رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن الطاقة العربية



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
لا نَقصد بكلمة الطاقة هذا المعنى الحديث جدًّا الذي يَشغَل العالم الآن، وهو البترول والكهرباء والذرَّة والفحم وغيرها، ولكنا نَقصد البواعثَ النفسيَّة التي تَدفع إلى الإبداع والابتكار، وتوسيع آفاق المعرفة، وتنمية الحضارة بأبعادها المختلفة؛ لتكون الأرض مَسكنًا طيِّبًا للإنسان الذي اسْتخلَفه الله فيها.
الناس مَعادِن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقِهوا:
أَلقى ابن خلدون ظلاًّ كئيبًا مُضلِّلاً على العرب، عندما ذهَب في مُقدِّمته إلى أنَّهم إذا تغلَّبوا على أوطان أسرَع إليها الخراب، وهم أبعدُ الناس عن سياسة المُلك، وإنَّ المباني التي كانت تَختطُّها العرب يُسرع إليها الفساد إلا في الأقل، ومضى في أربعة فصول مِن مقدمته يَشرَح هذا المعنى ويُؤكِّده، وفَطِن الباحثون من بعده إلى أنه يَقصد البدو الرُّحَّل، أو الأعراب الذين لا وطنَ لهم ولا سكن، وربما كان ذلك كذلك مع بعض التجاوز، فمن تَحدَّث عن السياسة والمُلك والمباني والعُمران، تَجاوز نطاق البادية، والأثافي الثلاثة (حامِلة القِدر في الصحراء!)، إلى أمور لم تَشغَل في وقت ما أيًّا من البدو الساعِين وراء الكلأ حيث يُوجَد، وقيل في بعض نزعات ابن خلدون وجموحه: "إنه نشأ في وسط البربر، وهم رجال جبال حَنِقوا على العرب غزوَهم لبلادهم وركبتهم من ذلك مَرارة، ولكن البربر في هِجراتهم من وسط أوروبا - الوندال كما يُقال - ما كانوا أهل حضارة، ولكنَّهم كانوا أهل ضَراوة وبَغي وعُدوان؛ سواء في موطنهم الأوروبي الأول، أو في مقامهم الأخير بالشمال الإفريقي، والإسلام وحدَه هو الذي لانَتْ له عريكتُهم، وهبَط بهم من خشونتهم الجبليَّة إلى سُكنى المدن، وأكسَبهم عادات المُتمدِّنين، فذابوا في هذا المجتمع الجديد - الذي جاء به العرب - وكان منهم الأبطال الأفذاذ، والرجال العظام، وكذلك صنَع الإسلام بعرب الجاهلية، وكذلك يَصنع بالناس حتى يَرِث الله الأرض ومَن عليها.
التزيُّد في الرواية:
وراق لبعض القدماء وبعض المُحدَثين من الباحثين، أن يَجعل من الجاهليَّة العربية فترةَ ظلام دامِس وهمجيَّة مُتوحِّشة، حتى نَسبوا لعمر بن الخطاب: "أنَّه كان من الذين يَدفنون بناتهم أحياءً، ولو كان كذلك، ما تَمنَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يُعزَّ به الإسلام، وقد قال - عليه أزكى صلاة -: ((الناس معادن، خِيارُهم في الجاهليَّة، خيارهم في الإسلام إذا فَقِهوا))، وأصحاب هذه الروايات يُريدون أنْ يُبيِّنوا فضْل الدين الجديد على هذه البيئة المُنحدِرة إلى أعمق أعماق التخلُّف، وكيف انْتشلَها ودفَعها إلى أعلى، وإلى الأمام، حتى حَطَّمتِ الإمبراطورية الرومانية والدولة الفارسية، ومضَت إلى الهند والصين.
وقد صنَع الإسلام المعجزات؛ لأنَّه كله مُعجِزة، ولكن القوم الذين هبَطت عليهم الرسالة - أول ما هبَطت - كانوا مُؤهَّلين لها، وإذا كانت قريش عاندتْ بعض الوقت، فقد أَقبَلت يَثرب وغيرها.
