رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن الأسرة وحسن الجوار



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه ان مشاكلُ الجوار كانت دائمًا موجودةً في المجتمع المغربي، وكانت غالبًا ما تُحل بالصلح وبالتسامح وبطرق عرفية.
أما اليوم، فقد ازدادَت هذه المشاكلُ وتعقدَت، وأصبح الكثير منها لا يعرف طريقًا للحلِّ إلا عبر المحاكم، خصوصًا مع ارتفاع نسبة التحضُّر ومع الانتشار الواسع للسَّكن الجماعي على شكل عمارات وإقامات.
ولعلَّ الحل الحقيقي كان دائمًا وسيبقى بِيَد الأسرة المغربية التي تربَّت على أخلاق الإسلام السمحة، القائمة على قِيَم التضامن والتسامح وغيرها من القيم التي أصبحَت تَضعُف للأسف شيئًا فشيئًا.
أ- مفهوم الجوار:
الجوار هو: الاشتراك في فضاءٍ ما، والقرب المكاني ما بين طرفين أو أكثر: بين الدول، بين الأقاليم والجهات، بين المدنِ والقرى، بين الأحياء، بين البيوت والمتاجر والمصانع والحقول...، وبالتالي فالجار هو: من يجاورك في السَّكن والعمل والدراسة والسوق...
والجوار نوعان: جوار دائم، وجوار مؤقَّت.
فالجوارُ الدائم يكون بسببِ الاستقرار الطويل، فالأُسَر لا تغيِّر منازلها دائمًا، والتاجر لا يغير متجره دائمًا، والفلاح لا يغير حقله دائمًا، والوحدات الترابيَّة؛ من دولٍ وجهاتٍ ومدن وأحياء في الغالب نادرًا ما تتغير حدودها.
أما الجوار المؤقَّت، فهو يكون لمدة محدودة، فَنَزِيل الغرفة المحاذية لي في الفندق هو جاري إلى أن تنتهي إقامتي في الفندق، والجالسُ بالقرب منِّي في المسجد أو الحديقة أو الشاطئ أو المقهى هو جاري إلى أن أغادرَ المكان، والرَّاكب معي في القطار أو الطائرة أو الحافلة أو سيَّارة الأجرة هو جاري إلى أن أنزلَ من المركبة.
ب- حكم الجوار في الإسلام:
فبالرغم من أن موضوع الجوار لم يرد إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، إلاَّ أنَّ الأهميَّة التي أولاها الشرعُ له كانت كبيرة؛ قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ﴾ [النساء: 36]، فالجوار لا يكون إلا حسنًا، وحكمه: الفرض.
والإحسان إلى الجيران ورد في الآية الكريمة معطوفًا على فئاتٍ أخرى، بحيث احتلَّ الرتبةَ الخامسة بعد كلٍّ من الوالدين والأقرباء واليتامى والمساكين، كما أن الأمر بالإحسان إلى هذه الفئات جاء بعد الأمر بعبادة الله والنَّهيِ عن الشرك به.
إذًا، الإحسان إلى الجيران أمرٌ إلهيٌّ، يجب الامتثالُ إليه، وبالتالي فسُوء الجوار مخالفةٌ لأمر الله ومعصية له.
والأحاديث النبوية الشريفة التي تحثُّ على حسن الجوار كثيرة؛ من بينها:
• ((مازال جبريلُ يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سَيُورِّثه))؛ (رواه البخاري).
• ((... ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليُكرم جارَه))؛ (رواه البخاري)، وعند مسلم: ((فليحسن إلى جاره)).
• ((والذي نفسي بيده، لا يؤمنُ عبدٌ حتى يحبَّ لجاره ما يحبُّ لنفسه))؛ (رواه مسلم).
• ((خيرُ الأصحابِ عند الله خيرُهم لصاحبه، وخيرُ الجيران عند الله خيرُهم لجاره))؛ (رواه الترمذي، والدارمي، وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب).
