رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن التوسل



بقلم \ الكاتب و المفكر العربى الدكتورخالد محمود عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
التوسُّل المشروع: التوسُّلُ إلى الله تعالى بأسمائِه وصفاته، والتوسُّل إلى الله تعالى بالإيمانِ وبالأعمال الصالحة، والتوسل إلى الله تعالى بتوحيده.
قال الجوهري في الصحاح:
الوسيلة: ما يتقرَّب به إلى الغير، والجمع: الوَسِيل والوسائل، والتوسيل والتوسل واحد، يقال: وسَل فلان إلى ربه وسيلةً، وتوسَّل إليه بوسيلة؛ أي: تقرَّب إليه بعمل.
وقال ابن منظور:
الوسيلة: المنزلة عند الملك، والوسيلة: الدرجة، والوسيلة: القربة، ووسَل فلان إلى الله وسيلةً: إذا عمِل عملاً تقرب به إليه، والواسل: الراغب إلى الله، قال لَبِيد:
أرى النَّاسَ لا يدرون ما قَدْرُ أمرِهم
بلى كلُّ ذي رأيٍ إلى اللهِ واسِلُ
وتوسَّل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل، وتوسل إليه بكذا تقرب إليه بحرمة آصرة تعطِفُه عليه، والوسيلة: الوصلة والقربى، وجمعُها الوسائل؛ قال الله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ﴾ [الإسراء: 57].
والجمع: الوُسُل والوسائل، والتوسيل والتوسُّل واحد، وفي حديث الأذان: ((اللهم آتِ محمدًا الوسيلة))، هي في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرَّب به، والمراد به في الحديث: القرب من الله تعالى، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هي منزلة من منازل الجنة، كما جاء في الحديث.
وقال الألباني - رحمه الله -:
إن لفظة (التوسل) لفظة عربية أصيلة، ورَدَت في القرآن والسنَّة وكلام العرب من شعر ونثر، وقد عُنِي بها التقرُّب إلى المطلوب، والتوصُّل إليه برغبة، قال ابن الأثير في (النهاية): (الواسل: الراغب، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصَّل به إلى الشيء، ويتقرَّب به، وجمعها: وسائل)، وقال الفيروزآبادي في (القاموس): (وسَّل إلى الله تعالى توسيلاً: عمِل عملاً تقرَّب به إليه، كتوسَّل)، وقال ابن فارس في (معجم المقاييس): (الوسيلة: الرَّغبة والطلب، يقال: وسَل إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله عز وجل، وهو في قول لَبِيد:
أرى الناسَ لا يدرونَ ما قَدْرُ أمرِهم
بلى كلُّ ذي دِينٍ إلى الله واسلُ
وقال الراغبُ الأصفهاني في (المفردات):
(الوسيلة): التوصُّل إلى الشيء برغبةٍ، وهي أخصُّ من الوصيلة؛ لتضمُّنِها لمعنى الرغبة؛ قال تعالى: ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ [المائدة: 35]، وحقيقةُ الوسيلةِ إلى الله تعالى: مراعاةُ سبيله بالعِلم والعبادة، وتحرِّي مكارِمِ الشَّريعة، وهي كالقُربة، والواسِلُ: (الراغب إلى الله تعالى).
وقد نقَل العلاَّمة ابنُ جَرير هذا المعنى أيضًا، وأنشَد عليه قولَ الشاعر:
إذا غفَل الواشُونَ عُدْنا لوَصْلِنا
وعادَ التَّصافِي بَيْنَنا والوسَائلُ
هذا، وهناك معنًى آخرُ للوسيلة، وهو المنزلةُ عند الملِك، والدرَجة والقُرْبة، كما ورَد في الحديث تسميةُ أعلى منزلةٍ في الجنة بها، وذلك هو قولُه صلى الله عليه وسلم: ((إذا سمِعتُم المؤذِّن، فقولوا مِثلَ ما يقولُ، ثم صلُّوا علَيَّ؛ فإن مَن صلَّى علَيَّ صلاةً، صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سَلُوا اللهَ لي الوسيلةَ؛ فإنها منزلةٌ لا تَنْبغي إلا لعبدٍ مِن عباد الله، وأرجو أن أكونَ أنا هو، فمَن سأل لي الوسيلةَ، حلَّتْ له الشفاعةُ))؛ رواه مسلمٌ وأصحاب السُّنن وغيرهم.
بيان معنى التوسل: هو المعروف في اللغة، ولم يخالِفْ فيه أحد، وبه فسَّر السلفُ الصالح وأئمَّة التفسير الآيتينِ الكريمتينِ اللتين ورَدَت فيهما لفظة (الوسيلة)، وهما قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 35]، وقوله سبحانه: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء: 57].
فأما الآيةُ الأولى، فقد قال إمامُ المفسِّرين الحافظ ابن جَرير - رحمه الله - في تفسيرها: (يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله فيما أخبَرهم ووعَد من الثواب وأوعَد من العقاب، ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ يقول: أجيبوا اللهَ فيما أمَركم ونهاكم، بالطاعةِ له في ذلك، ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾: يقول: واطلُبوا القُربةَ إليه بالعملِ بما يُرضِيه.
ونقَل الحافظُ ابن كثير عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن معنى الوسيلةِ فيها القربةُ، ونقَل مِثل ذلك عن مجاهدٍ وأبي وائل والحسَن وعبدالله بن كثير والسُّدِّيِّ وابن زيد وغير واحد، ونقَل عن قتادةَ قوله فيها: (أي: تقرَّبوا إليه بطاعتِه والعملِ بما يرضيه)، ثم قال ابنُ كثير: (وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمَّةُ لا خلافَ بين المفسِّرين فيه، والوسيلة هي التي يُتوصَّلُ بها إلى تحصيلِ المقصود) انتهى.