لم تكن مكة قرية خِيام ومرعى أبلٍ وغَنم فقط، ولكنَّها كانت مُلتقى قوافل التجارة، ومركز تَبادُل سُكاني كبير، وكان يَفِدُ إليها التجار من الهند وجزر المحيط الهادي ومن الصين، ومن إفريقية، ويَزورها البيزنطيون والرومان والمصريُّون.
ولعل قارئًا يدور في ذهنه سؤال: إنك تُحاوِل أنْ تَنسِب نوعًا من التفتُّح الحضاري لعرب الحجاز، فماذا تقول عن متحف التماثيل والأصنام التي كانت تَعِجُّ بها مكة، وتُحيط بالكعبة، وبلَغ عددها المئات؟! أين هذا من رجاحة عقول الناس في ذلك الزمان؟!
ونقول: إن كثيرًا من طقوس هذه العبادات مُستورَد أيضًا، فمعبودهم (هُبَل)، ليس إلا الإله الإغريقي (أبولو)، وقد أحبَّه العرب جدًّا؛ لأنه كان في موطنه الأوَّل إله الشعر والشعراء، وقد قَدِم مهاجرًا إلى بيئة شاعرة، شَدْوها بالقَصيد أهمُّ ما في حياتها، (واللات) صنم يَعني اسمه باللغة النبطية: الإله، وكان يُطلَق على صخرة نَحَتتْها الريح، وربما ساعَد الإنسان لتكون على هيئة آدميَّة، وذلك بمدينة الطائف.
(والعُزَّى) التي ورَد ذكرُها في القرآن الكريم، مع غيرها من الرموز، كانت شجرة كبيرة قديمة، في وادي نخلة على طريق مكَّة العراق، وقد تَدلَّت فروع هذه الشجرة، وغاصَت منها غصون في الأرض لتُنشئ لها جذورًا أخرى، وكانت إذا الريح هبَّتْ، تَخلَّلت الفجوات النباتيَّة وأحدَثت أصواتًا استغلَّها البعض وادَّعوا أنهم سَدنة لجماعة الجن الساكنة في الشجرة.
وأهل الحجاز ومكة بخاصة لهم ذكاءٌ موفور، وخِبرة فائِقة بطبائع البشر، فهم أهل تجارة وكَسْبهم منها كثير، فلماذا لا يُوجِدون تماثيل وتهاويلَ حول الكعبة، تُرضي الزائرين والحجيج القادمين من كلِّ فجٍّ عميق؟!
إن عدد هذه الأصنام زاد عن ثلاثمائة، "وكان منها تمثال للسيد المسيح، وأمه مريم البتول، فإنَّ من بين زُوَّار مكة مسيحيين من الحبشة واليمن، وسوريا ومصر وغيرها، ألا يُرضِيهم هذا التمثال أو ذاك، فليَكن لهم ما يُرضيهم".
وماذا يحدث في مجتمع كسْبه الأكبر من التجارة العابرة إلى الشمال أو الجنوب، أو المُقيمة في انتظار الأسواق والمواسم؟ كسْب ومال.
وماذا يَصنع المال؟ التعلُّق بأسباب التَّرف على النحو الذي كان يراه التجار في رحلاتهم إلى الشمال، حتى إنَّ أحدَهم استهدى كسرى ملك الفرس طبَّاخًا؛ ليَصنع له حلوى الفالوذ أو الفالوذج التي قُدِّمت له على مائدة المَلِك، وفي عودته صنَع لأهل مكة أطباقًا من هذه الحلوى الشهيَّة، فطَعِموا وأُعجِبوا، وأضافوها إلى موائدهم، كان صاحب هذه القصة - التي رواها أبو الفرج في كتاب الأغاني - عبدالله بن جدعان، وكانت قوافل التجارة تضمُّ عروض تجارة وتَحملها آلاف الإبل، مِثل القافلة التي تَرصَّدها رسول الله - عليه الصلاة والسلام - بعد هجرته إلى يثرب، وهي قافلة كان يَقودها أبو سفيان (غير القافلة التي تَسبَّبت في حرب بدر، وغنِمها بعضُ الصحابة، وكانت تأخذ طريق مكة - العراق، ومُحمَّلة بالفضة.
