رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن الإدمان اّفة الاّفات



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
الإدمان وخطره
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الرئيس التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا
العناصر:
1- التعريف.
2- عناية الإسلام بحفظ الأبدان والأرواح.
3- أسباب تعاطيه.
4- الآثار المترتبة عليه.
5- أدلة تحريم المخدرات، والمفترات، والعقاقير النفسية وغيرها.
6- طرق الوقاية من المخدرات، وعوامل مكافحتها.
الموضوع:
أولًا: تعريف الخمر والمخدِّرات:
الخمر في اللغة معناها: "الستر"، ومنها لفظة الخِمار، وهي كلُّ مسكرٍ، وسمِّيت خمرًا؛ لأنها تَستُر العقل، فتجد شاربَها يخرج عن وقاره، ويهذي كالمجنون، ويلعبُ به الصِّبية، بل وقد يفعل السوءَ بأمِّه أو بأخته - عياذًا بالله - ولا حول ولا قوة إلا بالله!
المُخدرات من العقاقير جمع عَقَّار، والتعريف العلمي الأساسي للعقَّار أنه: مادة تُؤثِّر بحكم طبيعتها الكيميائيَّة في جسم الكائن الحي أو وظيفته.
ولفظة المخدرات تحتاج إلى إيضاح مفاهيمها من الناحية اللغوية.
فمادة هذه الكلمة في اللغة العربية تُنزَّل على: السترة، والظُّلمة، والفتور؛ فالخِدْر: سِتر يُمدُّ للجارية في ناحية البيت، ثم صار كلُّ ما واراك من بيتٍ ونحوه خِدرًا، والخَدَر: الكسل والفتور، والخادِر: الفاتر الكسلان، وخَدِر خَدَرًا: إذا استرخى؛ فلا يطيق الحركة، ومنه خَدِر جسمُه، وخَدِرت يداه أو رِجْله، والمخدِّر: مادة تسبِّب في الإنسان والحيوان فقدانَ الوعْيِ بدرجات متفاوتة؛ كالحشيش، والأفيون، والجمع: مخدِّرات.
وفي ضوء هذا المعنى اللُّغوي للمخدرات يتبيَّن أن لفظ "الخدَر" - هو الضعف والفتور - يصيب البدنَ والأعضاء، كما يصيب الشاربَ قبل السُّكر.
هذا اللفظ هو أصل اشتقاق المخدرات، وبِناء على هذا فالمخدر: هو ما يترتب على تناوله كسلٌ وفتورٌ، وضعفٌ واسترخاء في الأعضاء، وفيه معنى السَّتر والتغطية.
والمخدِّرات في الاصطلاح اللُّغَوي: موادُّ نباتيَّة أو كيماوية، لها تأثيرها العقلي والبدني على مَن يتعاطاها؛ فتُصيب جسمَه بالفتور والخمول، وتشلُّ نشاطه، كما يغطيه المسكر، وإن كانت لا تُحدث الشدة المطربة التي هي من خصائص المسكر المائع.
وفي الاصطلاح الطبِّي:
المخدر: كلُّ مادة خام - أو مستحضر - تحتوي على عناصرَ مُسكِّنة، أو مُنبِّهة، من شأنها إذا استُخدمت في غير الأغراض الطبية المخصصة لها، وبقدر الحاجة إليها، دون مشورة طبية - أن تُؤدِّيَ إلى حالة من التعوُّد والإدمان عليها، مما يُضِر بالفَرْد والمجتمع.
وتُعرَّفُ المُخدِّرات عِلميًّا بأنها: مادَّةٌ كيميائية تُسبِّب النعاس أو النوم، وغياب الوعي المصحوب بتسكين الألم، وكلمة مخدر ترجمة لكلمة: نار كوتك Narcotic، والمُشتَّقة من اللاتينية ناركوزيس Narcosis، التي تَعني: يُخدِّر، أو يجعل مخدِّرًا.
وتُعرَّف المخدرات قانونيًّا بأنها: مجموعةٌ من المواد تُسبِّب الإدمان، وتُسمِّم الجهاز العصبي، ويَحظر تداولُها، أو زراعتُها، أو تصنيعُها إلا لأغراضٍ يُحدِّدها القانون، ولا تستعمل إلا بواسطة مَن يُرخَّص له بذلك.
ثانيًا: عناية الإسلام بحفظ الأبدان والأرواح:
إن الإسلام اعتنى بصيانة الكليات الخمسة من: دين، وعقل، وعِرض، ومال، ونفس.