ج- حدود وأصناف الجوار:
بالنسبة لحدود الجوار، فلم يَرِد نصٌّ واضح في ذلك، وبالتالي اختلف الأئمةُ والعلماء في تحديد عدد الجيران، وما هو شائعٌ عند الناس هو أربعون دارًا من كل ناحية، ولكن الصحيح - والله أعلم - أن التحديد مسألةٌ عرفيَّة؛ فحدودُ الجوار ما تعارف الناسُ عليها، وأضيف إلى ذلك: حدود الجوار هي: "الحدُّ الذي قد يصل إليه ضررك أو يصل إليك ضرر الآخرين، فالمقياس هو الضرر؛ لأنه مقدم على المنفعة".
أمَّا عن أصناف الجيران، فقد حدَّدت الآية الكريمة (الآية 36 من سورة النساء) عددَهم في ثلاثة؛ وهم:
1- الجار ذو القُرْبَى:
اختلف المفسرون في معنى ﴿ الجَارِ ذِي القُرْبَى ﴾، هل هو الجارُ القريب بالنَّسَب، أم القريب بالقرب المكاني؛ أي: المحاذي لك والأقرب لك من الجيران الآخرين.
2- الجار الجُنُب:
أي: الجار البعيد عنك وغير المحاذي لك، كما يدلُّ المعنى على الجار البعيد عنك في النَّسَب.
3- الصاحب بالجَنْب:
هو الجار المؤقَّت الذي سبقَت الإشارةُ إليه، ولعل الإشارة إليه بكلمة: "الصاحب" بدل: "الجار"، هي للتميِيز بينه وبين الجار القارِّ، وهناك في بعضُ التفاسير من ذهبإلى أن المقصود في الآية هو: الزوجةُ أو الرَّفيق في السفر، وليس الجار.
د- واجبات الجوار:
سواءٌ كان الجوار مؤقتًا أم دائمًا، سواء كان قريبًا أم بعيدًا، فحكمُه واحد كما تبيَّن؛ وهو: الإحسان.
فأين يتجلى هذا الإحسان؟
يتجلَّى في حقوقٍ وواجبات؛ حقوقِي على جيراني، وواجباتي تجاه جيراني.
وبما أن الواجب على طرفٍ هو حقٌّ للطرف الآخر، وبما أن الواجبات مقدَّمة على الحقوق، فسنقتصرُ على الواجبات التي يمكن اختصارها في أربعة:
1- إفشاء السلام على الجيران:
إفشاء السلام من خلق المسلم، وهو أحسن ما يوطِّد العلاقةَ بين الجيران وعموم الناس، كما دلَّ على ذلك حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يقول فيه: ((لا تدخلون الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، ألا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحابَبْتم؟ أفشوا السَّلامَ بينكم))؛ (رواه مسلم).
ويدخل في باب إفشاءِ السلام التهنئة والتبريك في الأعياد والمناسبات الاجتماعية، ومن الأفضل أن يكون المرءُ هو البادئ والمبادر بالسلام والتهنئة، وذلك عند الالتقاء الطبيعيِّ على باب العمارة أو في المصعد مثلاً، تأسيًا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((السَّلام اسمٌ من أسماء الله تعالى، وضعَه في الأرض، فأفشوه بينكم؛ فإن الرجلَ المسلم إذا مرَّ بقوم فسلَّم عليهم فردُّوا عليه، كان له عليهم فضلُ درجة بتذكيره إيَّاهم السلام، فإن لم يردُّوا عليه ردَّ عليه من هو خيرٌ منهم))؛ (رواه البزار).
على أنه في المناسبات والأعياد يُستحسن التوجُّه إلى الجار في مسكنه لتهنئته، خصوصًا الجار القريب.
2- كف الأذى عن الجيران:
الأذى نوعان: حسيٌّ ومعنوي؛ فالأذى الحسي: يتجلَّى مثلاً في:
• الإزعاج بالأصوات المرتفعة، سواء الصادرة من الأشخاص؛ (الحديث المرتفع: الصوت، الصياح، الغناء...)، أو من الحيوانات المدجنة، خصوصًا الكلاب؛ أو من أجهزة المذياع والكاسيت، والتلفاز والحاسوب، والألعاب الإلكترونية، أو القيام بأعمال صيانة وإصلاح البيت، وأشغال المطبخ في أوقاتٍ غير مناسبة...
