رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن يوم الشهيد في سوريا ولبنان

بقلم المفكر العربي  الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف 
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي ,
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 

مما لاشك فيه أن عيد الشهيد مناسبة  وطنية يحتفل بها في السادس من أيار من كل عام في كل من سوريا ولبنان، وسبب اختيار التاريخ هي أحكام الإعدام التي نفذتها السلطات العثمانية بحق عدد من الوطنيين السوريين في كل من بيروت ودمشق إبان نهاية الحرب العالمية الأولى ما بين فترة 21 أب 1915 وأوائل 1917. واختير يوم 6 أيار إذ أن عدد الشهداء الذين أعدموا في هذا اليوم من عام 1916 هو الأكبر عددا.
الشهيد هو فخر الوطن، والقلب الذي توقفت نبضاته فداءً للوطن والشعب، ودفاعًا عنه ضد الظلم والأعداء، والاحتفاء بيوم الشهيد ما هو إلّا تخليدٌ لبطولاته وتضحياته، فالشهيد حكاية يفتخر بها الجميع، ومنارة يهتدي بها أبناء الوطن ليواصلوا المسير نحو حفظ الوطن. والشهيد هو القدوة للجميع؛ لأنه ضحى بأغلى ما يملك للوصول إلى أفضل مرتبة، وهي مرتبة الشهادة التي ضمن بها الجنة، فالشهيد حي يرزق عند ربه، والاحتفاء به في الدنيا ما هو إلّا تكريمٌ بسيط لكلّ ما قدم؛ كي يعلم الجميع أنّ الشهداء لا يموتون أبدًا. العرض: للشهيد حق في الوفاء إليه للشهيد حقٌ ثابت في رقابنا جميعًا، وهو حق الوفاء إليه واستذكاره دائمًا في جميع لحظاتنا، فالشهداء ليسوا مجرد أرقامٍ أو أسماء، بل هم قصصٌ وحكايات لأشخاص لم تهمهم الحياة بقدر همهم في الدفاع عنا والحفاظ على كرامتنا بين الجميع. لهذا فإنّ أقلّ ما يمكن أن نفعله لأجل الشهيد هو تعريف الأجيال به كي يظلوا يتذكروه ويعرفوا قصته ويأخذوا منها العبرة المفيدة، فالشهيد الذي لم يسأل عن حياته ولم يفكر لحظة في التراجع عن مبادئه يستحق منا أن نمنحه كل الحب والتقدير والاحترام، ويستحق أن نمنحه الأوسمة التي تليق به والمطرزة باسمه. تكريم الشهيد يكون بكتابة قصته في كتب التاريخ، كي يحفظها الأبناء والأحفاد، ويسيروا على نهجها ويتخذوه قدوة لهم في تضحياتهم للوطن، فالشهيد قنديلٌ من قناديل الوطن المشتعلة التي تزيح العتمة عن الدروب، وتُجدّد العزيمة في أبناء الوطن كي يشعروا بالحماسة نحو العمل والجد والاجتهاد وتحقيق الأفضل دومًا. فالأمم الراقية تحتفي بشهدائها دومًا وتخلد ذكراهم في الكتب والميادين، ويُطلقون أسماءهم على الشوارع، والساحات، والمرافق، كي يظلّ ذكرهم دائمًا بين الناس، فالوطن يحتاج إلى الشهيد كي يكون نبراسه دومًا. علينا ألّا ننكر فضل الشهيد في بناء الأوطان، وأن نظلّ ننظر إلى تضحياته بوصفها تضحيات لا مثيل لها، لأنّ من يقدم روحه رخيصة لأجل الوطن يستحق أن تكون له الأفضلية، ويستحق أن تكون حياته في القلوب والوجدان والميادين. فالشهداء هم أيقونة الوطن وعماده وسياجه، سطروا بدمائهم تاريخًا مشرفًا لن ينساه الأبناء والأحفاد، فالحروف تظلّ قاصرة عن وصفة عظمة الشهيد وتأثيره في النفوس؛ لأنّه يعطي مثالًا وقدوة للآخرين كي يكونوا مثله في التضحية والفداء والوفاء والعزيمة والنية الصادقة التي لا تشوبها شائبة. كل