وشارب الخمر - مع الأسف - دمَّر بإدمانه هذه الأمورَ الخمسة:
1- خالَف الدين عندما عصى ربه.
2- ودمَّر العقل عندما ستره بالبلايا التي شَرِبها.
3- وضيَّع المال الذي وهبه الله إياه فيما لا ينفع بل فيما يَضر.
4- أما العِرض والنفس: فكم من عِرض ضاع! وكم من نفس أزهقت بسبب الخمر!
أخي الشاب:
إن العقل هو أعظمُ ما في الإنسان؛ فبه ميَّز الله الإنسانَ عن الحيوان، ولكن ماذا تقول في إنسان كرَّمه الله بنعمةِ العقل، فذهب يَطمس أغلى ما فيه بالخمر.
أتعرف أخي الشاب، أن أهل النار يعترفون أنهم كانوا بلا عقول؟! ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك: 10]
إنَّ أعداءَ الأمة يريدون أن تتحوَّل هذه الأمة إلى أمة مدمِنة، لا تستطيع أن تزرع أو تصنع أو تنتج، يريدونها أمةً متسولة؛ تتسوَّل منهم خبزها ودواءها، وتدور في فَلك أعدائها، فحَذارِ حذارِ إخوتي في الله مِن أمِّ الخبائث، ورأس الشرور، حذارِ حذارِ من الخمر!
ثالثًا: أسباب شرب المخدرات:
أ- ضعف الإيمان:
إن الإيمان هو: "العقبة الكؤود التي تتحطَّم عليها المعاصي، وهو الصخرة القوية التي تتهاوى عليها الشهوات، وهو الضمانة الأكيدة للوقاية من كل شر، وإن صاحب الإيمان يَعرف أن الخمر حرام، ولا يقع فيما حرَّمه الله، ولو زلَّت قدمه فإنه يسارع إلى ربِّه ويندم على ما قدَّم؛ فيتوب وينيب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرَ حين يشربُها وهو مؤمن))؛ رواه البخاريُّ ومسلم، وأبو داود والترمذي والنَّسائي.
ب- القدوة السيئة:
نعم، إن القدوةَ السيئة لها أبلغ الأثر في وقوع الشباب في شرب المخدرات؛ فالشاب الذي خرج للدنيا فوجد أباه يشرب الخمر، ووجد إخوته يشربون المخدرات، ووجد معظم الذين حوله من الكبار يقعون في هذا البلاء - لا شكَّ أن هذا أطوعُ للشيطان من غيره.
إن هذا الشاب نظَرَ إلى أكابر الناس، فوجَدهم في أفراحهم - مثلًا - بين المخدرات والخمور، ونظر إلى الأفلام فوجد البطلَ يشرب الخمر، بل إن عندنا في مصر أمثال تُحرِّض على شرب المخدرات؛ كقول القائل: "رأس بلا كَيْف، تستاهل ضرب السيف".
ج- أصدقاء السوء:
يقول الله عز وجل: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 67].
روى أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم مَن يخالل)).
إن الصُّحبة لها أثر لا يُنكَر، ومن أهم أسباب وقوع الشباب في شرب المخدرات: أصدقاء السوء، الذين يُغرِّرون ببعضهم؛ بقولهم:
1- اشرب، وجرِّب؛ إن الحياة تجارب.
2- اشرب، إن كأسًا واحدة لا تضر.
3- اشرب؛ نحن في فرح، أو في عيد.
4- أو يوصون الشاب بأن يأخذ (برشامَ كذا)؛ ليعينَه على المذاكرة والسهر، ويُنشِّط الذاكرة...
إنهم من شياطين الإنس؛ فاللهم احفظ شبابنا منهم.
د- الفرار من الواقع:
إن الشباب في عصر الأزمات الاقتصادية الطاحنة قد يشعر بالإحباط واليأس:
1- لأنه أراد عروسًا، وعجز عنها؛ لضيق ذات يده.
2- لأنه تعلَّم في سنين طويلة، حتى إذا حصل على الشهادة العالية، جلس في بيته عاطلًا.
فربما حمله اليأس على شرب الخمر والمخدرات؛ لكي يهرب من الواقع البئيس، ويفر منه، والحقيقة أنه بذلك لا يحلُّ مشاكله، بل يعقدها ويَزيدها مشكلات.