ووصَف ديودورس الصِّقلي - ونقَل عنه تاريخ الشعر العربي؛ للبهبيتي - أنَّ بعض عرب اليمن كانوا يكشفون عن الذهب في سراديب أرضيَّة كوَّنتها الطبيعة، أمَّا عن حجمه، فإن أصغر ما يُعثَر عليه من شذراته يعادل النواة حجمًا، وأكبرها لا يَقلُّ حجمه كثيرًا عن الجوزة، والناس هناك يأخذون هذه الشذرات ويثقبونها، ثم يَنظمونها أساورَ وعقودًا، مُفصلين بين الحبَّة والحبة بأخرى من حجَرٍ شفَّاف.
ونحن نَعلمُ أن الرسول - صلوات الله عليه - عمِل بالتجارة صدْر شبابه، وأوَّلَ ولاية الصديق أبي بكر ذهب إلى السوق يُتاجر ليلتمِس رزقه، حتى قرَّر له وزيراه عمر بن الخطاب وعلي راتبًا ثابتًا وصَل إلى 250 درهمًا مع شاة يُؤخذ منها بطنها ورأسها وأكارعها.
وإذًا فنحن بإزاء مُجتمع حجازي، يَمتهِن التجارة، حتى أسمى بعض الباحثين المُحدَثين حكومة مكة، بأنَّها حكومة تجار وزِّعت أعباؤها على زعماء من القوم، يُجيدون التصرُّف في الأجور، وكان ذلك قبل البعثة النبوية وبعدها.
العرب خارج الحجاز:
ولكن هل كان العرب يعيشون في الحجاز فقط؟
كلاَّ، فاليمن جنوبًا وساحل الخليج شرقًا، ضمَّ بيئات عربيَّة قوية، وكان سكان اليمن أهل هِجرة، ليس سبَبُها نقصًا في الزراعة والري، ولكن إغارات الحبشة وضَعْف الحكم في اليمن، جعَل أهلها يَلتمسون الأمن في الشمال، أقصى الشمال، في فلسطين والشام، وحوض الرافدين: دجلة والفرات، وقامَت في الشام دولة الغَساسنة، وكانت عاصمتها (جِلِّق) وهي دمشق الحاليَّة، وكان آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم، الذي أرب الغزو الإسلامي في صف الرومان، ثم أسلَم، ثم ارتدَّ إلى النصرانية وكان يرتدي أزياء الملوك، وقصره وحاشيته، مما تَغنَّى به حسان بن ثابت شاعر الرسول - عليه السلام.
وكذلك الحال في الحيرة، وقد حدَّثنا عن قصورها وحياة أُمرائها، وكانت تَخضع لحكم الفرس كما كانت الشام - ومنها فلسطين - تَخضع لحكم الرومان.
ومن وحي هذه الحياة المُترفة، نستطيع أنْ نَتخيَّل المجتمع المكي وقد نَقل عن جيرانه، وأخَذ من كلِّ ذلك بنصيب، ويساعد على قيام حضارة تناسب تلك الأيام، أن مكة كانت حرَمًا آمنًا انتَفت منه الحروب، والأمن استقرار، والاستقرار عَمِل الكثير.
وفي مخطوطة قديمة تحت عنوان "الصنائع في عهد الرسول"، إحصاء لعشرات من الحِرَف، كان يُزاولها أهل مكة، وكان صُنَّاعها من الرقيق المَجلوب من أنحاء شتَّى من الأرض المُحيطة بالمجتمع العربي، وقد رُوِي أنَّ أحد سادة قريش كان يَملِك ألفين من الرقيق، ويُتاجِر فيهم، ويُنتجون الكثير من السلع.
العقائد الدينية:
لم تكن الوثنية وحدها هي دين العرب قبل الإسلام، وإن كان وثنية رقيقة، وصَل الأمر بهوانها على أصحابها إلى حدِّ أنَّ أحدَهم كان يَصنَع لنفسه إلَهًا تِمثالاً من العجوة، فإذا جَاع أكل هذا الإله.
