رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن فقه الطبيعة



بقلم \ المفكرالعربى الدكتورخالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
تأرجحت الطبيعة في الفكر الفلسفي وكذا في الفكر الجمالي الحديث بين الألوهية والعبودية، فألهها قوم وعبدوها.. وصارعها آخرون وأرادوا تعبيدها والسيطرة عليها..؟؟!!
ونتساءل فنقول: أين مكانة الطبيعة في التصور الإسلامي؟
والجواب عن هذا السؤال لا يحتاج إلى كبير معاناة، ذلك أن هذا الأمر هو من المعلومات من الدين بالضرورة، فالتصور الإسلامي يقوم على ركنين اثنين:
• ألوهية الله تعالى وحده.
• عبودية ما سواه له.
وبهذا يتضح أن الطبيعة في مقام العبودية لله تعالى مثلها في ذلك مثل الإنسان.
ويسجل القرآن الكريم هذه الحقيقة في مشاهد يتفاعل معها الإنسان بكليته، فيقرؤها كلمة أخاذة بليغة، وينظر إليها بعينه حركة حية تذهب وتجيء.. ويحسها القلب ويحلق فيها الفكر.
إنها مشاهد من الطبيعة، أو لنقل إنه مشهد الطبيعة كلها يضعه القرآن في لوحة واحدة فإذا بها - وقد جمعت - تحت البصر والسمع والفكر... إنها لوحة فريدة استطاعت أن تحد ما لا يحد، وتحصر ما لا يحصر وتجمع ما لا يكاد يجتمع.
والأعجب من هذا أن القرآن الكريم لا يكتفي بعرضها لوحة واحدة، بل هي لوحات - لها المواصفات نفسها - تعبر عن الحقيقة ذاتها مع اختلاف في الألوان والظلال. وتبقى جميعها في المستوى الرفيع حسناً وجمالاً، ودقة وإيحاء..
وإذا كان الناس ليسوا جميعاً في مستوى واحد من الفهم الفني، فإننا سنذكر المشهد (آية كريمة) ونترك لصاحب الظلال - رحمه الله - أن يأخذ بأيدينا يعرفنا على الخطوط والإيحاءات.
المشهد الأول:
قال تعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾[1].
"يرسم السياق للكون كله بما فيه ومن فيه مشهداً فريداً، تحت عرش الله، يتوجه كله إلى الله، يسبح له ويجد الوسيلة إليه:
﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ... ﴾ وهو تعبير تنبض به كل ذرة في هذا الكون الكبير، وتنتفض روحاً حية تسبح الله، فإذا الكون كله حركة وحياة، وإذا الوجود كله تسبيحة واحدة شجية رخية، ترتفع إلى الخالق الواحد الكبير المتعال.
وإنه لمشهد كوني فريد، حين يتصور القلب: كل حصاة وكل حجر، كل حبة وكل ورقة، كل زهرة وكل ثمرة، كل نبتة وكل شجرة، كل حشرة وكل زاحفة، كل حيوان وكل إنسان، كل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء والهواء.. ومعها سكان السماء.. كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه"[2].
المشهد الثاني:
قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴾[3].
"... السياق يعبر عن الخضوع لمشيئة الله بالسجود وهو أقصى رمز للعبودية، ثم يضم إلى شخوص من في السماوات والأرض، ظلالهم كذلك. ظلالهم بالغدو في الصباح، وبالآصال عند انكسار الأشعة وامتداد الظلال. يضم هذه الظلال إلى الشخوص في السجود والخضوع والامتثال، وهي في ذاتها حقيقة، فالظلال تبع للشخوص، ثم تلقي هذه الحقيقة ظلها على المشهد، فإذا هو عجب، وإذا السجود مزدوج: شخوص وظلال! وإذا الكون كله بما فيه من شخوص وظلال جائية خاضعة عن طريق الإيمان أو غير الإيمان سواء. كلها تسجد لله.."[4].
المشهد الثالث:
قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ.. ﴾[5].
"ويتدبر القلب هذا النص، فإذا حشد من الخلائق مما يدرك الإنسان ومما لا يدرك، وإذا حشد من الأفلاك والأجرام، مما يعلم الإنسان ومما لا يعلم، وإذا حشد من الجبال والشجر والدواب في هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان... إذا بتلك الحشود كلها في موكب خاشع تسجد كلها لله، وتتجه إليه وحده دون سواه، تتجه إليه وحده في وحدة واتساق، إلا ذلك الإنسان فهو وحده الذي يتفرق ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ فيبدو هذا الإنسان عجيباً في ذلك الموكب المتناسق"[6].