وعن أبي عبدالرحمن عبدالله بن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((انطلق ثلاثةُ نفَرٍ ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيتُ إلى غارٍ فدخلوه، فانحدرت صخرةٌ من الجبل فسَدَّت عليهم الغارَ، فقالوا: إنه لا يُنجيكم من هذه الصخرة إلا أن تَدْعوا اللهَ بصالح أعمالكم.
قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوانِ شيخان كبيران، وكنت لا أغبُقُ قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلَبُ الشجر يومًا فلم أُرِحْ عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غَبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظَهما وأن أغبُقَ قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقَدَح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برَق الفجر، والصِّبية يتضاغَون عند قدمي، فاستيقظا فشرِبا غَبوقهما، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروجَ منه.
قال الآخَر: اللهم إنه كانت لي ابنةُ عمٍّ، كانت أحب الناس إلي، وفي رواية: كنت أحبُّها كأشدِّ ما يحبُّ الرِّجال النساء، فأردتُها على نفسها فامتنعت مني، حتى ألَمَّت بها سَنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عِشرين ومائةَ دينار على أن تخلِّيَ بيني وبين نفسها، ففعلَتْ، حتى إذا قدرتُ عليها، وفي رواية: فلما قعدتُ بين رِجْليها، قالت: اتَّقِ الله ولا تفُضَّ الخاتَم إلا بحقه، فانصرفتُ عنها وهي أحبُّ الناس إليَّ، وتركت الذهب الذي أعطيتُها، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافرُجْ عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرةُ، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
وقال الثالث: اللهم استأجرتُ أُجَراءَ، وأعطيتهم أجرَهم، غيرَ رجل واحد ترَك الذي له وذهب، فثمَّرت أجره حتى كثُرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبدالله، أَدِّ إلَيَّ أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبدالله، لا تستهزئ بي، فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كلَّه فاستاقه فلم يترك منه شيئًا، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك؛ فافرُجْ عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرةُ، فخرَجوا يمشون))؛ متفق عليه.
ففي هذا الحديث دليلٌ على قدرةِ الله - سبحانه وتعالى - في إزالة الهموم، وتفريج الكربات، وأن اللهَ - جل شأنُه - سميعُ الدعاء، وأنه يستجيب لعبادِه حين يَدْعونه ساعةَ الشِّدَّة والكَرْب.
وأن الإخلاصَ لله سبحانه في العبادة والطاعة، والتوكل والتقوى، والخوف والرجاء، والابتعادَ عن الرِّياء في العمل - سببٌ عظيم من أسبابِ استجابة الدعاء، وإزالة الهموم، وتفريج الكربات.
وفيه دليلٌ على أن الدُّعاءَ الخالص لله، والتوسُّل بصالح الأعمال من الأمورِ المستحبَّة، التي تتجلَّى من خلالها عظَمةُ الخالق جل وعلا، وتظهر سحائب رحمته وعفوه وغفرانه على عباده المخلِصين.
قال في دليل الفالحين:
في الحديث استحبابُ الدعاء حال الكرب، والتوسُّل بصالح العمل، كما تقدم فيه.
وفيه فضيلةُ بِرِّ الوالدين، وفضل خدمتهما، وإيثارهما على مَن سواهما من الولَد والزوجة، وفيه فضلُ العفاف أو الانكفاف عن المحرَّماتِ، لا سيَّما بعد القدرة عليها والهمِّ بفعلها، وترك ذلك خالصًا.
وفيه جواز الإجارة بالطعام، وفضل حُسن العهد، وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملة، وإثبات كراماتِ الأولياء، وهو مذهبُ أهل الحق.
ولا حُجة فيه على جوازِ بيع الفضولية؛ لأن ما ذُكِر في شَرع مَن قبلنا، وفي كونه حجةً: خلافٌ، وعلى تقدير الحجة، فلعله استأجره بأجرةٍ في الذِّمة كما أشرنا إليه ولم يسلِّمْها له، بل عرَضها عليه فلم يقبَلْها لرداءتها، فبقِيَت على ملك المستأجر؛ لأن ما في الذمة لا يتعيَّنُ إلا بقبض صحيح، ثم إن المستأجر تصرَّف فيه؛ لبقائه على ملكه، فصحَّ تصرُّفه فيه، ثم تبرَّع بما اجتمع منه على الأجير بتراضيهما، قال الخطابي: إنما تطوَّع به صاحبُه تقربًا به إلى الله تعالى؛ ولذا توسَّل به للخلاص، ولم يكن يلزَمُه في الحُكم أن يعطيَه أكثَرَ مِن القَدرِ الذي استأجره عليه؛ فلذا حُمِد فِعله، والله أعلم.
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم بعِلمِك الغيبَ، وقدرتِك على الخَلْقِ، أحْيِني ما علِمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا علمتَ الوفاة خيرًا لي، اللهم وأسألُك خشيتَك في الغيب والشَّهادة، وأسألك كلمةَ الإخلاص في الرِّضا والغضب، وأسألك القصدَ في الفقر والغِنى، وأسألُك نعيمًا لا ينفَدُ، وأسألك قرَّةَ عين لا تنقطع، وأسألك الرِّضا بالقضاء، وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذَّةَ النظرِ إلى وجهك، والشوقَ إلى لقائك، في غيرِ ضرَّاءَ مُضرَّةٍ، ولا فتنةٍ مُضلَّةٍ، اللهم زيِّنَّا بزينةِ الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين))؛ رواه النَّسائيُّ والحاكمُ عن عمار بن ياسر.

اكتب تعليق

أحدث أقدم