رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فلسفة المروءة



بقلم \ المفكرالعربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن المروءة قيمة إسلامية غالية تكاد تغيب عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية، رغم أنها كانت الصفة البارزة والسجية المتميزة في عصورنا الزاهرة الزاهية، وما من أحد- ممن يعرف مكانتها- إلا ويستحضر معانيها الرائعة، ويتمنى وجودها في المجتمع كصفة فاعلة لها حضورها المؤثر، وهناك من يتهم المدنية الحديثة وقيمها الوافدة من الأثرة والأنانية وحب الذات... الخ، بأنها أدت إلى انحسار قيمة المروءة بيننا، وحقيقة الأمر أننا نعيب زماننا والعيب فينا، فهذه المدنية لا يمكن أن تؤثر فيمن يعتز بقيمه وأخلاقه ويعض عليها بالنواجذ، فهي لا تجبر أي أحد على اتباعها، أو المضي في ركابها، فالخلل في تقصيرنا وعدم انتباهنا لضياع هذه القيم، وانفراطها عروة عروة كما قال الفاروق رضي الله عنه، ونحن نحاول هنا أن نذكر بها، ونعيدها إلى الأذهان والوجدان، لعل الله عز وجل كتب لها رجوعا سريعا، وقد أفاض العلماء- رحمهم الله- في توضيح معالمها وتبيين ملامحها فقالوا: مروءة اللسان حلاوته وطيبته ولينه، ومروءة الخلق سعته وبسطه للحبيب والبغيض، ومروءة المال الإصابة ببذله مواقعه المحمودة عقلا وعرفا وشرعا، ومروءة الجاه بذله للمحتاج إليه، ومروءة الإحسان والبذل تعجيله وتيسيره وتوفيره وعدم رؤيته حال وقوعه، ونسيانه بعد وقوعه. وهي، كما نرى، خلال سامية، لا يصل إليها إلا أصحاب الهمم العالية، والنفوس الطيبة السخية.
نجد أن السنة النبوية الكريمة قد حثت على المروءة مما يدلنا على أهميتها ومكانتها ومكانة من يتصف بها أيضا، فقد قال (صلى الله عليه وسلم) «كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه» (1)، ويقول (صلى الله عليه وسلم) «تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة» (2) وذلك لما لهم من أثر طيب في المجتمع، ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حسب المرء دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله» (3).
وقيل لمعاوية بن أبي سفيان: ما المروءة؟ قال: عفاف في الدين وإصلاح في المعيشة.
فالمروءة في كلمة واحدة هي الاستقامة في أسمى معانيها، والاستقامة مع النفس بإلزامها ترك القبيح وفعل الحسن والجميل حتى يصبح سجية لها، وتكون أيضا مع الخلق فيحب الإنسان لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ومع الله عز وجل بالاستحياء منه سبحانه وتعالى والاجتهاد المستمر في إصلاح عيوب النفس، والحرص على تحقيق التقوى في كل الأحوال والأمور.
ومما يساعد على الاتصاف بصفة المروءة، علو الهمة، وهذا الخلق لا يتأتى إلا من أصحاب العزائم القوية والإرادة الصلبة، وقد حض عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله «إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها (4) ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا تصغرن هممكم، فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم» وقال بعض الحكماء: «الهمة راية الجد» وقال بعض العلماء: «إذا طلب رجلان أمرا ظفر به أعظمهما مروءة» ووصفها الماوردي بأنها «حلية النفوس وزينة الهمم» وهو وصف يدلنا على وعي متقدم بقيمة المروءة وما لها من أثر في المجتمع.
