رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن غزو الفضاء




المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
لقد دفَعنا القرآن دفعًا إلى التدبُّر في ملكوت السموات والأرض، وإلى التدبُّر في آيات الله الكونيَّة، وأَشعَرنا في أكثَر من آية بأن الله - سبحانه - سخَّر لنا ما في السموات وما في الأرض؛ ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان: 20]، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 13]، ولا يُمكِن أنْ يتمَّ لنا هذا التسخير، إلا بدراسة هذه الكائنات ومعرفة خصائصها، للانتفاع بما تُعطينا من طاقاتٍ وإمكانيَّات، هذا هوموقف الإسلام من آيات الله الكونية في الأرض والسماء، وهي على العكس من موقف الكنيسة المسيحية التي وقَفتْ ضدَّ كلِّ كشْفٍ علْميٍّ رامية أصحابه بالكُفر والإلحاد، ومن وقَع منهم تحت سيطرتها أذاقتْه أنواع النَّكال، ومن أبرز مواقفِها من (جاليليو) حين اكتَشف دورة الأرض حول الشمس، فاستحقَّ من الكنيسة الطَّرد والحرمان ومن رجالها السَّجن والتعذيب، حتى اضطرَّ تحت قسْوة العنف أنْ يَعدِل عن رأيه ويقول: "إنَّ الشمس هي التي تَدور حول الأرض؛ ليُوافِق تفسير الكتاب المُقدَّس الذي وضَعه رجال الكهنوت، وقد أَحرَقتْ الكنيسة البابوية العلاَّمة (بروتو)؛ لِمُخالفة آرائه العلميَّة للكنيسة، وفي خلال سنة 1962م اجتمع مؤتمر الكنائس العالمي، وقرَّر باسم الدين المسيحي أنَّ (خروتشوف) مُلحِد؛ لأنَّه سمَح بارتياد الفضاء وغزوالقمر، وخروتشوف كان يُعلِن الحادَّة في كلِّ مناسبة من عشرات السنين، قبل غزوالفضاء وبعده، ولكن ما رأيهم في بقيَّة الدول الكبرى، التي تتطلَّع لغزوالفضاء؟ وما رأيهم في كيندي المسيحي الكاثوليكي المُتديِّن رئيس الولايات المتحدة، وكان يُنافِس خروتشوف في غزوالفضاء، ويَضرِب موعدًا قريبًا للوصول إلى القمر لا يَتجاوز بضع سنوات، وقد نَجح الأمريكان في الهبوط على سطح القمر.
إنَّ القرآن الكريم يُحفِّزنا بقوة إلى السير في طريق الكشوف العلميَّة، كما يَدفعُنا دفعًا إلى ارتياد الفضاء بالأسلوب المناسب، ولقد راعى في هذا الأسلوب ألا يُثير ذهول المؤمنين في العصر الذي نزَل فيه وما تلاه من عصور، وتلك مَيزة انفرد بها أسلوب القرآن الكريم، فهويُعطينا بقدْر طاقاتنا الفكريَّة، فإذا اتَّسعتْ هذه الطاقات انفسحتْ أمامنا آفاقه، فرأينا فيه من معاني الآيات الرائعة ما لم نكن نراه من قبْل، وستظلُّ آفاقه تَتفتَّح أمامنا بانفساح ثقافتِنا واتِّساعها جيلاً بعد جيل، ولعلَّ الفرصة تواتِينا لدراسة خصائص هذا الأسلوب الحكيم، فنَستعرِض مع القراء إشارات القرآن الكريم إلى غزوالفضاء.
دراسة الآفاق:
لا يُمكِن ارتياد الآفاق بغير دراسة سابِقة لها تُمهِّد السبيل لإجراء تَجارِب عديدة تُيسِّر الاندفاع في الفضاء، ومقاومة جاذبيَّة الأرض التي تُكبِّل الإنسان والحيوان.
والقرآن الكريم نبَّهنا إلى الآيات الكونية بين الأرض والسماء، وحفَّزنا إلى دراستِها، وذكَر لنا كثيرًا من الحقائق عنها، وقد تَحدَّثنا بالتفصيل في مقالاتِنا السابقة عن هذه الحقائق، ومن المُمكِن إجمالها فيما يأتي:
1- ليس هناك فراغ مُطلَق في الآفاق كما ورَد في القرآن، وقد افْترَض العلماء أخيرًا مادة سَمَّوها (الأثير) تَملأ جميع الآفاق من سطح الأرض إلى الفضاء إلى الكواكب والنجوم، وقد ساعد هذا الفرض على حلِّ كثير من المشكلات العلميَّة، وإن كان أمر هذه المادة لا يزال غامضًا أمام العلماء، كما أنَّ آينشتاين أَثبتَ أنَّها فرض خيالي، ولكنَّه يُقرِّر أنَّ الفضاء لا فراغ فيه.
