رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن العناية النقدية بالسيرة النبوية



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لا شك فيه أنه لا يخفى فضلُ العناية بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم عامة، وتوقف السداد في مقال العبد وعمله وحاله على معرفة هديه المنيف وأحواله الشريفة؛ كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (وإذا كانت سعادةُ العبد في الدارين معلقةً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يَخْرُج به من عداد الجاهلين به؛ ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم)[1].
ولما كانت السيرة النبوية بهذا القدر الأعلى، والمحل الأسنى لزم تجديدُ الاحتفال بها على نمط نقدي؛ يستخرج منافعَها كافةً، لا سيما من جهاتٍ اندثر رسمُها في مؤلفات السيرة النبوية الحديثة أو كاد؛ مع أن إظهارَها وبناءَ التصنيف في هذا العلم الشريف عليها منقبةٌ له جليلة، ومذهب في صيانته غاية في السداد.
وبيان ذلك بأمرين؛ أسوقهما على جهة الاختصار حثًّا للباحثين على استثمارهما، واتخاذهما منطلقين لتجديد الاشتغال بعلم السيرة النبوية:
الأمر الأول: إبراز دلالة السيرة النبوية من جهة الاصطلاح؛ لأن مصطلح (سيرة) لم يصرف إليه من العناية والتبيين، واستخراج الحد ما يكفي، ويروي غليل الباحث ويشفي، مع أن غيره من المصطلحات التي ينمى معها إلى نسب واحد قد أصابها من ذلك حظ عريض تقييدًا وتحريرًا وتعليلا؛ كالحديث، والسنة، والأثر، وغيرها.
فمصطلح (السيرة) لم أجد أحدًا من أهل العلم المحدثين درسه، ولبث عنده؛ فبيَّن مخرجَه الدلالي، ومناسبتَه لما يُراد به عند الإطلاق، ووجوه تميزه وتفرده، والفروق بينه وبين ما يوهم اتحادَه معه من المصطلحات، مصيره -بالنظر إلى كل ذلك-: أيعد مصطلحًا ذا نسب معرفي خاص كسائر المصطلحات العلمية المستقلة؟...
وهذه المسائل لم يفت المتقدمين من أهل العلم ذكرُها وتقريرها؛ لكن على نحو من الإجمال يستدعي التفصيل، والتحرير، والإبراز، والإثارة؛ لا سيما وأن لمصطلح (السيرة) من الخصائص ما يرفعه إلى درجة التميز والاستقلال عن مصطلح (الحديث).
بل لا يزال كثير من خاصة طلبة العلم -فضلا عن عامتهم- يحسبون أن حد السيرة لا يشتمل على أكثر مما يشتمل عليه حد الحديث رواية ودراية، وأن غاية ما يميزه أن السيرة وصف لحياة النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله من الميلاد إلى الوفاة، وعد مناقبه وخصائصه.
وفي هذا من الغمط ما يسلب هذا العلم شطر حقيقته، ويعطل مقصده، فالذي يجمعه بعلم الحديث –من جهة الرواية- معلوم، لكن تعليق دلالته –من جهة الدراية– على التنويه بالشأن النبوي الأجلّ خاصة لا يتضمنه كل حديث، ولا صلة له بالتشريع إلا من هذا الوجه.
كما أن قصر تاريخ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكر فيه غمط أيضًا، ومن أدلته قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح عن ميسرة الفجر رضي الله عنه: (كنت نبيا وآدمُ بين الروح والجسد)[2].
الأمر الثاني: ما يلزم المشتغلَ بالسيرة النبوية من التحقيق صيانةً لمقام هذا العلم، وحذرًا من تضييع مقاصده، وأعظمها حفظ حقوق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذلك لا يقع بمجرد الذكر والإثارة؛ فهذا يجيده كل من حصَّل مصنفًا من مصنفات السيرة.
ومما ينبغي الوقوف عنده من هذا الوجه:
أ – أن السيرة النبوية لا تقل عن علم الحديث فيما استحق من العناية النقدية، وواكب التصنيف فيه من تمحيص الأسانيد صيانة للمرويات؛ فوصول كل منهما من مخرج واحد هو النقل، لذا فهما في لزوم اعتبار الإسناد والتشدد في اشتراط صحة المروي سواء.