كانت المسيحية موجودة في الشام وفي اليمن، ومما يُروى أنَّ أبرهة الأشرم، الذي حاول هدْم كعبة مكة قبل الإسلام وضلَّ سعيُه، ابتَنى في اليمن كنيسة ضخمة جدًّا، اشتَرك في إقامتها ألوف من العمال، ونقل إليها من قصْر "بلقيس" أعمدة الرخام المُجزع والحجارة المُطعمة بالذهب، ونَصَب فيها صُلبانًا من الذهب والفضة، ومنابر من العاج والأَبَنوس، وقيل: إنَّ تَماثيلَ المسيح والعذراء، بلَغ ارتفاع أحدها ستين ذراعًا، وظلَّتِ هذه الكنيسة إلى أيام العباسيين وقد حَمَلوا منها إلى بغداد كثيرًا من النفائس.
واليمن عُرِفت بالمباني المُتعدِّدة الطوابق وما تزال، مع زخرفة واجهاتها والتأنُّق فيها، يشهد بذلك كلُّ زائر لها، وقديمًا عُرِفت باسم اليمن السعيد، والسعادة تعود إليها الآن، من خلال الكفاح الدائب الذي يَخوضُه الراشدون من أبنائها.
وكانت اليهودية مَعروفة في اليمن، والصراع بين اليهودية والنصرانية بلَغ أوْجَه، وسجَّلتْه سورة البروج في القرآن الكريم، وكانت اليهودية موجودة في يثرب، وظلَّت تُشعِل نارًا عقائدية ضد الإسلام، تَصدَّى لها المسلمون في كتابهم المنزَّل، وبسيوف المُجاهدين الأوائل، حتى زالوا عن يثرب وخيبر آخر معاقِلهم.
وفي فجْر الإسلام لأحمد أمين:
"نشَر اليهود في البلاد التي نَزلوها في جزيرة العرب تعاليمَ التوراة، وما جاء فيها: من تاريخ خلْق الدنيا، ومن بعْث وحساب وميزان، ونَشَروا تفاسيرَ المُفسِّرين للتوراة، وما أحاط بها من خُرافات، كالتي أَدْخلها - بعدُ - من أسَلَم مِن اليهود؛ مثل: كعب الأحبار، ووهب بن مُنبه، وأضرابهما في كُتب المسلمين، وكذلك كان لليهود أثرٌ كبير في اللغة العربية، فقد أدْخلوا عليها كلمات كثيرة، لم يكن يَعرفها العرب، ومُصطلحات دينيَّة لم يكن لهم بها عِلم؛ مثل: جهنم والشيطان وإبليس، ونحو ذلك.
ونحن نَختلف مع أستاذنا أحمد أمين - رحمه الله - فإنَّ اليهود لم يُدوِّنوا في تَوراتهم شيئًا عن الحياة الآخرة، ولا أدْخلوها في الوصايا العشر بصيغتَيها، وكل ما ورَد عندهم أنَّ الميِّت منهم يذهب إلى (الهاوية)، ولعلَّ سبب إغفالهم للحياة الآخرة والبعث، أنَّها كانت من عقائد قدماء المصريين، وعنادًا مع المصريين لم يُريدوا اعتناقَ أحد مذاهبهم.
وعلى الرغم من أنَّ المجوسية لم تَجد لها رَواجًا بين العرب، فإنه قد نشأت بين قوم - هم الفرس - تَنضَح أرضهم بترولاً يَشتعِل، فلا يجدون لذلك تعليلاً، ووصلوا إلى أنَّ العناصر الطاهرة أربعة هي: الماء، والهواء، والنار، والتراب؛ ولهذا لا يَنبغي دفن الموتى تَحت التراب، ولا تنجيس الماء الجاري، وإنَّ روح الخير تَظلُّ تدفع رُوح الشر حتى تتغلَّب عليها، هذه التعاليم المجوسية كانت من التعقيد بحيث لا تَهضِمها معدةُ العرب، فانْصرَفوا عنها، ليَظهرَ بينهم قبْل الإسلام مُوحِّدون وحَنِيفِيُّون؛ مثل: زيد بن عمرو، وورقة بن نوفل، وأميَّة بن أبي الصلت، الذي حقَد على سيِّدنا محمد حقدًا عظيمًا؛ لأنَّ الرسالة هبَطت عليه، وكان يتمنَّاها، وحارَب الإسلام مع أبي سفيان، ثم مات كافرًا في معركة حنين.