2- ذكَر القرآن الكريم الأشعة الكونية بوصْفها - وإن لم يكن قد ذكرها باسمها - ونعَتَها بأنها: ﴿ شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ﴾ [الرحمن: 35]، وأنَّ الآفاق امتلأتْ ﴿ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴾ [الجن: 8]، ولم يَكشِف العالَم هذه الأشعة إلا منذ عشرات السنين.
3- أشار القرآن الكريم إلى الشُّهب التي تَحترِق في طبقات الجوِّ العُليا، كما أشار إلى ما يصِل منها سالِمًا إلى الأرض، وسَمَّاها بالحاصِب، وجعَلها نكالاً لمن حُقَّ عليه العذاب.
4- أشار القرآن الكريم إلى الغلاف الهوائي المُحيط بالكرة الأرضيَّة، كما أشار إلى الضغط الجوي وإلى تَدرُّجه في الخِفة كلما ارْتفع الإنسان في طبقات الجوِّ حتى تَنفجِر شرايينه من خِفة الضغط، ويُصبِح صدره ضيِّقًا حرجًا كأنَّما يَصعَّد في السماء.
5- تَحدَّث القرآن الكريم عن أشعة الحرارة وتَموُّجاتها، كما تحدَّث عن أشعة الضوء، وانكسارها، مما ذكرْناه فيما سبَق من مقالات.
6- ذكَر القرآن الكريم تَموُّجات الصوت على متن الهواء، كما أشار إلى التموُّجات اللاسلكيَّة عبر الأثير في آفاق السموات، وقد سبَق لنا شرْح هذه الإشارات.
7- شرح القرآن الكريم تكوين السُّحب والثلوج والصواعِق والبرق والرعد وتكوين الأنهار بدقَّة بالِغة الروعة والأداء.
وقد تحدَّثنا في مقالاتنا السابقة عن هذه الظواهر العديدة بالتفصيل، وما ذكَرها القرآن لمجرَّد الذِّكر أوالتسلية وإزجاء الفراغ، وإنَّما لنرى فيها قُدرة الله وإبداعه وإحكامه، ولِنستكمِل دراستَها وننتفِع بما فيها من طاقات وإمكانيات؛ ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [ص: 27].
أولاً: رؤية هذه الآفاق:
وعَد الله - وهوأَصدق الواعِدين - أنَّه سيُرينا من آياته الكونية في الآفاق ومن عجائب قُدرته وبديع حكمتِه فيها ما يَردُّنا إلى الإيمان به دون شكٍّ أوارتياب؛ قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت: 53].
وعن طريق ارتياد الفضاء تتمُّ لنا رؤية هذه الآفاق وما تَتَّصف به من روعة ودقَّة وإحكام وقد كشفْنا جانبًا من آيات الله فيما أبْدعه بين الأرض والسماء فيما سبَق من مقالات، والآن نرى أنَّ الله -تعالى- قد بدأ يُحقِّق وعْده في كشْف آياته الكونية بين الأرض والسموات؛ ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [النمل: 93].
