مملكة القلب: حيث لا سلطان إلا للغيب
بقلم: فاطمة زيدان
محاضر بالجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا
والباحثة في التاريخ والتراث
في كل مرة أعود فيها إلى الرافعي، تستوقفني عباراته كما لو أنها كُتبت في لحظة صدق نادر أدرك فيها أن بعض النصوص لا تُقرأ، بل تُحاكم بها النفس؛ لأنها تلامس القلب، وتُربك اليقين، وتضع الحقيقة أمامنا بلا زيف وتجميل. وكعادتي أتساءل...
أين يقف حق الإنسان في الحكم وأين يبدأ سر القلب الذي لا يطلع عليه إلا الله؟
لا يضع الرافعي كلماته اعتباطًا، ولا ينتقل بين أفكاره انتقالًا عابرًا؛ بل يبني المعنى لبنة فوق أخرى، حتى يصل بنا إلى حقيقة إنسانية شديدة وواضحة.
فحين يقول في المساكين إن الله تعالى " والله تعالى يصيب الناس بنياتهم؛ إذ هي حقائقهم الصريحة، وإذ هو وحده المطَّلِع عليها." ، فهو يحسم القضية من منظور أعلى ويقول: النية هي الإنسان كما هو، لا كما يبدو والحقيقة لا تُقاس بالمظهر ولا بالكلام،
والحكم العادل لا يملكه إلا من اطلع على السرائر.
لكن الرافعي لا يكتفي بهذا الحكم الإلهي القاطع، بل ينتقل منه انتقالًا بالغ الإنسانية إلى واقع البشر، كما نراه في رسائل الأحزان. وكأنه، بعد أن سلم الميزان لله وحده، عاد ليضع الإنسان أمام إنسانيته العارية الفاضحة، قلب له باطن، وأسرار لا تُقال، ومناطق صامتة لا تُشرح.
حين يقول:
" ومادام لكل امرئ باطن لا يشركه فيه إلا الغيب، ففي كل إنسان تعرفه إنسان لا تعرفه"، فهو لا يبرر الغموض ولا يدعو إلى الخداع، بل يعترف بحقيقة نفسية ثابتة: أن الإنسان أوسع من صورته، وأعمق من روايته عن نفسه. وأن ما لا يُقال ليس بالضرورة كذبًا، بل قد يكون عجزًا، أو خوفًا، أو احترامًا لضعف داخلي لا يحتمل الكشف. أو التعري أمام الآخرين.
هنا تتلاقى الفكرتان؛ فالنية التي لا يراها إلا الله هي ذاتها القلب الذي لا يحق لأحد اقتحامه وإذا كان الله وحده يُحاسب على الباطن، فليس من حق البشر أن يطالبوا الإنسان بتعرية قلبه، أو أن يحاكموا صمته، أو أن يشككوا في صدقه لأنه لم يقل كل شيء. ولا يعني ذلك أن النوايا دائمًا حسنة؛ فالقلوب تُخطئ، وتضعف، وتلتبس عليها مقاصدها.
لذلك يا صديقي وجب عليك أن تعامل الناس بما يظهر منهم،
وأترك باطنهم لرب يعلم، ويُصلح، ويُجاهد معه العبد نفسه.
ومع ذلك، فحين تفضح النوايا الخبيثة نفسها في الألفاظ والأفعال، يصبح الحذر واجبًا، ويغدو البُعد عنها حفظًا للنفس لا سوء ظن.
فالرافعي، في هذا الربط غير المباشر، يدعونا إلى قدر من الرحمة في الفهم، والتواضع في الحكم، والوعي بأن المعرفة بالإنسان تظل دائمًا ناقصة.
ومهما اقتربنا، سيبقى في الداخل ما لا يُمس، وما لا يُقال، وما لا يُعرف… إلا للغيب.
فإذا كانت النيات لا يراها إلا الله والقلوب لها أسرار لا تُقال،
فبأي حق يحاكم الإنسان الآخر على ما لم يُكشف له منه؟
وفي الأخير.. فلتعلم يا صديقي
أن عطاء الله أوسع من ضيق القلوب، وأن رحمته سبقت كل حكم، وشملت الخلائق جميعًا. فلا تجعل من حذرك قسوة ولا من وعيك تباغضًا،
ولا من ابتعادك كرهًا. يكفيك أن تحفظ نفسك وتترك ما وراء ذلك لرحمة تعرف كيف تُصلح، وتُهذب، وتغفر إلى أن ترد القلوب إلى خالقها.
إرسال تعليق