ب – أن الغاية من تمييز صحيح الحديث من ضعيفه اتقاء الكذب على -النبي صلى الله عليه وسلم- حفظًا لمصدر التشريع؛ وما يعني الحديثَ من هذا الوجه يعني السيرةَ أيضًا؛ بل في تعلق موضوع علم السيرة بمقصد التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة خطورة أشد؛ لما يترتب عليه أحيانًا من الاستهانة بالسند تعلقًا بحال التعظيم الواردة في المتن، وهذا ديدن كثير ممن صنف في الفضائل النبوية، والخصائص، وأعلام النبوة .
فرب متساهلٍ جعل ذريعةً لتساهله كمالَ أهلية النبي صلى الله عليه وسلم للتكريم بكل فضيلة أو خارقة رويت في حقه؛ لما له عند ربه من مرفوعِ الذكر ومحمود المقام، لكنَّ في تحريمه صلى الله عليه وسلم الكذبَ عليه الحدَّ الفاصل بين تعلق مشروع؛ وسيلته فضل ثابت في حقه حقيقة، وتعلق غير مشروع؛ وسيلته فضل مزعوم يلزم دفعه والاستغناء عنه.
ولا يخفى أن رضى المحبوب ركن محبته الأعظم وشرط صدق مدعيها؛ بل هو غايتها، فإذا كانت سبيل محبته ما يكرهه –كالكذب عليه– استحال رضاه سخطًا؛ فكذب المدعي، لذلك عرَّف القاضي عياض -رحمه الله- محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (مواطأة القلب لمراد المحبوب؛ يحب ما يحب، ويكره ما يكره)[3].
فمن غريب ما يروى ويتعلق به -على سقوطه- ما ذكره الإمام السهيلي -رحمه الله-: (أن الفيل جاء مكة في المحرم، وأنه -صلى الله عليه وسلم- ولد بعد مجيء الفيل بخمسين يومًا –وهو الأكثر والأشهر-، وأهل الحساب يقولون: وافق مولده من الشهور الشمسية نيسان؛ فكانت لعشرين مضت منه، وولد بالغُفْر[4] من المنازل؛ وهو مولد النبيين، ولذلك قيل: خير منزلتين في الأبد الزُّنابا[5] والأسد؛ لأن الغُفر يليه من العقرب زُناباها، ولا ضرر في الزُّنابا؛ إنما تضر بذنبها، ويليه من الأسد أليته؛ وهو السِّماك[6]، والأسد لا يضر بأليته إنما يضر بمخلبه ونابه)[7].
ولا يخفى أن الكذب على الناس كبيرة وجريرة عظيمة؛ فكيف بالكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم؟! لا شك في كونه أشد لأنه كذب على الله؛ كما قال الشيخ عبد الله بن الصديق (وليست الفضائل النبوية مما يُتساهل فيه برواية الضعيف ونحوه؛ لتعلقها بصاحب الشريعة ونبي الأمة الذي حرم الكذب عليه، وجعله من الكبائر العظيمة حتى قال أبو محمد الجويني -والد إمام الحرمين- بكفر[8] الكاذب عليه صلى الله عليه وسلم)[9].
فهذه بلية أثرها بالغ الضرر والفساد لتعلقها بالتوحيد والاعتقاد.
وثمة بلية أخرى ذات صلة بها؛ لو جارينا أهلها لأبطلنا قواعد العلم والشريعة جملة؛ وهي تصحيح الرواية وتضعيفها بالكشف والإلهام؛ حتى قال العجلوني في (كشف الخفاء): (فرب حديث يكون صحيحًا من طريق رواته يحصل لهذا المكاشف أنه غير صحيح؛ لسؤاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيعلم وضعه، ويترك العمل به وإن عمل به أهل النقل لصحة طريقه. ورب حديث ترك العمل به لضعف طريقه من أجل وضاع في رواته يكون صحيحًا في نفس الأمر لسماع المكاشف له من الروح حين إلقائه على رسول الله صلى الله عليه وسلم)[10].
فمتى كان لثبوت الأخبار النبوية أو لسقوطها شاهدان: السبر من المحدثين، والوحي إلى المكاشفين؟؟..
ومن أنصف عَلِم أنهما يتدافعان، فلزم إبطال هذه الشبه كي تدفع عن السيرة النبوية مضلات الهوى، ويصان توحيد اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
ج – ما أصاب فقهَ السيرة النبوية من الاختلال لعدم التفريق بين سيرةٍ صحيحة يجوز استخراجُ فقهها واعتبارُه، وسيرةٍ ضعيفة يعتبر فقهُها لمجرد ورودها عند ابن إسحاق مثلا؛ فرب فقه بني على خبر ساقط؛ فيصير ساقطًا مثله.