وكانت الأسواق مواسم للتبشير بهذه الأديان جميعًا، يُرحِّب أهل الحجاز بدُعاتها، ولا يَضيقون بهم، حتى الذين يَعيبون الأصنام منهم، ما دامت سوق التجارة رائجةً والكسب موفورًا.
فلما جاء الإسلام:
جاء الإسلام فآمَن به العرب، وآمن به ملايين من أهل آسيا وإفريقيا وأجزاء من أوروبا، والإسلام يُعطي أحبابه شِحنات قويَّة من الفِكر والدعوة للعمل وللعِلم، وقد شُغِل بدعوته كلُّ مَن قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وما كان يمكن أن يضعَ الدين الجديد أساسًا لمجتمع الحضارة، فيَبنيها الفرس أو المصريون، أو الهنود، ويتخلَّف عنها العرب، ويكونوا كما وصَفهم ابن خلدون، بأنهم مُخرِّبون، لا يَستقيم بوجودهم عُمران، فهذا افتراء لا شكَّ فيه، ونزعة شعوبيَّة حادة، قالها عالَم عظيم مثل ابن خلدون، مع أنَّه من أصْل يَمني، ولم تَجرِ في عروقه دماء بربريَّة كما يَظنُّ البعض.
لقد طوَّع الإسلام نفْس مُعتنقِيه للتطلُّع والسعي وراء حياة أفضل باستمرار، وفي سبيل الأهداف النبيلة تَهون المشقة، وتُستعْذَب التضحية، التضحية بالروح إذا جَدَّ الجد.
طلَب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من عمرو بن العاص أنْ يصِف له البحر، فكان من بين أوصافه أنَّ راكبه يُشبِه (دودًا على عود)؛ أي: إنَّه لا يَستقرُّ لراكبِه قرارٌ، فهو في خطر أين ولَّى وجْهه، وقد أَقلَق هذا الوصفُ عمر، فأمَرَ - حرصًا منه على المسلمين - بألا يَركَب أحد من قومه هذا الكافر - أي: البحر - وسواء صحَّت هذه الرواية، أو لم تَصحَّ، فإنَّ العرب بعد ذلك ركبُوا البحر جسورين، وغزَت أساطيلهم جُزر البحر المتوسط جميعًا؛ مثل: قبرص، وصقلية، ومالطة، وغيرها، وجعل حُكم (الأغالبة) في تونس من البحر المتوسط، بُحيرة عربية.
وذهَب العرب في فتوحهم الأوروبيَّة إلى ليون في قلب فرنسا، وإلى سويسرا، وركبوا جبال الألب، وظلُّوا يَتحكَّمون في مَمرَّات هذه الجبال ثَمانين سنة، لا يذهب حاجٌّ مسيحي إلى روما، أو يعود منها إلا بتصريح مَختوم من العرب حُرَّاس القمم الثلجيَّة ومسالكها الوعرة، هذا العربي القادم من صحراء تُلهِب شَمْسها الأحياء والأشياء، استطاع أنْ يَتعايشَ مع الجليد ودرجة حرارته تحت الصفر كثيرًا، وإذا كانت كُتُبنا الدراسية قد وقَفت بالفتوح العربية الأولى عند "تور أو بواتييه"، فقد جاء الوقت لتصحيحها، بعد أنْ ظَهرت مراجع جديدة دوَّنها رُهبان المسيحيَّة في العصر الوسيط، وصفتِ المدَّ العربي، وأَحكَمت وصفَه، والفضل للأمير شكيب أرسلان - رحمه الله - إذ أمدَّنا بما ورَد في هذه المراجع.
(طوَّع الإسلام نفْس مُعتنقِيه للتطلُّع إلى حياة أفضل).
(نحن العربَ شعبُ حضارة أصيلة وأمَّة مَوهوبة).
وفي رأينا أنَّ العرب والمسلمين جميعًا، إذا أخذوا من الإسلام لُبَّه في باب التعامل مع الحياة، إلى جانب أبواب العبادات، فإنَّ الطريق يُفتحُ أمامهم لإعادة أمجادهم؛ وذلك لأنَّ العبادة علاقة بين الفرد وربِّه، أمَّا المعاملة، فعلاقة بين الإنسان والإنسان، وبينه وبين الطبيعة، والإسلام هو مجموع العلاقتين.
