رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه المواريث والتكافل الإجتماعي

بقلم \ المفكر العربي الدكتور  خالد محمود عبد القوي  عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
بعض الذين عالجوا نظام المواريث في الإسلام كانوا خاضعين لشعارات فوضوية مِن هذه الشعارات التي تخدع العقولَ وتَهدِم العواطف، لكنها - عند التحليل العلمي - بعيدةٌ عن الحق والصواب والرؤية الاجتماعية الشاملة، التي تَنظر إلى الأسرة كبناء مُتكامل، وإلى المجتمع في النهاية كوحدة مُتماسِكة مُتعاوِنة.
وإذا نظرنا إلى كل أسرة طبيعية، فإننا نجدها تتكون مِن رجل وامرأة، فإذا كان ميراث الرجل ضِعفَ المرأة، فإن كل بيت في النهاية سيتكون مِن ثلاثة أنصبة - 2 الذكر + 1 للأنثى - والسرُّ التشريعي الحكيم وراء هذا هو الحفاظ على التكافل الاجتماعي؛ إذ يبقى الأخ - الزوج لامرأة أجنبية - مُرتبطًا بإخوانه وأرحامه شاعرًا بمسؤولية نحوهم، وتَبقى الأخت - الزوجة لرجل أجنبي - شاعرة بانتماء لإخوتها وأرحامها من زاوية مسؤوليتهم نحوها تجاه ما أخذوه مِن فارق في الميراث، يُمثِّل ضمانًا اجتماعيًّا لها عندهم في حالات موت زوجها أو ضياع مالها.
وهذا نموذج نُقدِّمه لبيان روح التكافل الاجتماعي الذي يَتخلَّل نظام المواريث في الإسلام، فلم يجعل الإسلام المواريث قواعدَ رياضيَّةً جافة تقطع كل الوشائج والأرحام، ونحن نلمَس هذه الروح مِن خلال بصرنا الحكيم في آيات المواريث نفسها؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا * يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ * تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [النساء: 9 - 14].
• وعند الفحص الدقيق لآيات المواريث نجدها مصبوغة بصبغة الله اللطيف الخبير الذي يَصنع القوانين دائمًا في إطار من الحب والتكافل والرحمة، وقد يجبر النواحي القانونية بأوامرَ أخلاقيةٍ وشرعية لا تقل قوة عن النواحي المادية، فللوالدين في الإسلام بعامة - وللأم بخاصة - حقوقٌ تسمو على كل الحقوق المادية، وكأنها تجعل الولد وما يملك لوالديه، ولم يأمر الإسلام بالذلِّ إلا مع الوالدين: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ [الإسراء: 24].
ومِن الزاوية المادية البحتة التي يركز عليها بعضهم، تَرِد حالة الأم بصور ميراثها المختلف كوارثة، وحالة الإخوة لأمٍّ بصور ميراثها المختلفة - مساوية ماديًّا للرجل، أو مُتفوِّقة عليه معنويًّا، ومساوية له ماديًّا في بعض الحالات، وفي هذا الدلالة العظمى على عدل الشرع الحكيم، وعلى تقديره لعلاقة الأمومة، وعلى أن هذا الشرع الحكيم لا يُجامل الرجل على حساب المرأة، وكذلك لا يُجامل المرأة على حساب الرجل، ولا يُحابي طبقة على حساب أخرى، بل يُعطي كل ذي حق حقَّه، في ضوء المصالح العامة، والظروف الخاصة، والواجبات المُلقاة، والحاجات المُلحَّة.

اكتب تعليق

أحدث أقدم