رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه الجمال

بقلم \  المفكر العربي الدكتور  خالد محمود عبد القوي  عبد اللطيف
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
إنشاء "علم الجمال" حلم راود الكثير من الفلاسفة، وتطلع إليه كل أولئك الذين اهتموا بالدراسات الجمالية، وما زالت الجهود يتبع المتأخر منها المتقدم حيث يجتمع بعضها إلى بعض في سبيل تحقيق ذلك.
وقد وصلت القناعة لدى بعضهم إلى اعتبار ذلك واقعًا قائمًا لا مرية فيه، وأن هذا العلم قد وقف على قدميه وأخذ موقعه المناسب مع بهائه بين العلوم الأخرى. ومن ثم وضعت التعاريف له كأي علم أخذ أبعاده في ميادين الثقافة والمعرفة. ونذكر هنا على سبيل المثال تعريف "هيغل" حيث قال:
"إن علم الجمال هو فلسفة الفن الجميل، إنه فلسفة للوعي الجمالي، وفلسفة للقدرة على الإبداع الأكثر صدقًا وجمالاً، فلسفة للتذوق الأكثر قدرة على الاستيعاب"[1].
واندفع بعضهم في عقد المقارنات بين "العلم" وبين "الفن" باعتباره الميدان الفسيح لموضوع "الجمال". فهذا "هربدت ريد"[2] يقرر أنه ليس ثمة معايير للحقيقة تنطبق على العلم وحده دون الفن، لأنه إذا كان للعلم لغته القائمة على العلامات، فإن للفن لغته القائمة على الرموز[3]... ثم يقول: فأنا في النهاية لا أميز بين العلم والفن إلا باعتبارهما مناهج، هذا إلى أني أعتقد أن التناقض الذي قام بينهما في الماضي كان راجعًا إلى نظرة قاصرة محدودة إلى كل من النشاطين، إذ الحق أن الفن هو وسيلة تمثيل إحدى الحقائق، وأن العلم هو تفسير الحقيقة نفسها[4].
وقد أكد هذا الاتجاه "ريمون بايير"[5] رغم اعترافه بالصعوبات الكثيرة التي حالت دون قيام علم موضوعي للجمال - حيث رأى أن "الاستطيقا" - علم الجمال - هي أولاً "علم الكيف" في حين أن العلوم جميعًا "كمية" ثم هي مشوبة بعامل ذاتي، في حين أن العلوم جميعًا موضوعية، وهي أخيرًا ذات طابع فردي أو جزئي أو خاص، في حين أن كل علم هو بالضرورة علم بالكلي أو العام[6]. وبهذا يرى أنه وضح الأركان التي يقوم عليها هذا العلم.
وفي المقابل ذهب فريق آخر إلى نفي إمكانية قيام هذا العلم، لاختلاف بين طبيعة العلم وبين طبيعة الفن. "فالعلم ينتقل من الوقائع المادية إلى الكشف عن القوانين العامة (التجريد)، أما الفن فإنه لا يستخدم التجريد أو البرهان كمنهج ولا يخضع للفروض (الافتراض) أو التصنيف العلمي، إنه ينبع من ذاتية الفنان المتفاعلة مع الموضوع"[7].
ويستبعد "ألكسيس كاريل"[8] إمكانية تطبيق النظرة العلمية في هذا الميدان حيث يقول: تبدو الوسيلة العلمية - للنظرة الأولى - غير قابلة للتطبيق على تحليل جميع وجوه نشاطنا.. لأن فنوننا لا تفهم الأشياء التي لا أبعاد لها ولا وزن، وإنما هي تصل فقط للمناطق التي تقع في الاتساع والزمن، إنها غير قادرة على قياس الغرور والحقد والحب والجمال[9].
