رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن التكوين الجسدى



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الإنسان يمر منذ تكوينه في مراحل نمو مختلفة، لكل منها خصائص جسمية وعقلية ونفسية واجتماعية ينبغي أن تراعى عند تربية الإنسان وتوجيه نموه. ولقد سبق الإسلام في العناية بالفرد من قبل تكوينه كما عني عناية فائقة بإتاحة الفرصة لنموه النمو السليم، وفيما يلي نحاول تحديد مختلف مراحل نمو الإنسان، فقد قسمنا مراحل نمو الإنسان إلى عدة مراحل:
مرحلة التكوين الجسدية:
إذا فهمنا التربية بأنها - في جوهرها - عملية مقصودة لتنميه الفرد وتوجيه سلوكه بهدف تحقيق أهداف معينة، وأن المؤسسات التربوية ينبغي أن تتخذ كافة السبل لإحداث تلكم التنمية وذلكم التوجيه، فإنا نجد أن نظرة الإسلام إلى تربية الفرد غير مسبوقة في أنها بدأت العناية بالفرد قبل تكوينه في حين وجهت اهتماماً خاصاً إلى مرحلة التهيئة للتكوين السليم قبل الزواج، حيث يتم فيها اختيار الزوج لزوجته والزوجة لزوجها، والأساس الأول للاختيار في الحالين -وفق نظرة الإسلام- هو التمسك بمنهج الله. حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ[1]، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)) [2]، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَابُورَ الرَّقِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْصَارِيُّ، أَخُو فُلَيْحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ ابْنِ وَثِيمَةَ النَّص-ريِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)) [3].
وإذا كان كل من الزوجين على دين، فإن كل طرف منهما سوف يتقي الله في معاملته للطرف الآخر. وفي رعايته له، وفي تربية أولاده، وفي التعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي البعد عن المحرمات مثل شرب المسكرات وتبديد المال والتحيز لبعض الأولاد، إلى غير ذلك من دروب التمسك بالعمل الصالح، والبعد عن جميع ما يحيد عنه. وأسرة هذا شأنها تكون منبتا حسنا للأولاد.
فإن العلم الحديث يضيف كل يوم جديدًا لأثر الوراثة التي يورثها الآباء والأجداد والأسلاف للأولاد من حيث الخصائص الجسمية والأمراض، وغير ذلك من مكونات الشخصية، وهذا يوضح الحكمة من توجيه الله للمسلمين إلى دقة الاختيار، والاختيار من ذوي الدين لما لذلك من أثر في نقاء الجسم والعقل والنفس من الأدران، والبوائق.
ومن أهم جوانب حرص الإسلام على تكوين الجنين تكوينا سليمًا أن خص المرأة الحامل بحقوق تكفل لها الراحة البدنية والنفسية. والتغذية المناسبة، والرعاية الصحية الملائمة. كما رخص للحامل بالفطر في رمضان مع القضاء عند الاستطاعة، وغير ذلك من الحقوق التي نبعت من مفهوم الإسلام عن الإنسان والكون والحياة، والتي تهيئ للجنين التكوين السليم.
مرحلة الرضاعة:
وتمتد من لحظة الولادة إلى أن يتم الطفل سنتين كاملتين من العمر، وحرصًا على الرضاعة الطبيعية، يؤكد الإسلام على ضرورة إعطاء الأمهات أجورهن عن الرضاعة، كما يؤكد على ضرورة إيجاد مرضعة أخرى للطفل إذا لم ترضعه أمه، وأن تكون الرضاعة حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة قال تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [البقرة: 233][4] أي على جميع الوالدات مطلقات كن أو غير مطلقات أن يرضعن أولادهن مدى حولين كاملين لا زيادة عليهما، وقد تنقص المدة إذا رأى الوالدان أن في ذلك مصلحة، والأمر موكول إلى اجتهادهما[5].
