رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن فلسفة حرية التعبير



بقلم \ المفكر العربى الدكتورخالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لا شك فيه أن المجتمعات الديموقراطية والدول المتحضرة قيمة الإنسان عرفت فجعلت من أولويات حقوقه «حرية التعبير» بل وارتقت هذه القيمة إلى صدارة الحقوق الأساسية في الدساتير المدونة؛ وذلك لإيمانها بأنه بدون «حرية التعبير» لا مجال إلى تطوير الرأي وتحديث الفكر وتجديد الوعي..
وترتب على ذلك حدوث طفرة كبيرة في مجال الإبداع الإنساني في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية في هذه المجتمعات، على النحو المشاهد الآن في أوروبا وأميركا، مما حدا بنا أن نجزم بأن حرية التعبير لم تقم قياما حقيقيا في العصر الحديث خارج أسوار أوروبا وأميريكا.
وكعادتنا نحن الشرقيين في نقل الأفكار واقتباسها نقلنا إلينا «حرية التعبير» لا كما يفهمها الغربيون ويحسنون تطبيقها، بل على طريقتنا الخاصة، حرية مطلقة، فوضى أدبية، خروج على القانون، تمرد على الأوضاع، انقلاب على الآداب والأعراف والقيم...إلخ
ولا أبالغ في قولي هذا، فإن شئت أن تقرأ طرفا منه فارجع إلى بعض كتابنا الليبراليين أمثال الدكتور «طه حسين»، ودعوته إلى الفوضى الأدبية، تحت شعار «حرية الأدب»، وذلك في كتابه حديث الأربعاء، طبعة دار المعارف، الجزء الثالث ص 210، وكتاب الدكتور فؤاد زكريا، خطاب إلى العقل العربي ص84، ودعوته إلى نبذ رذيلة الطاعة والاستعاضة عنها بفضيلة التمرد، تحت شعار «أنا متمرد إذن أنا موجود»...إلخ
وفي أيامنا هذه تطورت الدعوة إلى حرية التعبير إلى إشاعة الفوضى، وإذاعة الأخبار الكاذبة والنيل من الأعراض، والولوغ في المسائل الشخصية والعائلية...إلخ
إن حرية التعبير لا تعني أبدا الدعوة إلى التهتك والابتذال والعري، أو الثورة على قيم المجتمع ومبادئه، أو الخروج على القانون أو استهداف الشر والأذى للمواطنين والعبث بأسرارهم، وقذف الناس بالباطل، أو الاستهانة بالأعراف والتقاليد والآداب العامة...إلخ
إنها لا تعني شيئا من ذلك أبدا، ولكنها تعني الكلمة الطيبة والعبارة الواضحة وقول الحق.. إنها تتوخى البناء لا الهدم، الإصلاح لا الإفساد، العلو لا الانحطاط والتسفل..
هذه الكلمات والتعبيرات والآراء الراقية هي التي يفهمها الغربيون ويطبقونها جيدا، ففي بريطانيا، على سبيل المثال، هناك قانون يرسم الحدود ويوضح متى يكون التعبير مقصودا منه الإثارة واستفزاز الآخرين والتحريض على قلب الحكومة أو الدستور بالعنف.
لقد أجمع الفلاسفة والمفكرون العقلاء على أن الانطلاق من جميع القيود شيء غير معقول وغير موجود، حتى في العالم المتمدن الذي يظنه البعض خلوا من القوانين والأعراف والتقاليد، ويحسبونه مجتمعا فوضويا لا تراعى فيه فضيلة، ولا تصان فيه حرمة.
وهذا التقييد لحرية التعبير قرره الإسلام قبل أن تبدأ القوانين الوضعية بتقرير نظريتها في الحرية بأحد عشر قرنا على الأقل، فقد قررت الشريعة حرية القول من يوم نزولها، وقيدت في الوقت نفسه هذه الحرية بالقيود التي تمنع من العدوان وإساءة الاستعمال، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى مخاطبا نبيه {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل:125).

اكتب تعليق

أحدث أقدم