وشرف النفس هو العامل الثاني المؤثر في استكمال المروءة، فإن به يكون قبول التأديب واستقرار التقويم والتهذيب، وإذا شرفت النفس كانت للآداب طالبة وفي الفضائل راغبة، وقد قيل لبعض الحكماء: «ما أصعب شيء على الإنسان؟ قال: أن يعرف نفسه، ويكتم الأسرار، فإذا اجتمع الأمران، واقترن بشرف النفس علو الهمة كان الفضل بهما ظاهرا، والأدب بهما وافرا، ومشاق الحمد بينهما مسهّلة، وشروط المروءة بينهما متينة» وقد قال الشاعر:
إن المروءة ليس يدركها امرؤ
ورث المكارم عن أب فأضاعها
أمرته نفس بالدناءة والخنا
ونهته عن سبل العلا فأطاعها
فإذا أصاب من المكارم خلة
يبني الكريم بها المكارم باعها
المروءة في مفهوم السلف
اهتم سلفنا الصالح- رحمهم الله- بالمروءة، حيث تخلقوا بها، وعرفوا قدرها، وعلَّموها لأبنائهم، ولذا نجد عباراتهم فيها قوية مؤثرة نابعة عن تجربة عميقة، فقد سئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال: صدق اللسان، ومواساة الإخوان، وذكر الله تعالى في كل مكان.
فما نجده الآن من تكاسل الشباب وتراخيهم في طلب العلم الجاد، واهتمامهم بصغائر الأمور وتوافه الأعمال إنما هو ناتج عن صغر الهمة، إن لم يكن انعدامها، فنجد أن قصارى جهد الفتى أن يصبح مثل اللاعب فلان أو الممثل علان، وكذا الفتاة فمثلها الأعلى- وهذا مما يدمي القلب- الممثلة الفلانية، وكأنهم اختزلوا الحياة في هؤلاء، لأن المقاييس اختلت وغاب دور الأسرة والمجتمع في التوجيه والإرشاد، وقد رأيت عجبا من هؤلاء، فمنهم من كان مبلغ علمه ومنتهى أمله أن يحفظ- وبصورة متقنة- أسماء اللاعبين في الفرق والأندية الأجنبية، وترتيبهم...، في نفس الوقت الذي لا يدري فيه شيئا عن دروسه، فضلا عن أسماء أعلامنا البارزين من العرب والمسلمين، وكذلك ما نشاهده جميعا من الاهتمام المبالغ فيه بما في شبكة الانترنت من تفاهات وقبائح، رغم ما فيها من فوائد عظيمة علمية وتقنية وشرعية، لكن صغر الهمة يذهب بالمرء إلى السفاسف، ولذلك من المهم أن نتدارك هذا الخلل الخطير، ونعمل بكل جد واجتهاد على غرس علو الهمة والاعتزاز بقيمنا الأصيلة في وجدان أبنائنا، وأن ننميها فيهم حتى تكون لهم سجية وخصلة من خصالهم النفيسة الزكية.
ترسيخ قيمة المروءة
ينبغي علينا الاهتمام بهذا الخلق الإسلامي العظيم، وأن نحرص على تطبيقه عمليا في حياتنا مع أصدقائنا وجيراننا، فيكون صفة لكل واحد في مجتمعنا، وبالتطبيق الصادق ينتشر هذا الخلق لدى أبنائنا، ونحرص على تصحيح انحرافهم عنه، فهو بإذن الله العاصم لهم عن سبل الهوى وفساد الرفقة ومغريات العصر، والغرس في الصغر هذا من المطالب الأساسية كما قال الشاعر:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا
فمطلبها كهلا عليه عسير
ويقول الأحنف بن قيس:
فلو مد سروي بمال كثير
لجدت وكنت له باذلا
فإن المروءة لا تستطاع
إذا لم يكن مالها فاضلا
والمروءة أيضا تعلم الصدق والصبر والانصاف والعدل، وهي تدعو إلى مساعدة الأهل والأصدقاء والجيران، فهي تعمل على ترابط المجتمع وتماسكه وتراحمه، وترفع من همة الانسان وتعلي شرف النفس وتخلصه من الهوى والشهوة والأماني الكاذبة، أي انها تكسب مكارم الأخلاق والاستقامة على الهدي الحسن.
الهوامش
1- الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، 123/1، 2/361.
2- صحيح الجامع الصغير، برقم 2914، وقال: صحيح.
3- السنن الكبرى للبيهقي، 10/195، وقال: موقوف وإسناده صحيح.
4 - صحيح الجامع الصغير، حديث رقم 1890، وقال: صحيح.

اكتب تعليق

أحدث أقدم