ومن عناية الإسلام بالطفل في مرحلتي الحمل والرضاعة أنه رخص للحامل وللمرضع بالإفطار في الصوم إذا لم يطيقانه مع القضاء عند الاستطاعة، كما وجه رسول الله بتأجيل الحد عن الحامل حتى تكفل وليدها.
ومما يوضح حكمة تأكيد الإسلام على ضرورة رضاعة الطفل رضاعة طبيعية ما يتنادى به الأطباء في عصرنا هذا أن الرضاعة الطبيعية للطفل وقاية له من الكثير من الأمراض، وأفضل له من حيث نموه مما سواها.
وما يوضح أهمية عناية الإسلام بتوفير المرضعة المناسبة للطفل في هذه المرحلة، حتي تعنى بالوفاء بحاجاته الأساسية، وبراحته ونظافته... ما أكدته بحوث الأطفال من أن صلة الطفل بالعالم الخارجي في هذه المرحلة تكون من خلال حاجاته الأساسية من مأكل ومشرب وإخراج وراحة وشعور بالأمان. وإذا ما توافرت هذه الحاجات تكون مرتكزات طمأنينته وسعادته قد توافرت.
ونلاحظ أن الطفل في السنة الأولى من عمره، يكون اتصاله بالعالم الخارجي عن طريق فمه -بالدرجة الأولى- ويكون دور الحواس - باستثناء السمع - ضعيفًا جدا. وحتى السمع في هذه المرحلة لا يؤدي وظيفته بصورة فعاله، إذ أن نسبة كبيرة من الأطفال في هذه المرحلة لا يميزون الأصوات، إلا أصوات من لهم بهم صلة وثيقة مثل الأم، أما حاسة اللمس فإنها لا تؤدي دورها بصورة جيدة، وخاصة في بداية المرحلة. ولذا نجد الطفل يتحسس عالمه الخارجي باللمس باليد عشوائيا، ثم يتحسن بتقدم عمره، وكذلك الأمر بالنسبة للحواس الأخرى.
مما سبق نستطيع أن نستنتج أن أكثر المؤثرات على الطفل في هذه المرحلة هو ثدي المرضعة الذي لا يمده فقط بالغذاء، ولكن أيضًا بالشعور بالأمان. وهنا تتضح حكمة الإسلام في التدقيق في اختيار المرضعة، وفي عنايته الخاصة بحاضنة الطفل في هذه المرحلة، وفي العناية الخاصة بالطفل نفسه، لما لهذه الفترة من تأثير كبير على نموه الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي.
ويستهوي الطفل في هذه المرحلة، الألوان الفاقعة مثل الأحمر والأصفر، وتستهويه الأجسام الكبيرة نسبيا، والأجسام المتحركة حركة بطيئة، كما تستهويه الأصوات المعتدلة ذات الإيقاع المنتظم. لذلك ينبغي مراعاة هذا عند اختيار خبرات المنهج الدراسي.
بناء على ما سبق، فإن عناية مخططي المناهج الدراسية للطفل في هذه المرحلة تتركز بالدرجة الأولى في العمل على توافر التغذية المناسبة والنظافة التامة لجسمه وملابسه وفراشه، والبيئة الصالحة لنموه المتكامل، ووقايته من التغيرات المفاجئة والحادة ومن الأخطار، والعمل على علاج ما قد يظهر من أعراض غير مرغوب فيها، وإحاطته بعوامل الشعور بالأمن والأمان والاستقرار الانفعالي، وتوفير فرص الحركة المناسبة وفرص اكتساب بعض العادات السليمة.
فنلاحظ أن الطفل في السنة الأولى من عمره، يكون اتصاله بالعالم الخارجي عن طريق فمه - بالدرجة الأولى - ويكون دور الحواس - باستثناء السمع - ضعيفًا جدا. وحتى السمع في هذه المرحلة لا يؤدي وظيفته بصورة فعاله، إذ أن نسبة كبيرة من الأطفال في هذه المرحلة لا يميزون الأصوات، إلا أصوات من لهم بهم صلة وثيقة مثل الأم، أما حاسة اللمس فإنها لا تؤدي دورها بصورة جيدة، وخاصة في بداية المرحلة. ولذا نجد الطفل يتحسس عالمه الخارجي باللمس باليد عشوائيا، ثم يتحسن بتقدم عمره، وكذلك الأمر بالنسبة للحواس الأخرى.
