رئيس جامعة الأزهر يلقي كلمته في مؤتمر التعايش والتسامح بمكتبة الإسكندرية



كتب . الدكتور خالد عبد اللطيف رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

ألقى فضيلة الأستاذ الدكتور سلامة داود رئيس جامعة الأزهر في المؤتمر الدولي حول: (التعايش والتسامح وقبول الآخر نحو مستقبل أفضل) بمكتبة الإسكندرية
الحمد لله الذى خلق الناس جميعًا من نفس واحدة، وجعلهم على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وطبائعهم وثقافاتهم أخوة لأب واحد هو سيدنا آدم -عليه السلام، ولأم واحدة هي أمنا حواء -عليها السلام، فمن تعارف مع أخيه في الإنسانية فقد وصل رحمه، ومن تناكر لأخيه في الإنسانية فقد قطع رحمه، قال الله جل وعلا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾
والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى أبويه إبراهيم وإسماعيل وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الجمع الكريم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
أتوجه بخالص الشكر على هذه الدعوة الكريمة للمشاركة في هذا المؤتمر برعاية فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر–حفظه الله.
إن الإسلام السمح قضى على التفرقة العنصرية وهدم بنيانها بقول الله جل وعلا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلكم لآدم وآدم من تراب» وجعل بلالًا الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي-وكانوا عبيدًا- جعلهم أخوة في الإسلام لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وكانوا سادة، فأزال الفروق بين الطبقات الاجتماعية كما أزال التفرقة العنصرية.
إن الكتاب العزيز قرر التعايش والتسامح بين الأديان كلها، فكل إنسان حر في أن يختار دينه ولا يكره أحدٌ أحدًا على دينه، قال تعالى: ﴿لا إكراه فى الدين﴾ وقال: ﴿لكم دينكم ولى دين﴾، ثم لم يجعل الفصل بين أهل الأديان المختلفة إلا لله وحده يفصل بينهم يوم القيامة، فقال جل وتقدس: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾.
واحترم الإسلام دور العبادة وأمر بالمحافظة عليها؛ لأنها أماكن يذكر فيها اسم الله كثيرا، فقال جل وعلا: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ والبيّع هي الكنائس، ومَرّ الإمامُ علىّ كرم الله وجهه على أحد الأديرة المهدمة، فقال رجل يخاطب هذا الدير المهدم: «لطالما كفر بالله هاهنا» فقال الإمام علي رضي الله عنه: «بل قل: لطالما عُبد الله هاهنا».
ووصف القرآن الكريم أتباع سيدنا عيسى -عليه السلام- بالرأفة والرحمة، كما وصف أتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالرحمة؛ فقال في أتباع سيدنا عيسى عليه السلام: ﴿وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ﴾ وقال فى أتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ».
كما وصف القرآن الكريم أتباع سيدنا عيسى -عليه السلام- برقة قلوبهم والبكاء عند سماع القرآن الكريم فقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾.
ووصف أتباع سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال جل وعلا: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ﴾.
وأمرنا الإسلام عند الحوار مع الآخرين أن نتخير أفضل طرق الحوار وأحسنها وأهداها دون إغلاظ فى القول، فقال جل وعلا: ﴿وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ وقال: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾.