وقد استفحل الإهمال للزوم هذا التمييز حتى صار داء كبيرًا عند بعض من صنف في فقه السيرة من المؤلفين المحدَثين؛ كقول الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله– يصف منهجه في تصنيف كتابه المشهور (فقه السيرة): [11](آثرت هذا المنهج في كتابة السيرة؛ فقبلت الأثر الذي يستقيم متنه مع ما صح من قواعد وأحكام؛ وإن وهى سنده. وأعرضت عن أحاديث أخرى توصف بالصحة لأنها –في فهمي لدين الله وسياسة الدعوة– لم تنسجم مع السياق العام).
ولازمُ هذا التفصيل ردُّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم صراحة؛ لأن وصفه بالصحة ليس تخمينًا أو اجتهادًا، ولكن بناء على قواعد علم الإسناد المعتبر عند الأئمة من الدين في مثل قول ابن المبارك -رحمه الله-: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء)[12].
ولو تُرك ما صح سنده لأجل ما يقتضيه الرأيُ ونظر العقل لما بلغنا دين الإسلام، بل لما دعت الحاجة إلى إنزال وحي ينقض العقل تشريعه.
ولأجل هذا قال ابن عباس -رضي الله عنه- في زمنه: (إنما كنا نحفظ الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما إذ ركبتم كل صعب وذلول فهيهات)[13].
قال الإمام النووي رحمه الله: (أصل الصعب والذلول في الإبل؛ فالصعب: العسر المرغوب عنه، والذلول: السهل الطيب المحبوب المرغوب فيه، فالمعنى: سلك الناس كل مسلك مما يحمد ويذم. وقوله (هيهات) أي بعدت استقامتكم، أو بعد أن نثق بحديثكم) [14].
ثم قال الشيخ الغزالي -رحمه الله-: (بعد هذا لا أرى أن يُلزمني أحدٌ بقبول ما رواه الشيخان عن عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع -رحمه الله- أسأله عن الدعاء قبل القتال [.....]، وكما تجاوزت هذا الحديث تجاوزت عن مثله أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- خطب أصحابه وأعلمهم بالفتن وأصحابها إلى قيام الساعة، فقد صح في كتاب الله وسنة رسوله أنه لا يعلم الغيوب على هذا النحو المفصل الشامل العجيب).
فلو لم يكن في نقل الضعيف واعتماده من البلية والهلكة إلا طرحُ اليقين تعلقًا بالظن؛ لكفى به رزية، فكيف إذا صار بدلا من الصحيح في تأسيس قواعد الدين...؟
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[1] زاد المعاد في هدي خير العباد 1 / 69 – 70.
[2] سلسلة الأحاديث الصحيحة: رقم 1856.
[3] الشفا بتعريف حقوق المصطفى بشرح ملا علي القاري: ص 53.
[4] الغفر – بضم المعجمة وتفتح، وتسكين الفاء -: منزل للقمر، وهو عبارة عن ثلاثة أنجم صغار. القاموس المحيط: غفر.
[5] الزنابا كالزنابة – بضم الزاي -: كلتاهما إبرة العقرب التي تلدغ بها، والعقرب برج في السماء. اللسان: زنب.
[6] السماك – ككتاب -: نجمان نيران يسميان أيضا: الأعزل والرامح. القاموس المحيط: سمك.
[7] الروض الأنف 2 / 159.
[8] ذكر هذا المذهب الحافظ بن حجر رحمه الله في الفتح، وأن إمام الحرمين ومن بعده ضعفوا قول أبيه، ثم قال الحافظ - 1 / 202 -: (والجمهور على أنه لا يكفر إلا إذا اعتقد حل ذلك).
[9] رفع الإشكال عن مسألة المحال: ص 47.
[10] كشف الخفاء ومزيل الالتباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس 1 / 9 – 10.
[11] فقه السيرة: ص 4.
[12] أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، باب بيان أن الإسناد من الدين (1 / 87 نووي).
[13] أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء (1 / 81 نووي).
[14] شرحه على صحيح مسلم 1 / 80.

اكتب تعليق

أحدث أقدم