• رمي الأزبال بالقرب من بيتِه أو في الأماكن المشتركة؛ مثل: مدخل البناية والسلم والممرات والمصعد...
• ترك تسربات الماء الصالح للشرب، أو مياه الواد الحار بدون إصلاح.
أما الأذى المعنوي، وهو الأصعب والأشدُّ ضررًا؛ لأنه يمسُّ العرضَ والسمعة، وقد يؤدي إلى تفكُّك الأُسَر وحدوث مشاكل عائلية وعقدٍ نفسية، وهو يتمثل غالبًا في:
• إفشاء أسرار الجيران التي ائتمنونا عليها.
• التعرُّض لحرمة بيوتهم عبر استِرَاق النَّظر إلى محارمهم والتجسُّس عليهم.
• التعرُّض لأعراضهم والوقيعة بينهم؛ (الغيبة والنميمة).
ولقد توعَّد الإسلامُ بعقابٍ غليظ لمن لا يكفُّ أذاه عن جيرانه، وفي ذلك يقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنةَ مَن لا يأمن جارُه بوائِقَه))؛ (رواه البخاري ومسلم)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فلانة تصلِّي الليلَ وتصوم النهارَ، وفي لسانها شيءٌ يؤذي جيرانَها؛ سليطة، قال : ((لا خير فيها، هي في النار))، وقيل له: إن فلانة تصلِّي المكتوبة وتصوم رمضان، وتتصدَّق بالأثوار، وليس لها شيءٌ غيرَه، ولا تؤذي أحدًا، قال: ((هي في الجنة))؛ )أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأحمد في مسنده).
3- الصبر على أذى الجيران:
إنَّه من الطبيعي أن يصيبنا أذًى في بعض الأحيان من أفضل الجيران، من الكبار والصغار، خصوصًا إذا كان عن غير قصد، وبالتالي وجب علينا تحمُّل أذاهم والصبر عليهم.
والصبرُ على الأذى خُلُق عظيم، وفيه أجرٌ كبير؛ قال تعالى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: 43].
ولقد ورد عن الحسن البصري رحمه الله قوله: "ليس حُسْنُ الجوار كفَّ الأذى؛ حسن الجوار: الصبر على الأذى"؛ (المرجع: لباب الآداب؛ لأسامة بن منقذ).
والدعوة لتحمُّل أذى الجيران لا تعني أن تكون هناك السلبية وعدم الشكوى؛ وإنما إخباره بضرره بطريقةٍ لَبِقَة، ويمكن أن أتغافلَ إن لم يكن الضرر كبيرًا ولم يتكرَّر الأذى، وأَن أحرص على ألاَّ تقع أيَّة خصومة أو اصطدام بيننا؛ بل ينبغي أن أجِد لأذاه عذرًا؛ لأنه يمكن أن يكون - مثلاً - الإزعاج عارضًا بسبب وجود الضيوف، فينبغي أن يصبِر بعضُنا على بعضٍ، وأن نتقرَّب إلى الله بالصبر وحسن الجوار.
4- التضامن والتكافُل مع الجيران:
وهذا الخُلُق للأسف الشديد بدأ يضعُف؛ وذلك لقلَّة أو غياب التعارف فيما بين الجيران، فقد نسكنُ لسنوات في عمارةٍ أو حيٍّ، ولا نعرف في بعض الأحيان حتى وجوهَ جيراننا، بل أسماءهم وأحوالهم.
ينبغي أن يكون الجيرانُ كأسرةٍ كبيرة، ولكي يحصل ذلك لا بدَّ من التعارف فيما بينهم، ينبغي معرفة القاطنين في كلِّ بيت، معرفة أسمائهم وأعمارهم، ومستواهم الدراسي ومِهَنِهم، وأحوالهم الصحية، وهل فيهم من يعاني من إعاقةٍ أو عجز أو مرضٍ مزمن...، والسؤال عن كلِّ هذا لا يعني التدخُّل فيما لا يعنينا؛ بل من أجل الاطِّلاع على أحوال من أصبح عضوًا في أسرتنا، وحتى أسأل عنه وحتى أساعده إن اقتضى الحال.