وعندما قدم وفد نصارى نجران إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد النبوي ليحاوروه قدموا وهم يلبسون أزياءهم الكنسية ويحملون الصلبان في أعناقهم، واستأذنوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، فأذن لهم، فدقوا النواقيس في المسجد وصلوا صلاتهم على مرأى ومسمع من كل المسلمين، وبرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، (ينظر دلائل النبوة للبيهقى 5/384 ت د/ عبدالمعطى قلعجي).
وشهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالعدل للنجاشي وكان مسيحيًّا، وأمن على أصحابه أن ينزلوا في جواره؛ لأنه ملك لا يُظلم عنده أحد، وأزال القرآن الكريم الغرابة في خلق سيدنا عيسى -عليه السلام- من أم دون أب بقياسه على خلق سيدنا آدم -عليه السلام- بلا أم وبلا أب فقال جل وتقدس: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾، والغرابة في خلق سيدنا آدم أشد؛ لأنه لم يُخلق من رحم امرأة وإنما خُلق من تراب، والتراب ليس رحمًا يُنجب، أما سيدنا عيسى -عليه السلام- فوُلد من رحم صالح للإنجاب.
إن الإنسانية كلّها بجميع الأديان والمذاهب والمعتقدات تشترك فى الدعوة إلى مكارم الأخلاق والفضائل الإنسانية، فالصدق محمود في كل دين ومذهب، والكذب مذموم في كل دين ومذهب، والأمانة محمودة في كل دين ومذهب، والخيانة مذمومة في كل دين ومذهب، قال الإمام محمد عبده رحمه الله تعالى: «إذا سمعت من رجلٍ كلمةً تحتمل الكفر من مائة وجه وتحتمل الإيمان من وجهٍ واحد، فاحملها على الإيمان»، وتلك هي سعة الأفق التي دعا إليها الإسلام ودعت إليها الأديان السماوية، أن نتراحم ونتعاطف ونتآلف ونتقارب ونتجاور ونتزاور ويقبلَ بعضنا بعضًا مهما تعددت الأديان والمذاهب والأفكار واللغات والثقافات، فالإنسانية تجمعنا، والمحبة تجمعنا، والصدق يجمعنا، والأخوة تجمعنا، والقضايا المشتركة التي يعيشها العالم كله تجمعنا، فيا حكماء العالم أطفئوا كل فتنة تُوقد النار والكراهية والبغضاء والعنصرية والحرب والدمار، وأضيئوا كل شمعة ومصباح يؤلّف القلوب ويجمعها على الحب والرحمة والخير والصدق والعدل ومكارم الأخلاق، أحسنوا المعاملة حتى مع من أساء إليكم، وتذكروا أن خاتم النبيين ورحمة الله للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان كفار مكة واقفين بسيوفهم على باب بيته يريدون قتله، وهو داخل البيت يأمر سيدنا عليا أن يرُدّ إليهم أماناتهم التى استودعوه إياها، يريدون له القتل وهو يريد حفظ أماناتهم، التى استودعوه إياها، يريدون له القتل وهو يريد حفظ أماناتهم، وخيره الله تعالى أن يُطبق عليهم جبلى مكة فيموتوا جميعا، فاختار لهم الحياة وقال: «اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون»
قال المقنع الكندي في قصيدة عالية:
وَإِن الَّذي بَيني وَبَين بَني أَبي وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفُ جِدّا
أَراهُم إِلى نَصري بِطاء وَإِن هُمُ دَعَوني إِلى نَصرٍ أَتيتُهُم شَدّا
فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرتُ لحومَهُم وَإِن يَهدِموا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدا
وَإِن ضَيَّعوا غيبي حَفظتُ غيوبَهُم وَإِن هُم هَوَوا غَييِّ هَوَيتُ لَهُم رُشدا
وَإِن زَجَروا طَيرًا بِنَحسٍ تَمرُّ بي زَجَرتُ لَهُم طَيرًا تَمُرُّ بِهِم سَعدا
وَلا أَحمِلُ الحِقدَ القَديمَ عَلَيهِم وَلَيسَ كَريمُ القَومِ مَن يَحمِلُ الحِقدا.
وأيضا نجد وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف وقداسة البابا فرنسيس كان لها الدور الفعال في نشر الأخوة والتسامح منذ توقيعها في الرابع من فبراير عام 2019م في مدينة أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، مماجعل الأمم المتحدة تقرر الاحتفال بيوم 4 فبراير من كل عام يوما عالميا للأخوة الإنسانية



اكتب تعليق

أحدث أقدم