••••
تلك هي حقيقة الكون كله، الخضوع لله تعالى عبودية وذلاً.. عرضت في تناسق جمالي لا مثيل له.
ويجذب انتباهنا: أن العموم الذي ورد في النصين الأول والثاني لم يأخذ أبعاده كاملة في النص الثالث. ذلك أن الناس لم يكونوا جميعاً في حالة انضواء كامل تحت عملية الخضوع لله تعالى، فالآية الكريمة تقول ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.. ﴾.
على أن خروج الكثير من الناس عن طاعة الله تعالى لم يخدش ذلك التناسق الكلي في الخضوع الذي يقرره النصان الأولان. وذلك لضآلة هذا الفريق إذا ما قيس بذلك الحشد الهائل من المخلوقات.. إذ لو جمع الناس كلهم من أولهم إلى آخرهم لم يعدلوا جرماً واحداً من ملايين الأجرام التي تشارك في عملية الخضوع هذه..
وأمر آخر، هو أن هذا الفريق الخارج عن طاعة الله تعالى عقيدة وسلوكاً.. هو نفسه خاضع ككل شيء آخر في هذا الوجود لسنن الله تعالى.. فكما أن لكل كوكب مداره.. ولكل ذرة عملها وفق ما وضع الله فيها ولها من خصائص.. فكذلك الإنسان.. الإنسان نفسه تبدأ حياته وتنتهي، ويأكل ويشرب، ويهضم طعامه. ويشبع ويجوع.. ويرى ويسمع، ويفكر ويعقل، ويشم ويلمس ويمشي ويتكلم.. كل هذا يحدث بخضوع تام لسنن الله ونظامه.. وإذن فإن خروج هذا الإنسان عن الطاعة خروج جزئي.
لهذين السببين لم يخدش خروج هؤلاء الناس عموم هذا الخضوع، من حيث الحقيقة الكونية، وإذا كانت الحقيقة لم تخدش بذلك فإن الصورة الجمالية أيضاً ظلت في تكاملها وتناسقها، فإنك لو ذهبت تقرأ الآية الكريمة لرأيت أن التوازن فيها ما يكاد يتم لولا وجود الفريق الآخر.. وبهذا فاللوحة لا تتم أبعادها إلا به.. ﴿ .. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ.. ﴾ إن (كثيراً) الثانية في مقام التناظر والتوازن مع (كثير) الأولى، وهكذا يذهب التنافر الذي أحدثه شذوذ هذا الفريق..
كان هذا استطراداً لا بد منه لفهم الآية الكريمة في ضوء ما سبقها.
وخلاصة القول: إن مكانة الطبيعة هي العبودية الكاملة لله تعالى.
2) الإنسان والطبيعة:
رأينا في الفقرة السابقة رابطة الأخوة القائمة بين الإنسان والطبيعة باعتبارهما في مقام العبودية لله تعالى. وهذا العامل ينفي - مبدئياً - عامل الصراع والعداوة، فوشائج القربى تمنع ذلك. ومع هذا لا يترك المنهج الإسلامي هذا الجانب دون توضيح، حتى لا يكون في هذا التصور أي غبش.
كلاهما عبدان مخلوقان لله تعالى..
ولكن الله سخر للإنسان بعض ما في الكون مما له صلة بحياته، وهذا التسخير حدث بفعل الله تعالى، وعلى هذا فلا حاجة للتخبط والصراع... ومحاولة السيطرة والقهر.. لا حاجة لكل هذه الألفاظ والمفاهيم المنبثقة عنها.
إن من أوليات هذا التسخير، أن جعل الله لكل شيء نظاماً يعمل بموجبه، والتعرف إلى هذا النظام هو المفتاح الذي يمكّن الإنسان من التعامل مع هذه الأشياء في سهولة ويسر.
إن الباب المحكم الإغلاق، لن تستطيع فتحه مهما عملت... قد تكسره، ولكنك - في هذه الحالة - تفقده وتفقد الغاية التي وجد لها، ولكنك إذا اهتديت إلى المفتاح أمكنك، بكل يسر أن تفتح وتلج، وتظل للباب مهمته وفاعليته ويستمر في أداء الغاية التي وجد لها[7].
هذا بعض مفهوم التسخير، إنه التعامل الهادئ مع ما يحيط بك، إنه الإفادة مما سخر لك بالأسلوب الجميل الذي لا تتحطم فيه الأشياء، ولا يتحطم فيه الإنسان، ويظل للأشياء رونقها، وتظل للإنسان فاعليته وحيويته ونشاطه. إنه يتعامل معها وهو على يقين أنه لولا تسخير الله لها لما تم ذلك التعامل.. ولذا يبدأ تعامله بقوله: (بسم الله).