هـ- الفراغ الديني عند الكثير؛ بسبب البعد عن العلماء وبيوت الله:
قال تعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 123، 124].
و- الإعلام المدمرُ لكثير من القيم والأخلاق، والأفلامُ والمجلَّات والجرائد، والمناظر المحرَّمة.
ز- المناهج التعليمية الحديثة.
ح- التفكُّك الأسري:
يشرب أمام أولاده، ولا يصلي، ولا يمنع أولاده عن الحرام، وكثرة المشاكل بين الآباء.
ط- كثرة المروِّجين لها.
ثالثًا - الآثار السلبية المترتبة على تعاطي المخدرات:
أ- الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد دينيًّا:
جنح الإسلام في أصوله إلى التزام مبدأ العناية بتهذيب الفرد خاصة؛ حتى يكون مصدرَ خير للجماعة؛ لأنه إذا صلح الفرد صلحت الجماعة، يقول تعالى مخاطبًا رسوله وأنصاره: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هود: 112].
وعنوان صلاح الفرد المسلم إنما يكون بامتثاله الأوامرَ، واجتنابه النواهي؛ ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56].
وتناول المخدرات يُعطِّل عن القيام بهذا الأمر العظيم؛ إذ هي صادَّة عن ذكر الله، مانعة من أداء الواجبات الشرعية من: صلاة، وصيام، وغيرهما؛ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91].
فأيُّ ضرر أعظمُ من هذا الضرر الذي يصيب الإنسان في دينه، ويصده عن عبادة ربه؟! ويكفي مُتناوِلَ المخدرات عقوبةً وذنبًا أنه لا يحلُّ له قربان المسجد حتى يصحوَ، ولا تصح صلاتُه حتى يعلم ما يقول، ولا تقبل منه حتى يتوب؛ عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن شرب الخمر لم تُقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يَقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد في الرابعة لم يقبلِ الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب لم يتب الله عليه، وسقاه من نهر الخَبال))، قيل: يا أبا عبدالرحمن، وما نهرُ الخَبال؟ قال: نهرٌ من صديد أهل النار؛ أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن.
إن الدين أعزُّ ما يملكه الإنسان؛ لأنه الثروةُ الحقيقيَّة التي ينال بها الإنسان سعادةَ الدنيا ونعيم الآخرة، والإنسان الذي يعتني بدينه، ويحافظ عليه سيكون في منأًى عن تأثير الشيطان وأعوانه، ولا يمكن أن يقع في شَرَك المخدرات إلا إنسانٌ ضعفت صلته بالله عز وجل، فإذا سقط في مستنقعها، أفسدت عليه دينه وعقله؛ لأنه وقع فريسة لإبليس الذي يحرص على إغوائه، فيصبح شخصًا لا خَلاق له ولا دين له؛ لأن عقله بات أسيرَ شهواته، فلا يردعه وازعٌ من دين أو ضمير؛ لأن إحساسه يتلاشى، وغيرته الدينية تموت بمخالفته أمرَ الله تعالى، وتنَكُّبِه الطريق السويَّ الذي كان يجبُ عليه أن يسلكه.
ولا ريب أن الدين والعقل من أهم الضرورات التي يحافظ عليها الإسلام؛ فكلٌّ منهما مرتبط بالآخر، فباستقامة العقل يستقيم للإنسان دينُه، فإذا فسد العقل أدَّى ذلك بالضرورة إلى فساد الدين، وإذا فسد دين الإنسان لم يَعُد له منهج سليم يسلكه، ويختلُّ تفكيره، ولا يتورع أن يرتكب أيَّة جريمة، أو يمارس أيَّة معصية في سبيل إشباع نزواته؛ رُوِي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: "اجتنبوا الخمر؛ فإنها أم الخبائث، إنه كان رجلٌ ممن كان قبلكم يتعبَّد، فعلقته امرأة أغوَتْه، فأرسلت إليه جاريتَها، فقالت له: إنها تدعوك للشهادة، فانطلقَ مع جاريتها، فطفق كلما دخل بابًا أغلقَتْه دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلامٌ، وباطية خمر، فقالت: والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليَّ، أو تشرب من هذه الخمر كأسًا، أو تقتل هذا الغلام.
قال: فاسقيني من هذه الخمر كأسًا، فسَقَتْه كأسًا، فقال: زيدوني، فلم يَرُم حتى وقع عليها، وقتل الغلام؛ فاجتنبوا الخمر فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلا أوشَك أن يُخرج أحدُهما صاحبَه"؛ أخرجه النَّسائي موقوفًا على عثمان بن عفان، وإسناده صحيح.
