رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه الإقتصاد الإسلامى



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الرُّؤى الاقتصادية في الإسلام تنفرد عن سائر النظُم الوضعيَّة، بنظرات خاصة للمال، والملكية، فالإسلام لا ينكرها، ولا يطلقها.
ويتفرد بما يلي:
أولاً: جعل الثراء مسؤولية للتكافل، وأمانة لدعم الفقراء.
ثانيًا: العدل في التوزيع بين أفراد المجتمع.
ثالثًا: أحقيَّة الفُقراء في أموال الأغنياء بإخراج الزكاة الواجبة، وإلزام الحكَّام لهم بالنفقة إن لَم تكفِ موارد الدولة.
رابعًا: عدم وضْع الإسلام حدًّا أعلى للملكيَّة، مع قُيود عليها.
وكما هو معروفٌ، فإنَّ الكثيرَ منَ النظُم الشيوعيَّة والشموليَّة والاشتراكيَّة سقطتْ نتيجة زيادة ابتعادها عن أطر الأديان، وتركيزها على اغتنام الدول لثروات المؤسسات الكبرى والأفراد بحجج التأميم، وأنها من حقوق الشعوب، رغم مجيئها بكد وعمل بعض الناس، فسقطت وأفلست؛ لكونها لم تكن إلا صورًا من الفساد واستغلال النفوذ، بنهب أموال الأغنياء لصالح السلطات الحاكمة.
تحقيق التوازن:
وفى هذا نرى أمثلة واضحةً بالاتحاد السوفيتي المنهار، وبلدان الكتلة الشرقية، وبعض الدول الدكتاتورية، أما الصين فصمدت طويلاً؛ لأنها جمعت بين مزايا الرأسمالية والاشتراكية معًا، ولم تطلق العنان للسلطات لضرب القطاعات الخاصة بحجج التأميم، فجذبت تريليونات الدولارات سنويًّا لعمل مشروعات بها، وأما اليابان فابتعدت كثيرًا عن هذه السياسات بتنفيذها لخطط البناء المتدرج للاقتصاد الشامل، والقائم على تقاليد وقيَم وأعراف الشرق، التي أمَّنت كثيرًا من سياساتها، لكنها وقعتْ فريسة الخسائر الرأسمالية في النهاية؛ لإفراطها في السير خلف نهج أمريكا.
ففي الاقتصاد الاشتراكي عنصر العمل هو الأساس للإنتاج، والوجود على الساحة الاقتصادية، سواء كان يدويًّا أم عقليًّا، وعائده يتحدد بثمن وقيمة العنصر، حسب خطط التنمية الاقتصادية، الآخذة في الاعتبار نظريات العرْض والطلب، لكن في الاقتصاد الإسلامي يكون التركيز على عوامل الإنتاج، المتمثلة في العمل ورأس المال؛ وذلك استنادًا إلى عقود المضاربة والمقارضة، وتوزيع العوائد تبعًا للأرباح أو الخسارة لرؤوس الأموال، ويقدم بعض الشركاء رؤوس أموالهم، ويقدم الآخرون مجهودهم فقط، بأنشطة الزراعة والفلاحة في الأراضي، ويسعى فيها المرءُ إلى تنمية أرباحه وثرواته دون الوقوع في براثن الربا المحرم.
وتسهم زكاة المال، وزكاة الفطر، والصدقات في تميز المجتمعات الإسلامية وتنميتها خلال مواسم العام، فهذه الأموال التي يدفعها الأغنياء من أرصدتهم، تدور في الأسواق، وتذهب مباشرة إلى حركة البيع والشراء؛ لتنعش التعاملات والصفقات، وبالتالي تدور حركة الاقتصاديات من خلال سلسلة متصلة تفيد رجال الأعمال والمستثمرين، الذين سبق أن دفعوا هذه الأموال ابتغاء مرضاة الله.
ويتميَّز الاقتصاد الإسلامي عن الاقتصاد الغربي فى وضعه عنصرًا إضافيًا يغلف الاقتصاديات الإسلامية، ألا وهو التقوى التي تُصلح مسار التعامُلات والصفقات، وتنقِّي الضمائر، وتكافح الفساد، فخشية الله تجعل المرء لا يرتكب الاحتكارات، والإغراق، ولا يقع فريسة غسيل الأموال المحرمة، والاتجار في المخدرات؛ قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]، وجزاء التقوى عند الله تعالى هي البركة التي تحل فتزيد من قيمة الرزق، بينما إن فقدت التقوى فقد تذوب الكنوز وتضمحل، وتضيع المليارات، وتصبح أثرًا بعد عين، ولنا في الأزمة المالية مثالاً حيًّا وقريبًا؛ حيث ضربت أسواق القروض المباعة، وخسرت صفقات مشبوهة كانت تسير بنظام الغرر، وبيع الديون، والربا في القروض، والمتاجرة بأموال ناتجة عن أنشطة غير مشروعة، خاصة في أمريكا والغرب الذي تجرع كأس الخسائر الرأسمالية.
اقتصاديات شرعية:
لقد انتشرت المصارف الإسلامية لنجاح أسسها، حتى إنها لفتت أنظار الغرب الذي بات يأخذ بعض نهجها مثل:
