رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن التقوى معيار الإحترام



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أننا ننتسب إلى أعظمِ دِين، ونتبع أعظمَ نبي أُرسل للعالَمين، ولكننا - أقولها آسِفًا - زهِدنا في هذا الدين، وفي هذا النبي الكريم، ربنا عز وجل يقول لنا: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، ونبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم يوصِينا: ((أُوصِيكم ونفسي بتقوى اللهِ عز وجل))؛ [رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني].
ونحن لا نكترث لأمر التقوى، لا نرى في التقوى أو في لوازمها معيارًا حقيقيًّا نَقِيس به الناس، وميزانًا لاحترامِهم وتقديرهم، إنها إشكالية: معايير (مقاييس) الاحترام عند الناس اليوم، نجد أناسًا في هذا الزمان إنما يحترمون ويقدرون ويتزلَّفون ويتوددون ويسوِّدون ويقرِّبون صاحبَ الجاه والسلطان، وغاب عنهم أنه ما مِن جاهٍ إلا سيبلى، إلا جاهَ ربِّ العالمين، وما من سلطان إلا سيفنى، إلا سلطان الرب العظيم.
إن أناسًا اليوم يبالغون في توقير أرباب المال الفاني، ويبالغون في تعظيم أصحاب المباني وإن غابت فيهم المعاني، وأقصِد بالمعاني هنا: قِيَم الأخلاق والأدب والدِّين، ربما تناسَوا أن أصحاب المظاهر والمفاخر لا ينفَعُهم ما هم عليه من جميل المظهر والفخر، إن ساءت منهم السرائر والضمائر.
إن أناسًا اليوم يتملَّقون ويتزلَّفون ويتوددون لأصحاب النَّسَب العالي، وأصحاب الحسَب الغالي، وكأن مَن سواهم لا يستأهلون - على الأقل - أقلَّ الاحترام وأدناه.
إن المعيار الحقيقي الذي يتعيَّن علينا لزامًا أن نقيس به الناس، ونزِنَ به الناس، ونضع به الناس، ونرفع به الناس، ونحكم به على الناس هو: معيارٌ وميزانٌ ومقياسٌ واحدٌ: التقوى وما يتَّصل بها مِن حُسنِ سمتٍ ودِينٍ.
هذا هو المقياسُ الشرعي الوحيد في التصنيف الحقيقي للناس، هذا هو المعيار الشرعي الوحيد في التمييز بينهم، وهنا يكفينا شاهدًا أن الله تعالى دلَّل على هذا المقياس أو المعيار في نحو قوله: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]؛ فكان أكرمَ الناس عند الله جل وعلا وأقرَبَهم إليه منزلاً: الأتقياءُ، الأنقياءُ والأصفياء.
وقال الله عز وجل أيضًا: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: 197]؛ فجعَل الله - سبحانه - التقوى خيرَ ما يتزوَّد به العبد ليوم الرحيل، يوم اللقاء بالجليل، ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]؛ فالله تعالى جعَل الخير كل الخير في التزامِ التقوى، وبمفهوم المخالفة: فإن الزُّهد في التقوى شرٌّ عظيمٌ ليس بعده شر.
أحبتي، لقد اهتم الإسلامُ بالتقوى كمعيار لتصنيف الناس، ومقياس للحُكم عليهم، وهيأ لها - أي التقوى - أمينًا وأميرًا، إن أخَذ بها صلَح أمرُه كلُّه، وإن فرَّط فيها فسَد أمرُه كلُّه، ألا وهو القلب؛ فإن القلب أميرُ البدن وأمينُه؛ فإن عمّر الإنسانُ قلبَه بتقوى الله تعالى صلح قلبه، ومَن صلح قلبه صلحت سائر جوارح بدنه، ومَن فسد قلبه فسدت سائر جوارح بدنه، وعلامة فساده: تركُ التقوى، وهي رقابة الله جل وعلا، واستشعار معيَّته جل في العلا، فلا يراك - تبارك وتعالى - حيث نهاك، ولا يفقِدُك حيث أمرك، وهو العليمُ العلام الذي يعلم جهرك وسرَّك ونجواك.
أخرج البخاريُّ ومسلم عن النُّعمانِ بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلَحَت صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدت فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ)).