وقد ضرب الرسول عليه الصلاة والسلام لنا أمثلة لهذا الحنو نذكر منها، فيما روى عنه أنه ذهب يومًا إلى المسجد وهو يحمل أمامة بنت أبي العاص فصلى، فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها[6].
وفي هذه المرحلة تتكون أساسيات شخصية الطفل. فمن حيث النمو الجسمي، فإن النمو الحواس يكتمل تقريبًا. وفي أول المرحلة يكون الطفل قد بدأ المشي والكلام والسيطرة على عضلاته، وينتقل من المشي إلى الجري، ومن الحركة غير المنتظمة وغير الثابتة إلى الحركة المستقرة الثابتة، وفي هذه المرحلة يستطيع التنسيق الحركي، فيركب الدراجة ويقفز ويتابع إيقاع الأصوات بحركة جسمه، وفي أثناء السنة الرابعة يبدأ في السيطرة على القلم وبالتدريج يستطيع السيطرة على عضلاته.
ومن حيث النمو العقلي، فإن الطفل يبدأ في فهم بعض الإرشادات وتنفيذها والبعض منهم يستطيع ذلك قبل سن الثانية، وفي بداية هذه المرحلة يستطيع الطفل أن يتعلم بعض العلامات مثل "أمام" و"خلف" و"أكبر" و"أصغر" و...، وفي أثناء السنة الرابعة يستطيع أن يقوم بتلوين المساحات الواسعة، كما يمكنه كتابة الحروف والأعداد بحجم كبير، وأن يقارن بين الفراغات والحجوم، وأن يتعلم بعض المهارات العقلية البسيطة، والمهارات الحركية. ولكن ينبغي التنبه - هنا - أنه لا يزال غير قادر على تركيز انتباهه لفترة طويلة. ومن أهم خصائص هذه المرحلة قدرة الطفل على التخيل، وعلى الحفظ السريع للمواد التعليمية المنظومة، وبخاصة إذا ما قدمت من خلال مخاطبة أكثر من حاسة من حواسه الخمس.
أما بالنسبة للنمو النفسي، فإن الطفل في هذه المرحلة تتركز اهتماماته حول ذاته، فهو أناني يحب ما يحقق أهدافه الخاصة بغض النظر عن أثره على الغير، ويكره ما يتعارض مع رغباته، ويكون متقلب المزاج سريع الخاطر. ولكن في نهاية هذه المرحلة تبدأ انفعالاته في الاستقرار.
وبقدر الأهمية البالغة لهذه المرحلة في تكوين الطفل ينبغي أن يتحمل مخططو المناهج المسؤولية عن تنميته تنمية متكاملة في جميع مجالات النمو الجسمي والعقلي والنفسي[7].
________________________________________
[1] سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ إِشْكَابٍ، أَبُو عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ الصُّوفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْعَيَّارِ، سَمِعَ مِنْ شُيُوخِ خُرَاسَانَ مَعْرُوفٌ بِالْحَدِيثِ، صَحِبَ جَمَاعَةً مِنْ مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ، سَمِعَ (صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ)، تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، ( تهذيب ابن عساكر 6 /116).
[2] أخرجه مسلم في الرضاع باب استحباب نكاح ذات الدين (ج2- ص1086- رقم 1466)
[3] سنن ابن ماجة باب الأكفاء (ج1-ص632- رقم1967).
[4] سورة البقرة:233
[5] تفسير المراغي ( ج 2 - ص 185).
[6] فتح الباري بش-رح البخاري.
[7] للتوسع ارجع إلى كتاب المؤلف: أساسيات المناهج الدراسية ومهماتها. الرياض: دار عالم الكتب، 1415هـ-1995م.

اكتب تعليق

أحدث أقدم