والآيات الكريمة هي خير ما يوضح معنى التسخير بكل أبعاده، ونكتفي بذكر بعضها نموذجاً ومثالاً:
قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.. ﴾[8].
وقال تعالى: ﴿ ..وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.. ﴾[9].
وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾[10].
وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾[11].
إن التسخير فيه من القضايا ما هو أكبر من الإنسان وأكبر من أن يدرك الإنسان ماهيته، ولكنه قد يدرك بعض آثاره المتعلقة بحياته كالليل والنهار، والشمس والقمر، والبحر..
إن وجود الإنسان مدين لهذا التسخير، إذ لولاه لما أمكن استمرار حياته على ظهر هذا الكوكب. وما ذاك إلا بفضل الله ورحمته ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ وعلى الناس أن يتذكروا تلك النعم.... فيشكروها، ومن جملة الشكر أن يتذكروا التوجيه القرآني - وهم يتعاملون مع ما يحيط بهم - فيقولوا ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا ﴾[12].
3) جمال الطبيعة:
الحديث عن جمال الطبيعة هو الركن الثالث الذي تستكمل فيه الطبيعة كيانها في ظل التصور الإسلامي.
وجمال الطبيعة أمر مقرر، في مقدور الحواس التأكد منه في كل آن، ومع ذلك فقد لفت القرآن النظر إلى هذا الجمال، بالإشارة إلى بعض الأشياء الصغيرة تارة، وبالحديث عن العوالم الكبيرة تارة أخرى
.
ففي ميدان الأشياء الصغيرة قال تعالى: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾[13].
والملاحظ أن النص يؤكد على العنصر الجمالي مرتين: مرة في قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ ومرة ثانية بقوله تعالى: ﴿ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾. وبهذا تكون الآيات قد أكدت على أهمية هذا الجانب باعتباره عنصراً أصيلاً وضع على قدم المساواة مع المنافع الأخرى.
وإذا كانت الآيات هنا تلفت النظر إلى الجمال في البيئة التي نزل فيها القرآن الكريم، وهو ما يستشعره العرب الذين نزل فيهم هذا الكتاب الكريم، فإن القرآن، ذلك الكتاب الخالد، لم يترك هذا الجانب محصوراً في بيئة وإنما انتقل به إلى العموم.. إلى عالم الأرض وعالم السماء.
قال تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا.. ﴾[14].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴾[15].
وهكذا فالجمال يعم الأرض، إذ كل ما عليها زينة لها، وفي مقابل ذلك تقوم الكواكب بمهمة تزيين السماء..
وبهذا يتقرر جمال الكون أرضه وسمائه.
وقد سبق الحديث عن جمال الطبيعة في الجزء الأول من هذه الدراسة[16]. وما نحب أن نلفت النظر إليه هنا، هو أن لكل شيء جماله الخاص به. المتناسب مع وظيفته التي وجد من أجلها، وأن كل شيء في الطبيعة ينبغي أن ينظر إليه ضمن ما يحيط به. وعلى هذا: فلا بد للوقوف على حسن الأشياء في الطبيعة وجمالها من مراعاة أمرين مهمين:
أ- النظر إلى الشيء من خلال الوظيفة أو المهمة التي أنيطت به.
ب- عدم قطع هذا الشيء عما يحيط به. لأن هذا الاقتطاع يذهب بخاصية رئيسية من خصائص الجمال وهي التناسق والتناسب.
إن جمال نبتة زاحفة أو شجرة منتصبة ليبدو أكثر وضوحاً عندما تتعرف إلى ثمرة كل منهما، وزناً، وحجماً.. عندئذ نتعلم بأن كل نوع من النبات كان متلائماً في شكله ومظهره وطبيعته مع الوظيفة التي وجد من أجلها، سواء أكان زاحفاً أم منتصباً أم متسلقاً.
وكذلك نلاحظ أن ورقة من أوراق النبات لا يكون جمالها في حال انفرادها كجمالها وهي جزء من غصن تتناظر فيه وتتناسق مع بقية أوراقه آخذة مكانها على متنه مستقرة عليه.
إن ملاحظة هذين الأمرين تجعلنا أكثر إحساساً بالجمال، كما تجعلنا أكثر تقديراً له.
ونحب أن نضيف أمراً ثالثاً يخص الحديث عن جمال الطبيعة، وهو أن الذوق الجمالي قد يخون صاحبه، وأن المشاعر قد تتبلد في حالة ما، ويصبح الإنسان كما قال الشاعر:
ومن يك ذا فم مرٍ مريض
يجد مراً به الماء الزلالا
ففي مثل هذه الحال نستطيع التعرف إلى الجمال بالتعرف إلى خاتم المصدر، فالأشياء عادة تختم بخاتم المنشأ، فحيث رأينا شيئاً ختم بواحد من هذه الأختام:
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ.. ﴾[17].