وإذا كان هذا من تأثير الخمر، فإن المخدرات تأثيرُها على العقل أبشع من تأثير الخمر، وما في الخمر من مضارَّ دينية وفكرية يوجد في المخدرات ما هو أشدُّ وأنكى منه.
ب- الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد سلوكيًّا:
"إنَّ تعاطيَ المخدرات يُؤدِّي إلى نتائجَ سيِّئة للفرد بالنسبة لسلوكه، وعمله وإنتاجه، ووضعه الاجتماعي وثقة الناس به.
والأفراد الذين اعتادوا النشاطَ، وكانوا موضعَ الثقة عند غيرهم، تتأثَّر أخلاقُهم، وتَضعُف كفايتُهم الإنتاجية، ويتحوَّلون بفعل المخدر إلى أفراد يفتقرون إلى الكفاية الإنتاجية والمهنيَّة، وتقلُّ لديهم الإرادةُ، ويضعف الحماس، وينعدم النشاط اللازم لتحقيق واجباتهم العادية المألوفة؛ لأن تعاطيَ المخدرات يجعلُهم كُسالى، تفكيرهم سطحيٌّ، لا يوثق فيهم، يهملون أداء مسؤولياتهم، وانفعالاتهم سريعة لأتفه الأسباب، منحرفون في أمزجتهم، وفي تعاملهم مع الناس، وغالبًا ما يتمُّ طردُ المتعاطي من عمله، أو يُجازى ماديًّا، أو يقل دَخلُه وإيراده".
ج- الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد اجتماعيًّا:
لتعاطي المخدرات والعقاقير المخدرة آثارٌ سلبية سيئة على السلوك الإنساني؛ نتج عنها كثير من الانحرافات، وارتكابُ كثير من الجرائم؛ منها:
1- نقص الشعور بالمسؤولية، أو انعدامه بالمرة، وإيجادُ ميلٍ قوي إلى الكذب والنفاق وفتور الهمة، وعدم الاكتراث بالواجبات، وقلة الرغبة في الحياة، وانهيار الحياة الزوجيَّة خاصَّة، وقد يدفع إدمان هذه السموم إلى الانتحار في كثير من الأحيان، أو الزجِّ بالمدمن في أحد السجون، أو أحد مستشفيات المجاذيب.
2- فسادُ الطِّباع والغرائز، وشراسة الخلق، ومعاشرة الأدنياء والسفهاء، وفَقْد الغيرة على العِرض، وسوء السلوك بين الفرد المتعاطي للمخدرات والمسكرات وبين رؤسائه في العمل؛ مما يؤثر على مستقبله الوظيفي.
3- لا يقتصر الضرر على الفرد المتعاطي وحدَه، وإنما يشمل بقيَّة أفراد المجتمع؛ ذلك أنه إذا تعاطى المخدرات واعتاد عليها، سَهُل عليه ارتكابُ أبشع الجرائم - كما أسلفتُ - وهنا يتزعزَعُ الأمن، ويضطرب الاستقرارُ في نفوس الأفراد، وتكثر الخصومات والمنازعات لأتفه الأسباب؛ مما يخلخل قاعدة المجتمع، ويُفكِّك بنيته، ويجعل أبناءه غيرَ مترابطين؛ وبذا تسود الفوضى وتعمُّ البلوى.
4- تعاطي المخدرات بين صفوف الطلبة يُؤدِّي إلى التدهور في التحصيل العلمي، ويبعث على القلق، وقد أثبتت الدراسات التي أُجرِيَت على الطلبة أن الذين يتعاطون المخدرات أكثرُ قلقًا وانفعالًا من الطلاب الذين لا يتعاطونها، واتَّضح - أيضًا - وجودُ ارتباط بين هؤلاء المتعاطين، والتردد على الأطباء النفسيِّين للعلاج.
5- ومن الآثار الضارة الناجمة عن تعاطي المخدرات كذلك: الاضطرابات العاطفية، والعقلية، والسلوكية؛ حيث إن المخدرات تخرِّب الشخصية، وتُشوِّش الإدراك، وتبدل الأُلفة، وتزعزع المَلَكات العقلية، حيث أثبت بعض العلماء أن العقار المُخدِّر يُحرِّر الإنسان من بعض الاعتبارات التي تحدد صفاته الشخصية؛ مما يؤدي إلى الاضطراب الفكري والعاطفي والسلوكي.