قطرة دم نزلت من جسد الشهيد سقت زرعًا شامخًا نبتت جذوره العميقة في أرض الوطن، وتطاولت أغصانه ليعانق عنان السماء، فالشهداء همتهم عالية أعلى من قمم الجبال. وإن أردنا أن نتحلى بالحماسة علينا أن نتعلم منهم دومًا، وأن نأخذ منهم العزم والإصرار على التقدم في الحياة، فالشهيد يعلمنا أن نقدم كل ما نستطيع للوطن، لأنه بستان من زهور وأشجار مثمرة، ولديه الكثير من المجد ليقدمه لأبناء شعبه دون أن ينقص من مجده شيئًا. للشهداء مرتبة عظيمة تحدثت عنها الآيات الكريمة في القرآن الكريم، وليس أجمل من وصف الله تعالى في قوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}،[١] فالشهيد يضع روحه في راحة كفه ويمضي؛ لهذا كلّ السلام والحب لروح الشهيد، فالشهيد أخ للجميع ومصدر فخارٍ للوطن بأكمله. ومهما قلنا عنه من كلمات لن نوفيه حقه أبدًا، لأنّ الأوطان وحريتها واستقلالها تقوم على دماء الشهداء الأكارم الذين يمنحون الحياة لغيرهم بكلّ حب دون تراجع أو استسلام، طوبى لهم في جنات النعيم، ورزقنا الله الشهادة. واجبنا دومًا أن نعلي من مرتبة الشهيد في نفوسنا ونفوس أبنائنا، وأن نزين لهم أهمية الدفاع عن الحق والوطن وكلمة الله؛ لهذا لا بدّ أن تراودنا أنفسنا دومًا أن نكون مكان الشهيد الذي منحنا الحرية وجعل لنا كيانًا ننتمي إليه. وقدوتنا في هذا الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- الذين كانوا يستبسلون في المعارك ويتمنون أن ينالوا الشهادة في سبيل الله دون تفكير، لأنهم يعرفون جيدًا المنزلة العظيمة. هنيئًا للشهداء الذين ارتفع قدرهم في الدنيا والآخرة، فالموت الذي ينتظره الجميع لا يُعدّ موتّا بالنسبة للشهيد؛ لأن الشهداء ترفرف أرواحهم في جنات عرضها السماوات والأرض مع أول دفقة من دمائهم الزكية. فطوبى للشهداء الذين يمنحونا شرف أن نقتدي بهم؛ لهذا فإنّ كل شخصٍ يتمنى أن يكون شهيدًا يومًا ما، وأن يقدم روحه للدفاع عن الحق، والوطن، ورفع كلمة الله تعالى. غاية الشهيد الأولى هي نصرة المظلومين وردّ الظلم والعدوان، ويجسدون هذا قولًا وفعلًا، وليس أعلى من منزلة أن يقدم الإنسان نفسه بكلّ ما لديه من طموحات وأحلام، كي يكون فداءً لوطنه. ولن ننسى أبدًا الشهداء الأوائل من الصحابة والتابعين أمثال حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- عم النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي استشهد في غزوة أحد، ولقّب بأسد الشهداء، كما استشهد من بعده الكثير من الصحابة الذين كانت غايتهم نيل رضا الله تعالى والفوز بالجنة. الخاتمة: للشهيد كل أيّامنا في الختام، للشهيد كلّ أيامنا وليس يومًا واحدًا فقط، والاحتفاء به في يوم الشهيد ما هو إلّا رمزٌ للفخر به، وفرصة كي نحتفي بأنفسنا بأنّ الله تعالى أنعم علينا بوجود أشخاصٍ بيننا ضحوا بكلّ ما يملكون لأجل الدفاع عن ديننا وأعراضنا وأوطاننا. لهذا فإنّ يوم الشهيد هو تكريس للاحتفال به في جميع أيام العام، وتخصيصٌ فيه نوع من التكريم والتذكير بأنّ دماء الشهداء الزكية هي العطر الذي تتعطر به أيامنا دومًا، والشهيد هو الذي يكتب لنا التاريخ ويسطر لنا خريطة النصر القادمة لنمضي إليها بكل فخر وعزيمة.

اكتب تعليق

أحدث أقدم