وأخرج مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((التقوى ها هنا)) ويشير إلى صدره ثلاث مراتٍ، وإنما أشار النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى صدرِه وأراد القلبَ؛ لأنه محلُّ تقوى الله تعالى، ولأن هذا القلب إن كان عامرًا بتقوى الله عز وجل، ظهر أثر ذلك جليًّا على ما يعتري العبدَ من أحوال، ويصدُرُ عنه من أقوال وأفعال، فتكون التقوى عنوانًا لخيرِ الأقوال والأعمال والأحوال.
في هذا السياق، يتأكَّد أن من لوازم التقوى المتصلة بها، ومن آثارها المترتبة عليها: صلاحَ عمل الجوارح، وما يظهر عليها مِن حُسن سَمتٍ وصلاحٍ في الدنيا؛ فإن ذلك مما يدل على أن القلبَ عامرٌ بالتقوى؛ فهي مئنَّتُها وعلامتها.
لهذا نجد أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يفاضل مثلاً في شرائط (شروط) الزواج وأوصافه، موضحًا شروط الزواج الناجح؛ حيث ربطه عليه الصلاة والسلام بحُسنِ الدِّين والخُلق، وهما من دلائل التقوى وعلاماتها؛ إذ لا يعلَم حقيقةَ التقوى الخفيَّة التي محلُّها القلبُ إلا اللهُ تعالى ربُّ البرية، وأما الخَلْق فيستدلون على وجود التقوى في القلب بما يظهر على الجوارح من صلاحٍ واستقامةٍ.
نحن نستدلُّ على تقوى القلب بظاهر عمل الجوارح، والله تعالى يتولَّى السرائر الخفية، والضمائر السرية؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((تُنكَح النساءُ لأربعٍ: لمالها ولحسَبِها ولجمالها ولدِينها، فاظفَرْ بذاتِ الدِّين ترِبَتْ يداكَ))، وفي لفظ: ((فخُذْ بذات الدِّين والخُلُق ترِبَتْ يداك))؛ [متفق عليه].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا جاءكم - وفي لفظ: إذا أتاكم - وفي لفظ - إذا خطَب إليكم - مَن ترضَون دِينَه وخُلقه - وفي لفظ: خُلقه ودِينه - فأنكِحوه - وفي لفظ: زوِّجوه - إلا تفعلوا تكُنْ فتنةٌ وفسادٌ كبيرٌ - وفي لفظ: وفسادٌ عريضٌ))؛ [رواه ابن ماجه والطبراني وغيرهما بسند حسن].
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم جعَل من الاحترام كل الاحترام لصاحب (صاحبة) الدِّين والخُلق، وفاضَلَ بينهما وبين غيرهما من أصحاب الجاهِ والمال، والحسَبِ والسُّلطان.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه كذلك، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((ومَن بطَّأ به عمَلُه لم يُسرِعْ به نسَبُه))؛ [رواه مسلم]؛ أي: مَن لم يرفَعْه حُسنُ عمله إلى منزلةِ أهل الطاعة والبِرِّ ممَّن رضي الله عز وجل عنهم، وغشِيَتْهم رحمتُه، ونزلت عليهم سكينته، وجعَلهم عنده مِن أهل الرضا والقبول - لم يشفَعْ له شرَفُ نسَبِه، ولا حسَبُ آبائه، ولم يُسرِعْ به إلى الجنة فيكون مِن أهلها.
إن الله - عز وجل - أعزَّ بلالاً بحُسْنِ إسلامه، وقد كان عبدًا أسودَ حبشيًّا، وأذَلَّ أبا جهلٍ وصناديدَ قريش بكفرهم وشِركهم وغَيِّهم، وقد كانوا سادةَ مكةَ وكُبَراءَها ووجهاءَها وأسيادَها.
فيا مَن يفاضِلون بين الناس، فيرفَعون منهم أقوامًا ويضَعون منهم آخرينَ، ويبذلون الاحترامَ لبعضِهم ويتنكَّرون في بذله لآخرين.. نعم ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83] كما أمرنا الله تعالى - لكن اعلَموا أن أساسَ الاحترام والتبجيل والتعظيم والتقديم والتفصيل عند ربِّ العالَمين هو: التقوى وما يتصل بها مِن حُسنِ السَّمت، واستقامة على الدِّين.

اكتب تعليق

أحدث أقدم