْمَجْدُ كَفُّهُ  
إِذَا حَارَبَ الْأَعْدَاءَ وَالْمَالُ زَنْدُهُ  
فَلاَ مَجْدَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَالُهُ  
وَلاَ مَالَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَجْدُهُ  
وَفِي النَّاسِ مَنْ يَرْضَى بِمَيْسُورِ عَيْشِهِ  
وَمَرْكُوبُهُ رِجْلاَهُ وَالثَّوْبُ جِلْدُهُ  
وَلَكِنَّ قَلْبًا بَيْنَ جَنْبَيَّ مَا لَهُ  
مَدًى يَنْتَهِي بِي فِي مُرَادٍ أَحُدُّهُ  
يَرَى جِسْمَهُ يُكْسَى شُفُوفًا تَرَبُّهُ  
فَيَخْتَارُ أَنْ يُكْسَى دُرُوعًا تَهُدُّهُ  
يُكَلِّفُنِي التَّهْجِيرَ فِي كُلِّ مَهْمَهٍ  
عَلِيقِي مَرَاعِيهِ وَزَادِيَ رُبْدُهُ  
♦ وقال غيره:
مِثْلُ الْحُسَامِ إِذَا انْتَضَا  
هُ أَخُو الْحَفِيظَةِ لَمْ يَخُنْهُ  
يَسْعَى لِمَا تَسْعَى لَهُ  
كَرَمًا وَإِنْ لَمْ تَسْتَعِنْهُ  
♦ قال ابن المقفَّع: إذا أكرمَك الناس لمال أو سلطان، فلا يعجبك ذلك، فإنَّ الكرامة تزول بزوالهما، ولكن ليعجبك إذا أكرموك لدِين أو أدب.
سئل البحتري: أيما أشعر، أنت أو أبو تمام؟ فقال: جيِّده خيرٌ من جيدي، ورَدِيئي خير من رديئه:
قال الإمام الشافعي:
اقْبَلْ مَعَاذِيرَ مَنْ يَأْتِيكَ مُعْتَذِرًا  
إِنْ بَرَّ عِنْدَكَ فِيمَا قَالَ أَوْ فَجَرَا  
فَقَدْ أَضَاعَكَ مَنْ أَرْضَاكَ ظَاهِرُهُ  
وَقَدْ أَجَلَّكَ مَنْ يَعْصِيكَ مُسْتَتِرَا  
خَيْرُ الْخَلِيطَيْنِ مَنْ أَغْضَى لِصَاحِبِهِ  
وَلَوْ أَرَادَ انْتِصَارًا مِنْهُ لاَنْتَصَرَا  
الوالد والولد:
كلُّ إنسان ينظر لولدِه نظرةَ عطفٍ وشفقة، ويُعجب فيه بخلال وتصرُّفات قد لا تعجب غيرَه، وقد يكون هو نفسه لو أبصَرها في ولد غيرِ ولده لَعَابَها واستبشعها، وكلُّ إنسان قد يتصوَّر خطأ ولده خفيفًا محتملاً للتجاوز والصفح، ولكنه غالبًا لا يرى مثل ذلك في غير ولده.
وكلُّ إنسان عندَه عاطفة في إرضاء ولده ومساعدته على أن يعيش في هناء وراحة، ولكنَّ العاقل يكبح هذه العاطفةَ إذا ما أحسَّ أنها تجرُّ إلى عواقبَ سيئة، أو إذا كان في إطلاق العِنان لها أضرارٌ على ولده، أو على الآخرين.
ولو أنَّ كل إنسان أعطى لنفسه هواها، وسار على طريقة إرْضاء الولد والتجاوز عن خطيئاته، واعتبار الآخرين هم المستحقِّين للوم والعِقاب والمؤاخذة، وولده هو الطاهر النبيل، الجدير بكلِّ ما يطلب وما يتمنَّى، لأصبحتِ الحياة لا تُطاق، ولأضحتْ شريعة الغاب والوحشية هي المتحكِّمة في الناس، ولكن الله بعدله وحِكمته أنزل على الناس قرآنًا فيه هدايتُهم وسعادتهم، ووهبهم عقولاً يُفكِّرون بها، ويعرفون بها الحَسَن والقبيح، والنافع والضار.
الأنانية: 
إنني ألمح بوادرَ أنانية تكاد تشتعل وتحرِق الفضائل التي عرفْناها منذ سنوات قريبة، إنَّني أكاد أُبصرِها فِتنةً قاتلة، وداءً مستحكمًا، وبلية قطيعة.
إنَّ استحكام الأنانية معناه ارتكاب المحرَّمات، وإنكار الحقوق، والتعدِّي على الناس طمعًا وجشعًا.
إنَّ الأنانية الطاغية تدعو للقطيعة والإثْم والشرور، وتُنفِّر من الحق والإنصاف والقناع، اللهمَّ نجِّنا من عدوان الأنانية، وجنِّبْنا سبيل الأنانيِّين الجشعين.

اكتب تعليق

أحدث أقدم