رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن الشريعة الإسلامية سماحة وحب

بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لاشك فيه أن شرائع الله لعباده مبناها الرحمة الشاملة، لا مكان فيها لإعنات أو إجحاف، قد يقسو الأب على أولاده أو يَجهل أو يَحيف، وقد تلحَقه من طبيعته البشرية ما يشوب تأديبه لهم بالأثرة والغرض، أما رب العالمين فإنه يشرِّع لعباده ما يعود عليهم بالخير المحض، وما يَكفُل مصلحتَهم الصِّرفة، فحنُّوه عليهم مقرونٌ بالغنى المطلَق عنهم، وهداياته لهم دائرة كلها على ما يَصون محياهم ويرفع مستواهم، ومنهاج رُشدٍ فيه النفع لهم، والضمان الأول والأخير لمصالِحهم، ولو ترك الناس لأهوائهم لتدلوا إلى حضيض، ولعاشوا بعيدًا عن شرائع الله في دَركٍ تسوده الوحشيَّة والريبة، والمظالم والظلمات[1].
قال ابن القيم: 
"إن الشريعة مبناها وأساسها على الحُكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عَدْل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن دخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدْل الله في عباده، ورحمته بين خَلقه، وظلُّه في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدْق رسله أتم دلالة وأصدقها"[2]، والحق أن فكرة الناس عن شرائع الله تحتاج إلى تصحيح طويل، فجمهورهم يَحسَبها شواظًا من الغضب، يلسَع بصرامتِه، ويُروِّع بجهامته، ويحسب أن أصولها وفروعها مبهَمة الفَهْم، تتلقى بالقَبُول مُخالفة الكفر، إذا اعترضها عقل، وهذا كله خطأ كبير.
فالدين نفحة من رحمة الله ينبغي استقبالها بالبَشاشة التي تُستقبل بها النِّعم، وبالرغم من أفكار القاصدين المتزمِّتين الذين يقتربون من حقائق الأديان، كما يقترب الذباب من الحلوى، فإن الدين حقٌّ وجمال، ألا تسمع قوله - تعالى -: ﴿ طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النمل: 1، 2]، والهدى لا يكون بباطل، والبُشرى لا تكون بقبيح، وقال - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين ﴾ [النحل: 89].
والأديان كلها جاءت من عند الله على هذه الوتيرة الواضحة المحبَّبة: ﴿ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 97].
إن ما احتوته الشريعة من رِفْق ويُسر، يجعل حاجة البشر إليها حاجة العليل إلى الدواء، والعاتي إلى الرحمة، وإن الله ليشرح أكناف العطف والمواساة والبركةِ التي حدَّدت طبيعة النبوَّة العامَّة في قوله - تعالى -: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].
كما يشرح أهداف القرآن الكبرى وسعادة الآخذين بها في قوله - تعالى -: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82]، ومن أهداف الإسلام إصلاح النفس، وإيجاد الضمير المُهذَّب الذي يحمل على تقوى الله في السر والعلانية، إن الهوى الكامن في الأعماق لا يعدم متنفسه في أي عمل، وصور السلوك البشري لا يمكن ضبْطها، فمن العبث الاتجاه إلى الأعمال الظاهرة ومحاولة صَوغها في قوالب معيَّنة، أو إلزامها حدودًا خاصة، مع الغفلة عن مصادر هذه الأعمال وأسبابها الخفية؛ ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره))[3].
والحق أنه يستحيل قيام حضارة صحيحة على قلوبٍ عليلة، وأنه ما لم تَستقِم الضمائر، وتَصفُ النيات فلن يكبَح جماحَ البشر شيء، وفي طِباع الناس رُكام هائل من شهوات النفس والبدن، وهي - لو أمعنت النظر - وقود السعي اللاغب المشتعِل على ظهر هذه الأرض.
وإنما أنفس الأناس سباع يتفارسن جهرة واغتيالاً، وما أكثر ما تجيء هذه الشهوات، فتنضح على الحياة من طيشها وغُلوها ما تستحق به الاستئصال؛ ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص: 58].
فلا غرو أن يتضمَّن الإسلام جملة طائلة من العقائد والعبادات والأحكام والآداب، تُخضِع هذا الشرَّ وتُحوِّل عظامه إلى ما هو أجدى، وفي القرآن والسنة آلاف التوجيهات إلى هذه الغاية الشريفة، ولولا أن النفوس بحاجة إلى المزيد من هذه الصور المؤسَّسة والمؤكَّدة، ما ترادفت كذلك في دين الله، وأحسَب أن التربية الإسلامية النابعة من الكتاب والسنة لا يَعدلها شيء في غرْس الفضائل وحسْم الرذائل، بل إن الأمة الإسلامية ظلَّت قرونًا طويلة - نتيجة هذه التربية - أقرب مجتمعات الدنيا إلى الأدب والتعاون والتحاب، وإن اضطربت سياسة الحُكم فيها.
والمقارنة بين أحوال المسلمين العامة طوال القرون الوسطى، وبين مجتمعات اليهود والنصارى، تبيِّن للدارس المحايد أن أثر الإسلام في طبْع أتباعه على الهدى والتقى والعفاف لا يُقارِبه أثر آخر، إنهم - يوم انهزموا لضعْفهم المادي والأدبي أمام صليبية القرون الوسطى - كانوا أنظف سيرة وأنصع صحيفة من خصومهم.