ثانيًا: طبق عن طبق:
ويقول الله -تعالى-: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ [الانشقاق: 16- 19]، ولقد فسَّر القدماء ركوب الطَّبق عن الطبق تفسيرًا مجازيًّا مناسبًا لثقافتهم العلميَّة التي تكاد تَجْهَل كلَّ شيء عن الفضاء، ولهم في هذا عُذرهم، فإنَّ الإنسان لم يعرف شيئًا من أسرار الفضاء إلا من سنوات معدودات، ومن القواعد المُقرَّرة في عِلم اللغة وعند علماء التفسير: "إنَّ الحقيقة هي الأصل، وإنَّ المجاز هوالطارئ على هذا الأصل، ولا يُمكِن العدول عن الأصل إلا إذا تَعذَّرت الحقيقة، أفليس لنا الحقُّ أنْ نُفسِّر التعبير القرآني في هذه الآية بالحقيقة لا بالمجاز؟ أليست الصواريخ الحاملة للأقمار مكوَّنة من عِدَّة طبقات تَنفصِل منها واحدة بعد الأخرى في الفضاء حتى يستوي القمر في مداره الحقيقي حول الأرض؟ أَليستِ الأقسام القرآنيَّة السابقة للتأكيد تشرح له بذكْر آيات الله الكونيَّة في الآفاق الشَّفقَ والليل وما يَضمُّه، والقمر حينما يَصل في منازله إلى درجة الكمال والاتِّساق؟ ثم إنَّ القرآن يؤكِّد الخبر بعدة تأكيدات: أقسام مُتوالِية، ثم لام القَسم، ثم نون التوكيد، ومن المعروف في علوم البلاغة أنَّ التأكيدات لا تَتَوالَى إلا في أمر عجيب يُنكِره الفِكر للوهْلة الأُولى، فتأتي التأكيدات مُتوالية للإثبات، وأيُّ أمرٍ أَعجب من ارتياد الإنسان آفاق الأرض والسموات؟ إنَّ سياق الآيات الكريمة يُوحي بما ذكرناه، وإن كان أدبنا مع القرآن الكريم يَحملُنا على ألا نَحصُره في نطاق ما فهِمناه، ولكنَّه يَحمِلنا على تدبُّره وتفويض معناه إلى الله.
ثالثًا: أقطار السموات والأرض:
يقول الله - جلَّ شأنه -: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ﴾ [الرحمن: 33 - 35]، والآية حَملتْ بعض الباحثين حديثًا على أنْ يُفسِّروا السلطان بسلطان العِلم؛ ليَستدلَّ بالآية الكريمة على غزوالفضاء، وقد خانه أسلوب الاستدلال؛ لأنَّه على غُفْل عن ختام الآية الكريمة: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ﴾ [الرحمن: 35]، والآية تدلُّ حقًّا على ارتياد الفضاء، ولكن عن طريق استدلال آخر، فإنَّ الآية الكريمة تَنفي استطاعة الجنِّ والإنس الخروج من أقطار الأرض والسموات معًا؛ أي: الخروج من الكون كلِّه، وهذا ما لا سبيل إليه؛ لأنَّ الكون مَحفوف بأشعة قاتِلة لا سبيل إلى اجتيازها، وتأمَّل حكمة القرآن في أنَّه لم يقلْ (من أقطار الأرض فقط)، كما أنَّه لم يقلْ (في أقطار السموات والأرض)، أليس في هذا ما يُشعِرنا بأنَّ النَّفاذ من أقطار الأرض وحدَها مُحتمَل، وأنَّ النَّفاذ في داخل أقطار السموات والأرض مُحتمَل، أمَّا النفاذ منهما خارجًا عن نطاقهما معًا فهومستحيل، وإذا كان الجن قد أصبحوا ممنوعين من اختراق الآفاق لاستِراق السمع - كما ورَد في كثير من الآيات - فبَقي احتمال اختراقها مقصورًا على الإنسان وحدَه، أمَّا خروج الإنسان من نطاق المجموعة الشمسيَّة إلى مجموعة أخرى فمستحيلٌ؛ لأنَّ هذه الرحلة تَستدعي آلاف السنين في الذهاب ومثلها في الإياب.
رابعًا: القول في السماء والأرض؟
ذكرْنا في مقالاتنا السابقة أنَّ القول عبارة عن اهتزازات تَموُّجيَّة على متن الهواء تَنتقِل إلى الآذان، فتُترجِمها إلى كلمات، يَحدث هذا على سطح الأرض، أما في الآفاق حيث يَنعدِم الهواء فلا سبيل إلى نقْل القول بين إنسان إلا عن طريق التَّموُّجات اللاسلكيَّة على متن الأثير، والله -تعالى- يقول: ﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنبياء: 4]، أليس في هذه الآية الكريمة إيحاء بما أَمكن تَحقيقه من تردُّد القول بالأمواج اللاسلكية بين الأرض والأقمار الصناعية، وبينهم وبين مراكز التوجيه في الأرض، وهم على سطح القمر الخالي من الهواء؟! وقد تحدَّثنا عن هذا بما فيه الغَناء، أليس معنى هذا أنَّك أيُّها الإنسان لا تَستطيع أن تُخفي ما تتحدَّث به عن سَمْع الله السميع العليم، سواء كنتَ على سطح الأرض، أوفوق طبقات الهواء، أوفي هبوطِكَ على سطح القمر أوأي كوكب آخر.