وفي فجر يَقَظتنا الحاليَّة، نَجد أمامنا ثروات وضَعَها الله بين أيدينا لا يَنضَب لها مَعينٌ، إنَّ بَترول الخليج لا تقلُّ عنه أهميَّةً مناجمُ الحديد والزنك والرصاص في المغرب والجزائر وموريتانيا، ونَهر النيل ودجلة والفرات بمواردها المائية، نعمة الله الكبرى، التي تَروي جزءًا من شعوبنا ومن أرضنا، وهي أيضًا مصدر للطاقة الكهربائية والماء الثقيل - الذي تُصنع منه القنبلة الذرية - وفي أماكن كثيرة من بلادنا يُوجد الحَجَر الجيري الذي يُصنع منه الأسمنت وغيره، ويوجد الفُوسفات بكميَّات كبيرة، ويوجد المِلح، وهل نَنسى مورد المواصلات وموقعنا الجغرافي الفريد.
وشبابنا الآن يَندفِع للأخذ بالأساليب العلميَّة الحديثة، أو ما نُسمِّيه التكنولوجيا أو التقنية، ولا بدَّ من إتاحة الفرصة لهذه الجيوش العلميَّة؛ كي تُحقِّق ذاتها وتَعمل، بدلاً من أنْ يَمتصَّ الغرب طاقتَها مقابل الأجْر المُغري والعناية المبذولة.
فإذا حدَث هذا، فإنَّ الله سوف يُعيننا على قطْع آماد التخلُّف الماضية في أسرع وقتٍ وأيسَره.
نحن العربَ شعب حضارة أصيلة، وقد امتزَجت دماؤنا مع كثير من الشعوب، فلم تَزدنا إلا قوة، فلنَتفاءل ولنُقدِم، وعندها سوف تتطلَّع روح ابن خلدون لنا في هشَّة، وتقول: "هل أنتم العرب حقًّا، لقد أخطأتُ في تَقييمي لكم".
ويَكفينا في آخر المقال أنْ نُقدِّم شهادة مُنصِفة وردتْ في كتاب "بحاضر العالم الإسلامي"؛ للعالم الأمريكي "لوثرب ستودارد"، قال:
"ما كان العرب قط أمة تُحب إراقة الدماء، وتَرغب في السَّلب والتدمير، بل كانوا آمة موهوبة مُتميِّزة بالخُلق الكريم والسجايا الحميدة، تَوَّاقة إلى ارْتشافِ العلوم، تَستخلِصها مما انتهت إليها الحضارات القديمة، وما أنْ دخلَت الأمم التي رفعتْ راية الإسلام في هذا الدين، حتى شاع التزاوج، ونشأت حضارة جديدة، رحيقُها من عصير ما وصَل إليه اليونان والفرس والرومان، وما لبِث العرب أنْ نفَخوا فيه رُوحًا جديدة، وألقَوا بين عناصره، وأضافوا إليه من روح الإسلام، فاتَّحدت عناصره، وتَماسَكت، وعلَت علوًّا مُشرِقًا كبيرًا، سارت ممالك الإسلام ثلاثة قرون من تاريخها أحسنَ سَيْر، فكانت أكثر بلاد الدنيا حضارة ورُقيًّا وعُمرانًا، فأقامت المدن الزاهرة والحواضر العامِرة، والمساجد الفخمة، والجامعات العلميَّة المُنظَّمة، وفيها حكمة القدماء ومُختَزن علْمهم، وكان هذا يشعُّ إشعاعًا باهرًا، ومن هذا الضياء استمدَّ الغرب نوره، وما لَبِثت أضواء الشرق أنْ بَهِتت، ثُم أفَلتْ شموسه وكواكبه، ولفَّه ليلٌ طويل مُظلِم".
هذا الليل بدأ يَنجابُ الآن، وأضواء فجر جديد تُطلُّ علينا بإيماننا وجُهدنا وعَرقنا، والله هو الموفِّق وهو الهادي.

اكتب تعليق

أحدث أقدم