وعلى الرغم من فظاعة الأحداث الشنعاء التي جعلت الدنيا تهتزُّ فزعًا من هولها، وفظائع آثارها، فإن المسلمين لم يَفقِدوا اتزانهم - بإزاء هذه الأحداث - بل ظلُّوا على خُلُق رفيع، يصِفه كاتب غربي فيقول: "إن كثيرًا من المسيحيين الذي غادروا بيت المقدس بعد انتصار صلاح الدين رحلوا إلى أنطاكية، غير أن أميرها الصليبي "بوهميند" لم يَحرِمهم من الضيافة فقط، بل سلَبهم أموالهم، في حين كان هؤلاء البائسون أينما ساروا في بلاد المسلمين يَلقون ضروب العطف والكَرم"[4]، إن هذه المقابلة تُريك مبلَغ "الارتقاء النفسي" الذي انطبَع عليه المسلمون، فجعلهم - وهم في أسوأ الظروف - حُرَّاصًا على خِلال الشرف والتقوى.
والطاقة التي أودَعها الإسلام في أفئدة المؤمنين به تركت فيهم مواريث رائعة من اتقاء الدنايا وتَحامي السيئات، ويجب علينا أن نعترِف بأن المسلمين في العصر الأخير قد فقدوا كثيرًا من خصائص التدين الصحيح، وأن السلامة النفسيَّة التي تمتَّع المسلمون بها قديمًا أخذت تتلاشى رويدًا[5].
ومن أهداف الإسلام توثيق العلائق بين أجيال البشر وإقامتها بين الأولين والآخرين، والأقربين والأبعدين على الأخوة العامة، الأخوة التي لا تتعصَّب لوطن، ولا تتحيَّز لجنسٍ ولا تتنكَّر للون، وتُنكِر كلَّ فضل عدا فضل الكفاية والأمانة، وتنظر إلى عباد الله كافة فلا تلمَح إلا سلوكهم ومواهبهم لا تكترِث أدنى اكتراثٍ لما وراء ذلك من اختلاف الوجوه والألسنة والأصول، الأخوَّة التي جعلت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأمته: ((إنْ أُمِّر عليكم عبد مُجَدَّع أسود يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا))[6]، وهذه الأخوة كما غرَسها الإسلام وكما تفرَّعت في شعوبه لا نظير لها في أرجاء العالمين، استطاع "العبيد" خلالها - في فترات طويلة من تاريخ الإسلام - أن يكونوا ملوكًا، تُجبى إليهم ثمراتُ كل شيء، فأين هذا مما عليه الزنوج السود في أمريكا حتى الآن؟[7].
والحقيقة أن العقوبات السماوية رحمة بالناس وبرٌّ بالمجتمع:
إن الله إذا أرخَص دمَ قاتل، فلكي يَحقِن ألوف الدماء، وإذا أرخص يد سارق؛ فلكي يزرع الأمان في الأرض، ولعل أكذب شيء في الأرض هذه العاطفة التي نَسمع صداها يتردَّد بين الحين والحين: أن ألغوا عقوبة الإعدام، أو انسوا ما أنزل الله من حدود، واستجابة هذه المشاعر الطَّفِلة هو انتزاع للعدل وللأمان من آفاق الأرض، وإشاعة للطُّغيان والعدوان في كل مكان، إن شرائع الله - منذ بعَث بها المرسلين - هي نداء الرحمة العاقلة، وقد بيَّن الله في كتابه العزيز أنه أباح لبني إسرائيل الطيبات، فلما بَغَوا، ونزَعت عروقهم إلى الجريمة، شدَّد عليهم، ثم قال مبينًا حكمة ما صنع: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام: 147]، وإذا كان القانون السماوي يبطِش بفرد أثيم، فهو يُصرِّح بأن الغرض إحاطة الجماعة الإنسانية كلها بسياجٍ يحفظ عليها الحياة والطمأنينة؛ ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 32]، نعم، إنه عُدوان عام على البشرية كلها، يوشك - إن لم يوقَف بالقِصاص الحاسم - أن يَحصدها فردًا فردًا؛ ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 179]، إن الأرض قد يُبارَك فيها بعد المطر، فتخضرُّ، وتؤتي ثمارَها، وهذه البركة التي تجني حبوبًا وفواكه أقل من بركة أخرى يفرِّط الناس فيها للأسف الشديد، هذه النعمة المُضيَّعة هي ما عناه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ((حدٌّ يُعمَل به في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يُمطَروا أربعين صباحًا))[8] اهـ [9].
________________________________________
[1] ليس من الإسلام؛ محمد الغزالي، ص: 5 بتصرف، ط دار الكتب الإسلامية الخامسة"، الحد والتعزير، ص: 13، 14 بتصرف.
[2] نقلاً عن: ليس من الإسلام ص: 6.
[3] أخرَجه الترمذي، كتاب البِر والصِّلة، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وفي الباب عن علي وأبي أيوب: (8 : 114، 115) ورواه أحمد (3: 227).
[4] الدعوة إلى الإسلام: توماس أرنولد ص: (80- 83) بتصرف.
[5] ليس من الإسلام، للغزالي، ص: 6- 12 بتصرف.
[6] أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، وبيان قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خذوا عني مناسككم)) (1: 543)، والترمذي كتاب الجهاد، باب ما جاء في طاعة الإمام (7: 201، 202)، وأحمد (4: 7).
[7] ليس من الإسلام؛ للغزالي ص: (14، 19) بتصرف.
[8] سبق تخريجه.
[9] هذا ديننا ص: 22، 221.

اكتب تعليق

أحدث أقدم