﴿ صُنْعَ اللَّهِ.. ﴾[18].
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾[19].
﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾[20]...
فاعلم أن الجمال هناك.
4) النتائج المنبثقة عن هذا التصور:
نخلص مما سبق في بحثنا عن الطبيعة في ظل التصور الإسلامي إلى نتائج مهمة كان لها أثرها البعيد في بناء نفسية الإنسان المسلم بشكل عام، وبناء نفسية الفنان المسلم بشكل خاص، كما كان لها أثرها في اتجاه الفنان وتحديد مساره.
ونستطيع تلخيص هذه النتائج بالنقاط التالية:
أ- معرفة الإنسان لطبيعة ما حوله، هذه المعرفة التي تحدد له موقفه مما يحيط به، إنه الموقف القائم على الأخوة في العبودية والخضوع لله تعالى.
وهذا يعني: أنه لا حقد ولا صراع، ولا سيطرة ولا قهر، وإنما تسخير للأشياء يتم بأمره سبحانه وتعالى.
كما يعني أيضاً: الصحة النفسية التامة للإنسان المسلم.
ب- النظر إلى الحقيقة بعيداً عما يلابسها، فلا أثر للزمان أو المكان في الفعل، وإنما الفاعل هو الله تعالى. فـ"أحد" ذلك الجبل الذي أصاب المسلمين ما أصابهم في المعركة التي جرت عنده، وسميت باسمه يقول عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "أحد جبل يحبنا ونحبه"[21] وبهذا لا يكون ارتباط الأحداث في ذهن المسلم مقروناً بالمكان أو الزمان على اعتبار أن لهما الأثر فيما حدث - فتصبح نظرته إليهما نظرة مشوبة بشعور خاص الأمر الذي يغير الصورة الدالة على حقيقة الأشياء، وبهذا تصبح النظرة إليها من خلال المشاعر الخاصة لا من خلال الحقيقة، وفي هذا ما فيه من الخلل في الوقوف على حقائق الأشياء.
ج- اليقين بأن الطبيعة جميلة، ذلك أنها من صنع الله تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه. وينتج عن ذلك أمران:
• نفي القول الذي يصف الطبيعة بالنقص والقبح.
• نفي تلك النظرة التي تجعل من الإنسان نداً لله تعالى يحاول أن يخلق مثله أو أن يتغلب عليه؟! أو أن يهزم القدر؟!
د- دور الطبيعة:
ويتحدد من خلال ما سبق دور الطبيعة، فهي:
• لها مكانة المعلم: حيث أرشِدنا إلى النظر فيها والتأمل، حتى نتعلم ونستفيد ونستنتج..
• أنها مسخرة لنا بأمر الله تعالى: تقدم لنا الخدمات عن طريق ما أودعه الله فيها من خامات وأنظمة وعلائق.
هـ- وأخيراً: فالطبيعة ليست مستقلة بذاتها، وإنما هي خاضعة لأمر الله تعالى، الفعال لما يريد.
________________________________________
[1] سورة الإسراء الآية [44].
[2] في ظلال القرآن 4/2230.
[3] سورة الرعد الآية [15].
[4] في ظلال القرآن 4/2052.
[5] سورة الحج الآية [18].
[6] في ظلال القرآن 4/2414.
[7] هذا ما نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم: أنتم أعلم بأمر دنياكم. إنه التوجيه إلى التعامل مع الأشياء بموجب النظام الذي بنيت عليه، فهو درس بليغ في هذا الجانب المهم من أمور الحياة وشؤونها. [الحديث في صحيح الإمام مسلم من حديث أنس وعائشة. كتاب الفضائل. باب وجوب امتثال ما قال شرعاً].
[8] سورة إبراهيم الآية [32 - 33].
[9] سورة النحل الآية [12 - 15].
[10] سورة الحج الآية [65].
[11] سورة الجاثية الآية [12 - 13].
[12] سورة الزخرف الآية [13].
[13] سورة النحل. الآيات [5 - 8].
[14] سورة الكهف. الآية [7].
[15] سورة الصافات. الآية [6].
[16] الظاهرة الجمالية في الإسلام ص 131 - 137.
[17] سورة لقمان الآية [11].
[18] سورة النمل الآية [88].
[19] سورة السجدة الآية [7].
[20] سورة الأعلى الآية [2].
[21] صحيح البخاري، كتاب المغازي. باب 27.

اكتب تعليق

أحدث أقدم