بعد التعارُف يمكن أن يكون هناك تزاور، على الأقلِّ أن تزور جارَك على باب بيته، وبعد التَّزاور ينبغي تبادل التهاني في الأعياد والمناسبات، ثم تبادل الهدايا أيضًا، فلقد جاء في الحديث: ((تهادوا تحابوا))؛ (رواه البخاري ومالك).
ومن الواجبات: التكافُل فيما بين الجيران، قال عليه الصلاة والسلام: ((ما آمن من بات شبعان، وجاره جائعٌ إلى جنبه، وهو يعلمُ به))؛ (صححه الألباني).
ولقد روي أن الرجل من الصحابة رضوان الله عليهم كانت تأتيه الهديةُ فيرسلها إلى جاره، وجارُه يعطيها لجاره، وتنتقل إلى أكثر من عَشرة بيوت، حتى ترجعَ إلى الأول.
من الواجبات أيضًا: عيادتُه إذا كان مريضًا، وتعزيته عند وفاة قريب له، والمشاركة في تشيِيع جنازته، وإقراضه إن احتاج إلى مال، وتوجيهه وإسداء النُّصح له ولأفراد أسرته...، واللائحة طويلة لكلِّ أعمال الخير، والتعاون على البرِّ والتقوى.
هـ- كيفية معالجة مشاكل الجوار:
بالرغم من مأسسة وتقنين الجوار، خصوصًا من خلال جمعيات الأحياء واتِّحاد الملاَّك المشتركين (السانديك)، فإنَّ المشاكل التي تحدث بين الجيران تكاثرَت واستفحلَت وتحولَت في بعض الحالات إلى قضايا في المحاكم، ويمكن إرجاع ذلك إلى العوامل التالية:
1- تراجع المستوى الخُلُقي للكثير من الناس.
2- ضعف التمسُّك والالتزام بواجبات الجوار الأربع (المفصَّلة أعلاه).
3- اللجوء إلى هذه المؤسسات بعد استِفحال المشاكل، والأصل أن يكون هناك تعارف وتعاون وعمل مشترك؛ لتفادي المشاكل، وليس فقط لمعالجتها.
4- انتشار النَّزعَة السلبيَّة وعدم مشاركة أغلبيَّة السكان في هذه المؤسسات، تحت مبرِّر انعدام الوقت وكثرة الأشغال، أو بسبب موقفٍ سلبي من هذه المؤسسات أو من بعض المسيرين، أو الامتناع عن أداء المستحقَّات الراتبة (واجبات الانخراط)، وعمومًا بسبب اللامبالاة والشعار المتداول بالعامية دائمًا: "اللي اعملتوه أنا معاكم"؛ "أنا متفق مع كل ما تقرِّرونه"، وعندما يتم اتِّخاذ بعض القرارات يكون هو أوَّل من يعارضها.
5- غياب الشعور بالانتماء؛ ففي الماضي كان الناسُ يتفاخرون بأنَّهم من الحيِّ الفلاني، بل يتعصَّبون في بعض الحالات لهذا الانتماء، وكانت "الجماعة" أهمَّ بنية تنظيمية في الحواضر المغربية، وكانت تقوم تقريبًا بنفس ما تقوم به اليوم المصالحُ البلدية؛ من نظافةٍ، وإنارةٍ عمومية، وصيانةٍ للطرق...
ختامًا؛ فإنَّ مؤسَّسة الجوار هي ثاني مؤسَّسة اجتماعية بعد مؤسسة الأسرة، ودورها كبيرٌ في التنشِئة الاجتماعية لأبنائنا؛ لأنها أوَّل ما يكتشفه الطفلُ من العالم الخارجي، ولها أهميَّة كبيرةٌ في التماسُك الاجتماعي، وحلقة وسيطة ورابطة للانتماء الوطني ولوحدة الأمة.
فالاهتمام بها والعمل على الرقي بمستواها مِن أوجب الواجبات على الأفرادِ والأُسَر والشعوب.

اكتب تعليق

أحدث أقدم