ويذهب "جورج سانتيانا"[10] إلى أبعد من هذا فينكر علم الجمال أصلا ًفيقول: "إنني لا أسلم - في الفلسفة - بوجود فرع خاص يمكن أن نسميه باسم (فلسفة الجمال) فإن ما اصطلحنا في العادة على تسميته باسم (فلسفة الفن) لهو - فيما يبدو لي - مجرد دراسة لفظية. مثلها في ذلك كمثل فلسفة التاريخ سواء بسواء"[11]. ثم يؤكد ذلك بقوله: إن لفظ "استطيقا" - علم الجمال - ليس إلا مجرد لفظ مائع استخدم حديثًا في الأوساط الجامعية للإشارة إلى كل ما يمس الأعمال الفنية والإحساس بالجمال[12].
تلك كانت نماذج لآراء كل من الفريقين، يمكننا بعدها أن ندلي بالملاحظات التالية:
(1) إن الفريق الأول الذي قال بإمكانية قيام هذا العلم، قصره على الفن، باعتباره ميدان الجمال، وقد صرح بذلك هيغل في كتابه "المدخل إلى علم الجمال" حيث قال: "هذا المؤلف موقوف على الاستطيقا، أي على فلسفة الجمال، على علمه، وبمزيد من الدقة، الجمال الفني حصرًا دون الجمال الطبيعي"[13] وقد أغفلوا بذلك ميدانين فسيحين للجمال هما: الطبيعة والإنسان. بل إن بعضهم قصره على بعض فروع الفن الجميل كالنحت والتصوير.. وهذا نقص كبير يسجل على هذا العلم لو وجد!
(2) إنهم - أيضًا - لم يستطيعوا فصله عن الفلسفة.. حتى عد فصلاً من فصولها. وما كان كذلك لا يسمى علمًا، طالما أنه لا يستقل بنفسه، ويذهب "أبو ريان" إلى استحالة قيام علم للجمال لا يستند إلى إطار فلسفي واضح المعالم[14].
(3) إن هذا الفريق نفسه لا تجمع بين أفراده وجهة نظر واحدة. بل كثيرًا ما يكون بعضهم على طريفي نقيض مع بعضهم الآخر، على الرغم من حصرهم "للجمال" في "الفن" وهذا ما عبر عنه الدكتور زكريا إبراهيم بقوله: ولو أننا حاولنا الآن أن نبحث السمات العامة التي تتصف بها فلسفة الفن في الفكر المعاصر، لوجدنا أنه قد يكون من العسير - إن لم نقل من المستحيل - الاهتداء إلى خصائص مشتركة تجمع بين شتى الاتجاهات المعاصرة في فلسفة الفن. والسبب في ذلك أن تعدد المذاهب الفلسفية في القرن العشرين قد عمل على اختلاف وجهات نظر الفلاسفة في الحكم على "الخبرة الجمالية" حتى لقد يبدو لأول وهلة أننا نشهد اليوم "فوضى فكرية" لا نظير لها في ميدان الدراسات الجمالية بصفة عامة وفي طريق الحكم على الفن بصفة خاصة[15]...
(4) وحتى وقتنا الحاضر فليس هناك "مصطلحات" لعلم الجمال متفق عليها. بل يكاد يكون لكل عالم مصطلحاته الخاصة. فالفن عند "كروتشه"[16] (حدس)، والعمل الفني عند هيدجر (شيء) والأعمال الفنية مجرد أشياء. والموضوع الجمالي عند "سارتر"[17] هو مجرد "متخيل" أو"لا واقعي" ونجد "التمرد" عند ألبير كامي[18]...[19].
وعدم الاتفاق على المصطلحات أمر يعيق تقدم العلم. إذ لا يستطيع المتأخر البناء والمتابعة لما أنتجه من سبقه. بل إن عدم الوضوح في هذه المصطلحات قد يجعل الفائدة قليلة من ذلك الإنتاج ويعطينا المثال على ذلك الدكتور زكريا إبراهيم لدى بحثه عن فلسفة هيدجر فيقول: نرى لزاما ًعلينا أن نشير إلى ما في هذه الفلسفة من اصطلاحات فنية دقيقة قد تعسر ترجمتها أحيانًا إلى أية لغة أجنبية، وهذا هو العائق الكبير الذي اصطدم به معظم مترجمي هيدجر[20]...