خامسًا: السيطرة على الآفاق:
أَشعرَنا القرآن الكريم أنَّ نهاية الحياة البشريَّة تكون عندما تتمُّ للإنسان السيطرة التامَّة على الكرة الأرضية: (هوائها، وفضائها، وصحاريها)، وحينما تتحقَّق هذه السيطرة التامة، ويَمتلئ الإنسان بنَشوة النَّصر مُعتقِدًا أنَّه قادر على كلِّ شيء، تبدأ النهاية المحتومة؛ قال -تعالى-: ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾ [يونس: 24]، والإنسان الآن يَعمَل جاهدًا في سُبُل هذه السيطرة، ولن تتمَّ له السيطرة على الفضاء، وهي ما تتسابَق الدول في الوصول إليه الآن.
سادسًا: وهو على جَمْعِهم إذا شاء قدير:
أنبأنا الله - سبحانه -: إنَّ في الكواكب كائنات عاقِلة؛ قال تعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ [الإسراء: 44]، و(من) تُستعمَل للدلالة على العاقل، وقال - تَبارَكت أسماؤه -: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: 93]، وإن كان العلم لا يَزال يُحاول كشْف هذا الموضوع كما أنبأنا - سبحانه -: إنَّ في الكواكب كائنات غير عاقلة؛ قال -تعالى-: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الصف: 1]، و(ما) تدلُّ على غير العاقل، وقال - عز من قائل -: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الجمعة والتغابن: 1]، ثم أَخبَرنا - سبحانه - أنَّ في الكواكب دواب تَدبُّ على سطحها كما تَدبُّ على سطح الأرض، والدواب هي التي تَدبُّ على الأرض سواء كانت من البَشر أم الحيوان.
قال - سبحانه -: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [النحل: 49]، وقال سبحانه: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ﴾ [الشورى: 29]، والله - سبحانه - يُخبِرنا في هذه الآية أنَّه -تعالى- قدير على جَمْع سكان الكواكب بسكان الأرض إذا شاء ذلك، سواء أكان الجمع عن طريق مَركَبات الفضاء صعودًا إلى الكواكب، أوهبوطًا منها إلى الأرض أوعن طريق آخر كالاتِّصالات اللاسلكيَّة وهوعلى جمْعهم إذا يشاء قدير.
سابعًا: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء:
بشَّرنا الله - سبحانه - أنَّه من المُرتقَب أنْ نصِل إلى السماء يومًا من الأيام، ونبَّهنا إلى أنَّ الواجب علينا - حين يتمُّ لنا هذا النصر - ألا نَمتلِئ بالزهووالكبرياء، وألا يَغرَّنا بالله الغرور، فليس معنى هذه القفزة العلمية الرائعة أنَّنا أصبحنا آلهة أوأنَّنا أَفلتْنا من قبضة الله، فسواء درَجْنا على سطح الأرض، أم انتقلنا في سفن الفضاء إلى الكواكب الأخرى، فالبشر هم البشر، وهم تحت رحمة ربِّهم أوعذابه ونواصيهم بيديه، أينما يكونوا؛ ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [العنكبوت: 22]، وعبارة ﴿ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ تدلُّ على ما توقَّعه الإنسان من ارتياد الآفاق وغزوالكواكب، وقد أَرشَدنا الله - سبحانه - إلى أنَّ الجنَّ سبقتْنا إلى الاعتراف بهذه الحقيقة على الرّغم مما في طبيعتها من عتوٍّ وجبروت، وقد عبَّرت عن هذا بقولها - كما جاء في سورة الجن -: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ﴾ [الجن: 12].
وبعد:
فهذه إشارات مُعبِّرة أوحتْ إلينا بها التعبيرات القرآنية التي تَناولتِ الآفاق، وتَحدَّثت عن الأرض والسماء وما بينهما من كائنات إشعاعيَّة أوغازية أوشُهب ونَيازِك.
وقد فهمنا هذه الإشارات المُعبِّرة في ضوء ما هدانا إليها العِلم الحديث، فإنْ نكن قد أصبْنا في فهْمنا، فهذا من فضْل الله، وإن نكن قد أخطأنا، فمن أنفسنا، وحسْبنا أجر المُخطِئ إنْ فاتنا أجر المجتهد إذا أصاب؛ ﴿ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ [سبأ: 50]، والله أَعلمُ بالصَّواب.

اكتب تعليق

أحدث أقدم