رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الثقة في الله وقت المحن

بقلم \ المفكر  العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي  عبد اللطيف
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
مما لاشك فيه أن في ساعات الشدائد تنكشف معادن الرجال:
ففي سنة "1930م" كانت الحكومة الفرنسيَّة الحاكمة للجزائر تحتفل بمرور قرن على احتلال الجزائر، ويقول مندوبها: "إن الإسلام "ومُحمّدًا" قد ودَّعا الجزائر إلى الأبد"!
لقد أثار هذا التصريحُ كُلَّ الجزائريين، وربما بكى كثير منهم، لكن عالمًا فاضلاً رفض أن يُعلِن انهزاميَّته، وقرَّر أن يقوم بعمل حضاري إيجابي هادئ لعودة الجزائر إلى الإسلام، وليحرِّك همَّة الأُمَّة، وليبعث فيها الأمل والانتماء إلى إسلامها وعروبتها؛ ذلكم هو الإمام ابن باديس!
ولد الإمام "ابن باديس" - الشيخ الرئيس - سنة "1889م" في مدينة قسنطينة أكبر مدن الشرق الجزائري، وأبدع مُدُن الجزائر على الإطلاق من حيث الموقع الطبيعي، وأشهرها من حيث احتضانها القديم للثقافة الإسلاميَّة، وإنجابها لكثير من قادة الفكر الإسلامي في الجزائر، وكذلك كثرة الآثار الإسلامية بها.
لقد كانت قسنطينة - طيلة عهد الاستعمار الفرنسي بالذَّات - طليعةَ مدن الجزائر كفاحًا في سبيل الدفاع عن الثقافة الإسلامية، والمحافظة على الهُوِيَّة العربية.
وفي قسنطينة هذه نشأ الشيخ "عبدالحميد بن باديس" وترعرع، وتلقَّى علومه، ثم تخرَّج في الزيتونة عام 1912م (أعادها الله لمجدها الإسلامي)، ولم يلبثْ أن قام بالحجِّ إلى بيت الله الحرام - شأنه شأن الأمير "عبدالقادر" - حيث استغلَّ هذه الرحلة الدينية، فطاف بالمشرق والمغرب، وأُتيحَ له أن يعرفَ مِن أمراض المسلمين الشيء الكثير، فعاد إلى الجزائر عازمًا على الإصلاحِ وَفْق منهج إسلامي تكوَّنت أبعادُه في ذهنه من مجموعة من المؤثِّرات المهمشة، صدر بعضها من الواقع، وصدر بعضها عن الثقافة التي تشبَّع بها الشيخ، وصدر بعضها عن الروح الإسلامية الجديدة التي أشاعها في سماء العالم الإسلامي الإمام "محمد بن عبدالوهَّاب"، والسيد "جمال الدين الأفغاني"، وتلميذه وصديقه الشيخ "محمد عبده"، خاصة وأن الشيخ "محمد عبده" قد زار الجزائر سنة "1903م"، وأصبح له تأثير كبير في نفوس المثقَّفين والوطنيِّين الجزائريين على السواء.
وعلى امتدادِ ما يزيد على ربع قرن من الزمان - من حياة الشيخ التي لا تزيد عن واحد وخمسين عامًا - كان الشيخ "ابن باديس" - رحمه الله - يقضي بياضَ نهاره ومعظمَ ليله في "الجامع الأخضر"، أو "سيدي قهوش"، أو "سيدي بو معزة"، أو "مدرسة التربية والتعليم" بقسنطينة يُعلِّم ويحاضر، ويفسِّر القرآن، ويغرس القيم الإسلامية بكُلِّ الطرق المستوحاة من منهج القرآن في التربية.
لقد آمَن الشيخ بشيء عظيم؛ لقد آمن بأن مستقبلَ الجزائر الإسلامي يتوقَّف على تكوين قياداتٍ شبابيَّة تنصهر في بوتقة الإسلام، ويتاح لها أن تتَّصِل بالإسلام من خلال منبعه الثَّرِّ الصافي "القرآن الكريم"، ولم يقف الشيخ "ابن باديس" عند حدود المحاضرات والدروس في قسنطينة؛ وإنما كان دائمَ التَّجْوال والانخراط في كُلِّ التجمُّعات التي يستطيع مِن خلالها أن يغرس القيم التي يؤمن بها، وتحقيقًا لأكبر أرضية يمكن أن تصل إليها هذه القيم؛ فقد شجَّع الشيخ الصحافةَ العربية والإسلامية التي كانتْ تجد كُلَّ عنتٍ من السياسة الفرنسية وعملائها؛ ومن هنا فقد قام الشيخ نفسه بإصدار مجلَّة "الشهاب" وجريدة "التقدُّم"، كما ساعد في تحرير جريدة صديقه الشيخ "البشير الإبراهيمي" "البصائر"، وكذلك مجلات: "السُّنَّة"، و"الشريعة"، و"الصراط"، وجريدة "المرصاد"، وغير ذلك من المجلاَّت والجرائد التي تسير مع طريق الشيخ وطريق جمعيَّة العلماء المسلمين.
لقد كان الشيخ الرئيس يؤمِن بتكوين "الفرد" إيمانًا مطلقًا، ويرى أن "الفرد" أساس المجتمع الصالح؛ ومن هنا فقد عكف على الدروس والمحاضرات، وعمل على الاتِّصال المباشر بتلامذته، وتكوين علاقات فردية، يستشف من خلالها روح الفرد، ويتمكَّن من التأثير فيه.
وقد قدَّم دروسًا قرآنية انتهتْ به إلى تقديم تفسير كامل للقرآن احتفلتِ الجزائرُ كُلُّها بيوم الانتهاء منه، ومن خلال التفسير قام بتربية الأُمَّة، وبثِّ روح العمل والإخلاص، والمقاومة للاحتلال الأجنبي "عدو العروبة والإسلام".
وقد قدَّم الشيخ "ابن باديس" - باعث النهضة الإسلامية في الجزائر - درسًا عمليًّا في رفض اليأس مهما كان جبروت أعداء الله؛ فالله أكبر من كُلِّ الظالمين، ونحن - بجهودنا المخلصة، ووسائلنا المحدودة، واللجوء إلى فقه كتاب الله في تربية الأُمَّة - نستطيع أن ننقذ الأُمَّة من الظالمين في كُلِّ ساعات الشدائد، فالله أكبر من كُلِّ قُوَى الأرض، وهو غالبٌ على أمره، وعليه - وحده - فليتوكَّل المتوكِّلون مع الأخذ بالأسباب، والثِّقة المطلقة بربِّ الأسباب الذي يقول للشيء: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [البقرة: 117].

اكتب تعليق

أحدث أقدم