رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد على عدم الإسراف والتبذير

 


بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لا شك فيه أن الناسَ متفاوتون في كلِّ شيء تقريبًا، وهذا مما يجعل الإسراف والتبذير أمرًا نسبيًّا يختلف مِن شخص لآخر، فما كان إسرافًا في حق أحد قد لا يُعدُّ إسرافًا في حق غيره، وكذلك ما يُعد إسرافًا في بلدٍ لا يكون إسرافًا في بلد آخر، وقد بيَّن الله تعالى هذا في كتابه الكريم، وأخبر أن أرزاق العباد متفاوتة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ﴾ [النحل:71]، وهذا بالضرورة الحسية يُوجِد اختلافًا في النفقات على المستوى الشخصي والأسري والاجتماعي والطبقي، فيُعد إسرافًا في حق بعض الناس ما لا يُعَد إسرافًا في حق غيرهم، وتصرفات أهل الغنى واليَسار والدُّثور لا تقاس بمعايير الطبقات المتوسطة، فضلًا عن الطبقات الفقيرة.
كما أن الإسراف يشمل الزيادة على حد الكفاية؛ كالشَّرَهِ في المأكولات والملبس، وبالزيادة في الترفه، والتنوق فيهما وفي غيرهما؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].
وهذا عند التحقيق - أيها الأخ الكريم - يصلح معيارًا دقيقًا في الحكم على التصرفات إسرافًا وتبذيرًا؛ أعني: مخالفة العُرف، فمثلًا مَن جاوز حد طاقته حتى لحق بمَن هم أغنى منه وأقدر كان مسرفًا، ولو استخدمنا المثال الذي ذكرتَه سلمك الله لظهر المراد، فمَن كان متوسط الحال لكنه لا يشتري إلا ما يناسب الطبقات الثرية في العطور، فيشتري الماركات العالمية التي تباع بالآلاف أو الثياب، فهذا بلا تردُّد مسرفٌ، وسيؤول أمره للَّوم والحسرة، وتركبه الديون.
أما مَن كان شديد الثراء، فذَهابه للتنَزُّه في الخارج مع مراعاة الضوابط الشرعية لا يعد إسرافًا، بخلاف ما لو فعلها مَن هو دونه في المستوى.
وتأمَّل - ما قاله العلامة العثيمين في لقاء الباب المفتوح (88/ 34) وهو يُقرر تلك القاعدة حيث قال: "الإسراف أمرٌ نسبيٌّ، لا يتعلق بنفس العمل، وإنما يتعلق بالعامل، فمثلًا: هذه امرأةٌ فقيرة اتَّخذتْ مِن الحليِّ ما يساوي حلي المرأة الغنية، هل تكون مسرفة؟
لو اتخذت هذا الحليَّ امرأةٌ غنية قلنا: إنه لا إسراف فيه، ولو اتخذته امرأة فقيرة لقلنا: فيه إسراف، بل حتى الأكل والشرب يختلف الناس في الإسراف فيه؛ فقد يكون الإنسان فقيرًا؛ يعني: مِن الناس مَن تكفيه المائدة القليلة، وآخر لا يكفيه، ثم إنه أيضًا يختلف باعتبار أن الإنسان قد ينزل به ضيفٌ فيُكرِمه بما لا يعتاد أكله هو في بيته، فلا يكون هذا إسرافًا، فالمهم أن الإسراف يتعلق بالفاعل لا بنفس الفعل، لاختلاف الناس فيه".
وقال أيضًا في لقاء الباب المفتوح (107/ 23): "الإسراف هو مجاوزة الحد، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أنه لا يحب المسرفين، وإذا قلنا: إن الإسراف مجاوزة الحد، صار الإسراف يختلف، فقد يكون هذا الشيء إسرافًا بالنسبة لفلان، وغير إسراف بالنسبة لفلان، فهذا الذي اشترى بيتًا بمليونين من الريالات، وأثَّثه بستمائة ألف، واشترى سيارة، إذا كان غنيًّا فليس مسرفًا؛ لأن هذا سهل بالنسبة للأغنياء الكبار، أما إذا كان ليس غنيًّا، فإنه يعتبر مسرفًا، سواء كان من أوساط الناس أو من الفقراء؛ لأن بعض الفقراء يريد أن يكمل نفسه، فتجده يشتري هذه القصور الكبيرة، ويؤثثها بهذا الأثاث البالغ، وربما يكون قد استدان بعضها مِن الناس، فهذا خطأ، فالأقسام ثلاثة:
الأول: غني واسع الغنى، فنقول: إنه في وقتنا الحاضر - ولا نقول في كل وقت -: إذا اشترى بيتًا بمليوني ريال وأثثه بستمائة ألف ريال، واشترى سيارة، فليس بمسرفٍ!
الثاني: الوسط، فيعتبر هذا في حقه إسرافًا.
الثالث: الفقير، فيعتبر في حقه سفهًا؛ لأنه كيف يَسْتَدين ليكمل شيئًا ليس بحاجة إليه؟!".
إذا تقرر هذا، فينبغي عليك إن أردتَ فهم المعاني التي تسأل عنها أن يكون في ظل ما ذكرناه؛ أعني: أن الإسراف يتعلق بالشخص المعين، ولا تفهمها على أنها معانٍ مُطْلقة، مثلما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كلوا واشربوا، وتصدَّقوا والبسوا، في غير مَخِيلَةٍ ولا سَرَف؛ إن الله يحب أن تُرى نعمتُه على عبده))؛ رواه أحمد، وابن ماجه، عن عبدالله بن عمرو.
وقال ابن عباس: "كُلْ ما شئتَ، والبسْ واشربْ ما شئتَ، ما أخطأَتْك اثنتان: سَرَفٌ أو مَخِيلَة"؛ علَّقه البخاري.
وقوله تعالى - وهو يمدح عباده المؤمنين -: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (6/ 112): "أي: ليسوا بمبذِّرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيُقصِّرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، وكان بين ذلك قوامًا كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾ [الإسراء: 29] الآية".
وقال تعالى: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 26، 27]، ونحو ذلك مِن الآيات.
ومَن تأمَّل تفسير الصحابة ومَن بعدهم لتلك المعاني أدرك ذلك جليًّا:
• قال ابن مسعود: التبذير: الإنفاق في غير حق.
• وقال مجاهد: لو أنفق إنسان مالَه كله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مُدًّا في غير حقه كان تبذيرًا.
• وقال قتادة: التبذير: النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق وفي الفساد"، انتهى.
وفي الختام يحسُن أن أُنبِّه على معنى هامٍّ، وهو: أنه يجب على الطبقات المتوسطة وطبقة الأغنياء مراعاة حال الفقراء؛ فالدينُ الإسلاميُّ اعتَنى بقضية المواساة وإعطاء المساكين حظهم المعلوم، فالتكافل الاجتماعي - الممثَّل في الزكاة المفروضة وصدقات التطوُّع - هو قاعدة المجتمع الإسلامي، والمسلمون مكلَّفون أن يرعوا مصالح الضعفاء فيها؛ فعن ابن عباس قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليس المؤمن بالذي يشبعُ وجارُه جائع إلى جنبه))؛ رواه البيهقي في "شعب الإيمان".
فكثيرون مِن المسلمين يموتون جوعًا، ولا يجدون ما يطعمون، وقد دلَّت السنةُ على وجوب المواساة؛ فعن أبي سعيد الخدري قال: "بينما نحن في سفرٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجلٌ على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن كان معه فضل ظهرٍ، فليَعُد به على مَن لا ظهر له، ومَن كان له فضل زادٍ فليَعُد به على مَن لا زاد له))، قال: فذكر مِن أصناف المال ما ذَكَر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل))؛ رواه مسلم وأبو داود.

اكتب تعليق

أحدث أقدم