تلك بعض المآخذ على القول بإنشاء "علم للجمال" وهي مآخذ مهمة لا يمكن الإغضاء عنها وتجاوزها، وهي السبب في تضخم الموضوعات التي نسبت إلى هذا العلم بل وتورمها في بعض الأحيان، مما جعل الكثير من هذه البحوث ليست بذات جدوى.
موضوعات "علم الجمال":
على الرغم مما سبق ذكره - من استبعاد وجود علم الجمال - فإن الكتب التي ظهرت تحت هذا العنوان كثيرة جدًا، فما هي الموضوعات التي تضمنتها هذه الكتب؟ أو بتعبير أدق، ما هي الموضوعات التي يرى الراغبون في قيام هذا العلم وجودها فيه؟
إن الموضوع الأساسي لعلم الجمال؛ هو دراسة الجمال في أعمال الفن الجميل[21]. ولكن "بومجارتن"[22] أضاف إلى ذلك دراسة تكوين الذوق، وطبيعة الانفعال، والاهتمام بتحليل منطق الفن ممثلاً في طبيعة الخيال الفني[23]. وجاء "كانت" بعده فأثار من المشكلات الجمالية ما لم يكن للفلاسفة به عهد. مثل مشكلة الحكم الجمالي، ومشكلة صلة الشكل بالمضمون في العمل الفني، ومشكلة علاقة الفن بالطبيعة، ومشكلة تصنيف الفنون، ومشكلة الصلة بين الجميل والجليل[24]...
ثم اتسع نطاق هذه الموضوعات في القرن العشرين بتأثير النظريات الفلسفية "فلم يكتف الباحثون في فلسفة الفن بإعادة النظر إلى المفاهيم التي درج علماء الجمال على استخدامها مثل مفهوم "التعبير" ومفهوم "الصورة" ومفهوم "الحدس" ومفهوم الرمزية... بل حاولوا أيضًا ربط "فلسفة الفن" بمباحث أخرى مهمة مثل مبحث اللغويات العام[25]...
على أننا نستطيع أن نرجع الموضوعات التي تناولتها كتب علم الجمال إلى أصلين رئيسيين: أحدهما يتعلق بالموضوع الجمالي، والثاني يتعلق بالفنان.
(1) أما ما يتعلق بالموضوع الجمالي، فلا نجد كتابًا تناول كل ما يتعلق به، وإنما تناول كل كاتب جانبًا من الجوانب. ولعل أهم الفقرات هي:
• معنى الجمال، الجمال المجرد.
• هل الجمال هو ذات الشيء الجميل، أم هو المشاعر؟.
• جمال الطبيعة وجمال الفن.
• الشكل والمضمون.
• أسس الجمال وضوابطه.. التناظم والتناسق..
• مهمة الفن: إيقاظ المشاعر.. تهذيب الأخلاق.
• التصور الموضوعي للفن.
• الفكرة.
• خصائص اللغة الفنية.
• اللذة الجمالية واللذة الحسية.
• تصنيف الفنون الجميلة.
• علوم جمالية جديدة.. علم الجمال الاجتماعي.. علم الجمال الصناعي.
• وظيفة الفن.. ترفيهية، مثالية، تطهيرية..
(2) وأما ما يتعلق بالفنان، فمما تناولته كتب الجمال:
• شخصية الفنان وأثرها.. وضرورة الاهتمام بها؟!..
• العبقرية والإلهام.
• الخيال والواقع.
• الإبداع وكيفية حدوثه.
• التقليد والمحاكاة للطبيعة.
• الأسلوب، الطريقة، الأصالة.
• الموهبة، الذوق، الذكاء..