سعي بعض بنوكه لتصفير سعر الفائدة، وتبقى نقطة مهمة تميز الاقتصاديات الإسلامية، ألا وهي الاتفاقات الشرعية التي تقوم على سعر السوق، وقوى العرض والطلب، والذي يحدد نصيب كلّ من العمل، ورأس المال في المضاربة؛ أي: العملية الإنتاجية ذاتها، وكذلك ضبط الأسواق من زوايا عدم إجحاف التجار بالمستهلكين، أو القيام بفرض أسعار مبالغ فيها عليهم، وإلا تعيَّن على أولي الأمر التدخُّل الفعلي لتحديد الأثمان؛ أي: عوائد كل عنصر دون خسارة البائع أو ظلم المشترى، باعتبار أن هذا التوازن هو غاية ما يحرص عليه الإسلام بقوله تعالى: {لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]، وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 9]، وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا ضرر ولا ضرار))، وما أشار إليه - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تهضموا الناس حقوقهم فتكفروهم))، أما بالنسبة لأصحاب الديانات المنحرفة، فأتت عليهم الدنيا، وضاقت بما رحبت؛ فقد قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66].
ولَم يدع الدين الأمور تسير بلا حساب، فوصف المبذرين بأنهم إخوان الشياطين، وهذا بالطبع يتنافى مع ما قد نراه في هذا العصر من ترَف وبذخ من بعض الأثرياء، الذين ينفقون بغير حساب، ويصرُّون على إضاعة الأموال هباء بدلاً من صيانتها؛ لأنها أمانة ونعمة حباهم بها الله - عز وجل - وشكره يكون بشكل مباشر بالتقوى، وبشكل غير مباشر بحسن التعامل مع النعمة، وعدم التبذير في الإنفاق، يقول الله تعالى عن هؤلاء المترفين: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116]، ومضى الإسلامُ إلى الربط بين الإنفاق في سبيل الله وتقواه - عز وجل - وتعمير المجتمعات؛ قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]؛ أي: كلفكم المولى بعمارتها، فالتنمية حقيقة واقعة يدفع إليها الدين الحنيف كي يكون المرء نافعًا، لا مجرد استهلاكي هادم، وضرب الخلفاء الراشدون أعظم الأمثلة في الجمع بين نشر الدِّين، والتكافل الاجتماعي، وبناء الحضارات القوية اقتصاديًّا، حتى إنه كان ينادى في المدن على الفقراء ليغترفوا من خزائن بيت المال بالحق والعدل، ووصل الأمر إلى تحول فقراء المدن الإسلامية في القرون الأولى إلى الاكتفاء في العيش، فبحث موزعو الزكاة عن مصارف أخرى كتزويج الشباب.
رقابة دينية:
تفوَّق النظام الإسلامي اقتصاديًّا بتجريمه الواضح لصور أكْل أموال الناس بالباطل، وكذلك مكافحته أشكال اتِّباع الهوى في جمع الأموال من طرق غير مشروعة، خاصة إذا ما انطوت على مغالطات متعمدة في الاتفاقيات أو غش وخداع بالصفقات، ولهذا نشأت الرقابة الذاتية القائمة على مراعاة الدين كوسيلة لتجنُّب الانزلاق إلى هاوية التدليس، والاختلاسات، والفساد الذي عانى منه الغرب، وأدى إلى إفلاس الكثير من مؤسساته، وفقدان بنوكه مليارات الدولارات لهروب المقترضين بأموال طائلة منها للخارج، كما يحرِّم الإسلام التعدِّي على المتاجر والمحال بأعمال العنف لنهبها وسلبها، وقطع الطرق واعتراض القوافل التجارية، وترويع الأبرياء، واختطافهم كرهائن لطلب الفدية، كما يفعل القراصنة الصوماليون حاليًّا قبالة سواحل خليج عدن والمحيط الهندي، وكذلك جرَّم الدين محاولات بعض التجار ضرب الأسواق بالإغراق والاحتكارات، وتشحيح السلع في المواسم لتخزينها؛ بغية تحقيق أرباح طائلة على حساب الكادحين والفقراء، وأصبح من ثوابت الدين مراعاة التكافل الاجتماعي في عمليات البيع والشراء، وعروض التجارة، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الزكاة كأداة للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي: ((تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم))؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - عن التعاون: ((من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له)).
ولَم يكتفِ الرسولُ بالتوجيهات الإجمالية، بل كان يفصل ذلك، فيذكر أصناف المال، والنواحي الشرعية لصرفه، وكيفية إنفاقه في الخير والبر والتقوى، حتى إنه صنف ما يضعه المرء في فم زوجته على كونه صدقة، وخلص الفقهاء إلى أن الأفضل للمسلم التصدُّق بالمال الزائد، وفتح أبواب الخير لنفسه، ولمن حوله؛ قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 46]؛ أي: إن ما يبقى للمرء في الحقيقة لنفعه في يوم القيامة هو ما ينفقه لوجه الله تعالى، وهذا الأساس يقود الأمم إلى الزهد الاقتصادي، فلا تكالب رخيص على الشهوات، ولا لهث وراء كسب الأموال من أي طريق، بل يعلم الإسلام أن القناعة كنْز لا يفنى، والمال وسيلة لا غاية، وهذه هي الأهداف المثلي للمجتمعات التي تريد مرضاة الله.

اكتب تعليق

أحدث أقدم