رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن الجمال



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أنه عندما نتحدث عن جمال الإسلام منهجا لحياة الناس، بعيدا عن تحريفات الغالين، وانتحالات المبطلين، وتأويلات الجاهلين، فإننا نتحدث عن أثر من آثار جمال الله الذي لا منتهى لجماله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ذلك الجمال الذي أبصر آثاره المبصرون، واستشعر عظمته العاقلون، فهو - سبحانه - الذي خلق الإنسان فجمل خلقته؛ كما قال - تعالى -: ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) فلا يتصور أن يشرع لعباده إلا ما يتناسب وجماله - سبحانه -، وما يتلاءم وما أخبر أنه جاعل دينه عليه من تمام الكمال والجمال، حيث قال - تعالى -: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) وقال: (ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) ، وقال: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)[4]. وقال: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين) ، وحسن القول ـ لا شك أنه ـ من حسن المقول.
وأكد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى في عموم أمر الله وشرعه فقال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء...)) ولا يتصور ـ كذلك ـ أن يشرع - سبحانه - من الدين إلا ما يتمم جمال الإنسان، ويكمل فطرته وعقله وحياته؛ ليزداد جمالاً إلى جماله، ونوراً إلى نور فطرته وعقله. وهو ما ضرب الله - تعالى -له المثل فقال: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم) يقول العلماء في معنى قوله - تعالى- في ختام الآية: ( نور على نور) إنه نور الإسلام على نور الفطرة. ويؤيده قوله - تعالى-: ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( ما من مولود إلا يولد على الفطرة... )). وقوله: ((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)) .
فالفطر السليمة والعقول الراشدة المستقيمة، عندما تتلقى دعوة الإسلام، فإنها تبادر على الفور لقَبولها، وتسارع للاستجابة لها، بما تدركه من عظمة الإسلام، وبما تبصره من جماله الذي يتناسب وجمالها، وشبيه الشيء بالشيء منجذب إليه لا محالة.
ويكفي مثالا لذلك: إسلام أعظم رجلين في أعظم موقعين، كانا ولا يزالا مانعين لكثير من الناس من قبول الإسلام والاستجابة لدعوته.
أما أحدهما: فالصحابي الجليل "عبد الله بن سلام" سيد اليهود وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، الذي تحدث عن بوادر إسلامه فقال: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: (( يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام))
وأما الثاني: فالنجاشي ملك الحبشة، الذي عرض عليه جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - الإسلام أجمل عرض، وقد تبعه ومن معه من المهاجرين رجلان بالهدايا لإغراء النجاشي بتسليمهم لقريش، حيث قال له جعفر: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، "فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام " ـ فعدد عليه أمور الإسلام ـ فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من (سورة مريم) فبكى النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، [وقال للرجلين] انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكم أبدا، ولا أكاد
فأنت ترى كيف أدرك الرجلان - رضي الله عنهما - جمال الإسلام وعظمته بما أكرمهما الله به من سلامة الفطرة ورشاد العقل، مع عظم ما يشغلانه من منصب ومكانة.
فأما "عبد الله بن سلام" فأول ما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبصر جمال الإسلام في جمال وجهه، حيث قال: "فلما استبنت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب" وتلك أولى أمارات صدق الإسلام في قلوب أصحابه، تتبدى لمن يراهم لأول مرة؛ لأن للحق ضياء في القلب ونورا في الوجه، وإن كان صاحبه أسود أو غير جميل في خلقته.
يقول ابن القيم: "إن المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه، فمن رآه هابه، ومن خالطه أحبه، وهذا أمر مشهود بالعيان؛ فإنك ترى الرجل الصالح ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة، وإن كان أسود أو غير جميل" وصدق القائل إذ قال في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لولم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر".
فلما سمع "عبد الله" دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - الداعية إلى السلام، والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، وإفراد الله - تعالى- بالعبادة دون سواه، مما تستحسنه الفطر السليمة بطبيعتها، حينها أخذ جمال الإسلام بمجامعه، وخالطت بشاشته شغاف قلبه، فكان أن أعلن إسلامه؛ كما ورد خبر إسلامه في رواية أخرى
وكذلك "النجاشي" في سماعه لذلك العرض الجميل لمحاسن الإسلام وجماله من قبَل الصحابي الجليل الذي انتدبه النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه المهمة لكفاءته وأهليته وقدرته على القيام بها أحسن قيام، حيث ذكر ما كانوا عليه في الجاهلية من عبادة الأصنام، وجهل بخالقهم ومعبودهم الحق، وما كانت عليه أخلاقهم وصلاتهم الاجتماعية من تفكك وانفصام؛ مما تلظوا بحره، وعاشوا الويلات والحروب من جرائه، فأصبحوا في شقاء وتعاسة وخطر يرجون الخلاص منه، فأكرمهم الله - تعالى -ببعثة هذا النبي الكريم، الذي دعاهم إلى ما يتفق وفطرة الله التي فطرهم عليها، وما تتوق إليه نفوسهم من هناء الإسلام وسعادته وجماله، بعد تعاسة الجاهلية وشقائها.
وقرأ عليه من صدر (سورة مريم) في شأن عيسى - عليه السلام - ما أدرك أنه الحق الذي تقبله الفطر السليمة والعقول الراشدة المستقيمة، وتلك أمارات حبه للإسلام ودخوله فيه، الذي أكده النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة عليه يوم وفاته
والإسلام كله عظمة وجمال، ومهما يحاول أحد أن يعدد محاسنه فلن يبلغ لذلك حدا؛ لأن جماله من جمال الله - تعالى- الذي لا منتهى لجماله.
يقول ابن القيم: "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل"
وإن كان من جانب يُستدل به على غيره من جوانب الإسلام في جماله وعظمته ـ وكله عظمة وجمال ـ فجانب تشريعاته تجاه خصومه وأعدائه سلما وحربا.
فمن ذلك: أمره - تعالى -بإقامة العدل مع أي كان، فلا ظلم على أحد في شريعة الإسلام وإن ناصبها العداء، وتكرر التوجيه بهذا الأمر تأكيدا عليه في نصوص كثيرة، منها قوله - تعالى -: (يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) وقوله - سبحانه -: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) وأوجبت شريعة الإسلام البر بالوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجار، ولم تسقط أي حق من ذلك، وإن كان صاحبه على غير دين الإسلام.
وأمر الله - تعالى -ببذل الخلق الحسن في جملته للناس جميعا، حيث قال: ( وقولوا للناس حسنا). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في وصيته لمعاذ - رضي الله عنه - حين أرسله إلى اليمن: (( وخالق الناس بخلق حسن)) وكان أهل اليمن نصارى؛ كما في الصحيحين.
وقال - تعالى -: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم)
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوصي أمراء الجيش في القتال: (( أن لا يقتلوا صبياً ولا امرأة، ولا شيخاً كبيراً ولا عابداً في صومعته، ولا يقطعوا شجراً))
وحرم التعرض للمعاهَدين بالأذى، وتوعد على مخالفة ذلك حيث قال: (( من قتل معاهَدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما))
فهذا غيض من فيض، وقليل مما لا يمكن للعبارة الوفاء به في التعبير عن جمال الإسلام الذي لا يبلى وحسنه الذي لا يفنى، جعله الله عزا للمسلمين في التمسك بدينهم، ودافعا لترجمته للناس، بما يبلغهم دعوته، ويكون سببا في دخوله واعتناقه.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

اكتب تعليق

أحدث أقدم