رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الميثاق الغلبظ



بقلم \ المفكر العربى الدكتورخالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الإسلام رغَّب في الزواج والمحافظة عليه، وسمَّاه الله تعالى مِيثاقًا غليظًا، وندب الزوجين إلى إحْسان العشرة بينهما وبيَّن حقوق كلِّ واحد منهما وما ينبغي فعله لصَلاح الحياة الزوجيَّة، وحث على غضِّ الطَّرف عمَّا يكون من أحد الزوجين من تقصير أو نقص في الخلق أو الخلق؛ ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]، ومتى حصَل في الحياة الزوجيَّة ما يكدر صَفاءها ويمنع من التنعُّم في أفيائها، وعجز الزوجان ومَن حولهما عن إصلاح ما اعوجَّ واستَحال عيشهما سويًّا فإنَّ الإسلام يُبِيح الطلاق حِينذاك بلا إفراط ولا تفريط.
وتبرز محاسن التشريع الإسلامي في هذا الباب في أمور وأحكام كثيرة منها:
(1) أنَّ الطلاق بيد الرجل:
جعَل الإسلام أمَر الطلاق بيد الزوج، ولعلَّ من حِكم هذا التشريع الرباني أنَّ من فطرة الرجل التريُّث والتدبُّر، ولا يندفع مع عواطفه وانفعالاته، وهو القائم على الأسرة؛ قال الله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 34]، ولِما قد يترتَّب على الطَّلاق من فَوات كثيرٍ من المصالح على الزوج، فهو الذي سلم المهر، ونفقة زوجته وعياله واجبةٌ عليه في جميع الأحوال، وقد يترتَّب على الطلاق لُزوم حُقوق ماليَّة كمُؤخر صداق ونحوه.
على أنَّ للزوجة المطالبةَ بالطلاق في حال تضررها بالبقاء مع زوجها، ولها أنْ تصطلح معه على ما يحقق مصالحهما، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ [البقرة: 229].
(2) تضييق مَسالك الطلاق:
من رحمة الله - سبحانه وتعالى - بعِباده أنْ ضيَّق مسالك الطلاق؛ فجعل للطلاق عددًا ووقتًا محددين، ومن شأن ذلك أنْ تقلَّ حالات الطلاق - لو عقلها الناس! - كما سيأتي.
وقد أبطَلَ الإسلام كثيرًا من تصرُّفات أهل الجاهليَّة التي كانت المرأة تصطلي بنارها؛ كجعْلهم الطلاق بلا عدد ولا حدٍّ، وتعليق الزوجة وقتًا طويلاً، ونحو ذلك.
(3) التحذير من الهزل بالطلاق:
بيَّن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عظم شأن الطلاق ومدى خُطورته، فبيَّن أنَّه من الأمور التي لا هزل فيها، وأنَّ مَن طلَّق هازلاً فإنَّه يقع طلاقه؛ فعن أبي هريرة - رضِي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ثلاثٌ جدُّهن جدٌّ، وهزلهنَّ جدٌّ: النكاح والطلاق والرجعة))[1].
وقد حُكِي الإجماع على أنَّ مَن تكلم بصريح الطلاق فإنَّ الطلاق يقعُ سواء كان جادًّا أم هازلاً [2].
(4) تشريع الرجعة بعد الطلاق:
من محاسن التشريع الإسلامي إباحة مُراجعة الزوج لزوجته المطلَّقة ما دامت في عدَّتها، بل إنَّ الإسلام يُهيِّئ السبل للمراجعة، كما سيأتي في حلقات قادمة بإذن الله تعالى.
(5) تيسير المراجعة:
حيث يجوزُ للزوج المطلِّق مراجعة مُطلَّقته ما دامت في عدَّتها، وتحصل الرجعة بالقول بأنَّ يقول: راجعتك، أو بالفعل بأنْ يأتي زوجته، والإشهاد على الرَّجعة مستحب غير واجب عند جمهور العلماء[3].
(6) إلزام المطلقة بالبَقاء في بيت زوجها إذا كان طلاقها رجعيًّا:
وقد غفل أكثرُ الناس عن هذا الحكم الشرعي المنصوص عليه في القُرآن الكريم؛ يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1].
قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - في تفسير الآية:
وقوله - تعالى -: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ﴾؛ أي: في مدَّة العدَّة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدَّة منه، فليس للرجل أنْ يُخرِجها ولا يجوزُ لها أيضًا الخروج؛ لأنها معتقلة لحقِّ الزوج أيضًا... وقوله - تعالى -: ﴿ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾؛ أي: إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدَّة العدة؛ لعلَّ الزوج يندم على طلاقها، ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها، فيكون ذلك أيسر وأسهل" [4].
وعن عبدالحكيم بن أبي فروة قال: سمعت عمر بن عبدالعزيز يقول: ما بال رجال يقول أحدهم: اذهبي إلى أهلك فيطلقها في أهلها، فنهى عن ذلك أشدَّ النهي، قال عبدالحكيم: يعني: بذلك العدَّة[5].
وينبغي على الزوجين امتثالُ حُكم الله تعالى في هذه المسألة حتى وإنْ وقع الطلاق بينهما، فيلزم الزوجَ إبقاءُ مطلقته في بيته، ويحرُم عليه إخراجها، وعلى المطلقة أنْ تلزم بيتها ما دامت في عدَّتها، ولتحرص على التودُّد والتلطُّف بزوجها والتزيُّن له؛ لعله يُراجعها.
ولنعلم مستمعيَّ الكرام أنَّ الخير كله في امتثال أحكام الله تعالى، حتى وإنْ كانت فيما يظن البعض صُعوبة تطبيقها، فأحكام الله تعالى حاكمةٌ على الناس لا محكومةً بأعرافهم وتقاليدهم!
نسأل الله تعالى أنْ يُفقِّهنا في الدِّين، وأنْ يُعلِّمنا ما ينفعنا، والله تعالى أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
________________________________________
[1] أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وحسَّنه، وابن ماجه والحاكم وغيرهم.
[2] انظر: "الاستذكار"؛ لابن عبدالبر 5/542، "تحفة الأحوذي" 4/304، "عون المعبود" 6/188.
[3] انظر: "المغني" 7/403، "الموسوعة الفقهية الكويتية" 22/113.
[4] "تفسير ابن كثير" 4/379.
[5] "مصنف ابن أبي شيبة" 4 /57.

اكتب تعليق

أحدث أقدم