• الخبرة الجمالية.. في التذوق والنقد والعمل الفني.
• علاقة الفنان بالمجتمع.
• مهمة الفنان..
• الالتزام.. الفن الموجه..
• المدارس الفنية.
وهناك إضافة إلى ما سبق موضوعات تتعلق بالمشاهد (المتأمل) ومدى خبرته الفنية ومشاركته الفنان نظرته...
وكذلك فيما يتعلق بعالم الجمال ومهمته، هل هي مجرد دراسة للعمل الفني.. أم هي نقد...؟
ذلك سرد لأهم الموضوعات.. ومن خلالها يتبين لنا أن كثيرًا من العناصر حشرت وأضيفت إلى هذا الفن لمجرد شبهة العلاقة كموضوع الإبداع وكيفية حدوثه.. والإلهام والعبقرية.. كما أن موضوع الفن طغى طغيانًا تامًا على "الجمال" فتحول الحديث إلى الفن.. وترك الجمال وشأنه.
والملاحظة المهمة: 
أنه وحتى وقتنا الحاضر قد سجل هذا العلم فشله في إيجاد خطة منهجية للبحث يسير الكاتب أو المؤلف من خلالها. فنرى عناوين هذه الكتب متشابهة بل ومتطابقة بعض الأحيان. ثم لا نجد تشابهًا في طريقة البحث، أو تناول الموضوعات. فما يتناوله مؤلف قد لا يستوقف مؤلفًا آخر.. ويهتم بعضهم بما يهمله الآخر.
________________________________________
[1] دراسات في علم الجمال. مجاهد ص 21. 
[2] مفكر وعالم جمال وشاعر إنكليزي (1893 - 1968) عمل أستاذًا للفنون بجامعة أدنبره. 
[3] فلسفة الفن. زكريا إبراهيم ص 334 - 335. 
[4] التربية عن طريق الفن. هربرت ريد ص 18 - 19. 
[5] مفكر فرنسي (1898 - 1959). 
[6] فلسفة الفن. زكريا إبراهيم ص 356.
[7] فصول في علم الجمال. برجاوي ص 77. 
[8] عالم أمريكي ذو مكانة علمية عالية منح جائزة نوبل عام (1912) لأبحاثه الطبية الفذة. 
[9] الإنسان ذلك المجهول ص 54. 
[10] فيلسوف وشاعر أمريكي (1863 - 1952) ولد بمدريد أهم كتبه (الإحساس بالجمال). 
[11] فلسفة الفن. زكريا إبراهيم ص 69. 
[12] فلسفة الفن. زكريا إبراهيم ص 69. 
[13] المدخل إلى علم الجمال. هيغل ص 5.
[14] فلسفة الجمال. أبو ريان ص 50.
[15] فلسفة الفن. زكريا إبراهيم ص 12. 
[16] بندتو كروتشه (1866 - 1952) فيلسوف إيطالي، اشتهر مذهبه باسم (فلسفة الروح) من كتبه (المجمل في علم الجمال). 
[17] جان بول سارتر (1905 - 1980) فيلسوف وأديب فرنسي، اقترنت الفلسفة الوجودية باسمه. 
[18] ألبير كامي (1913 - 1960) كاتب فرنسي اتسمت أعماله الأخيرة بالمذهب الوجودي. 
[19] راجع فلسفة الفن. زكريا إبراهيم ص 43 (الحدس) و 261 (الشيء) و240 (المتخيل) و 206 (التمرد). 
[20] المصدر السابق ص 258 - 259. 
[21] فلسفة الجمال. أبو ريان ص 111. 
[22] فيلسوف ألماني (1714 - 1762) أول من استخدم لفظ (استطبقا) للدلالة على علم الجمال. 
[23] علم الجمال. الديدي ص 39. 
[24] فلسفة الفن. زكريا إبراهيم ص 8. 
[25] المرجع السابق ص 11.

اكتب تعليق

أحدث أقدم