6- ازدياد العَلاقة بين تعاطي المخدرات وجريمة إزهاق الأرواح، وجرائم هَتْك الأعراض، والسرقة والغش، والتزوير والنصب والاحتيال، واقتراف أبشع الجرائم.
ونَخلُصُ من هذا إلى: أن السلوكَ الاجتماعي لدى الأفراد عند تعاطيهم للمخدرات يتغيَّر تغيُّرًا جذريًّا، مقارنةً بحالات عدم التعاطي، ويُبرز النواحيَ الشريرة ومكامنَ حبِّ الجريمة في النفس، وممارسة الأفعال الشاذَّة والتصرفات الشائنة.
ومن هنا كانت المخدرات تُمثِّل خطرًا داهمًا على الأمم والشخصيات والعلاقات الإنسانية، والاجتماعية بين الأفراد.
د- الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد صحيًّا:
يُؤدِّي تعاطي المخدرات إلى عدة أمراض نفسيَّة وعقليَّة وبدَنيَّة للشخص المتعاطي أو المدمن، وتفاصيل هذه الأضرار وما تنطوي عليه من أخطارٍ تُهدِّد كيان البشرية أفرادًا ومجتمعات - قد تحدَّث عنها بإسهاب كثيرٌ من الباحثين المتخصصين في المجالات الصحية، ولكن نظرةً فاحصةً في أبحاثهم التي أعدُّوها وبيَّنوا فيها أخطارَ المخدرات وما تَحويه من نتائجَ راعبةٍ كفيلةٌ بمعرفة الخطر الداهم والمستقبل المظلم الذي ينتظر كلَّ من سقط في هُوَّة المخدرات، ووقع في شِراكها.
وقد أجمعَت كلُّ الدراسات على أن المخدرات تُؤثِّر في أجهزة البدن؛ من حيث القوةُ والحيوية والنشاط، ومن حيث المستوى الوظيفيُّ لأعضاء الجسم وحواسِّه المختلفة، وأن التأثير يتفاوَتُ مداه وقوته تبعًا لاختلاف المخدَّرات، ودرجةِ وطريقةِ تعاطيها، مع اشتراكها في بعض خصائص التأثير.
وفي إيضاح الآثار الصحية وغيرها للمخدرات يقول الدكتور علي البدري: هناك آثار بعيدةُ المدى للمخدرات في التدمير والتخريب لعقول مدمنيها، وصحتهم النفسيَّة والجسمية؛ إذ سقطوا عبيدًا للمسكرات والمخدرات، حيث يفقد المريض عقلَه، ولا يرى لنفسه قدرة على العمل والإنتاج؛ فيترك المدرسة - إن كان طالبًا أو مُدرِّسًا - ويترك تجارتَه - إن كان تاجرًا - ويترك عمله بصفة عامة - إن كان عاملًا - ثم ينتابه شعور بأنه مسحور، وأن الآخرين يحاربونه بالسحر، ويشكُّ في أقرب الناس إليه، ويصل به الأمر إلى الشك في أمِّه التي ولدَتْه، وفي أبيه الذي ربَّاه، وفي الواقع ما لديه إلا الجنون، وهلوسة المخدرات المدمرة الساحقة الماحقة.
كما تؤثِّر المخدرات تأثيرًا ضارًّا بالغًا في الوظائف العقليَّة لمتعاطيها؛ من حيث الإدراكُ والتفكُّر، والتذكُّر والتخيُّل، والقدرة على الابتكار، كما تُؤثِّر على حواس الإنسان وعلى انفعاله الوجداني، وعَلاقته مع نفسه ومع الآخرين.
ولكن ذاك التأثير يَتفاوَتُ مداه وقوته تبعًا لاختلاف المخدرات، ودرجة وطريقة تعاطيها كما بيَّنا سابقًا.
إن إدمان المخدرات يؤدي إلى اضطراب الإدراك والحسِّ، وفقدان الشعور والتفكير والوِجدان، والإحساس بالتعب والجنون - والعياذ بالله - كما يؤثر تأثيرًا صحيًّا ملحوظًا على كافة أعضاء الجسم؛ فتتأثر العيونُ، وتتأثر الغُدَد والأسنان والشعر، والجهاز التنفسي، والجهاز الهضمي، وينتج عنه أمراض ضغط الدم وغيرها، وكذا الضعف الجنسي المزمن.
كما تَحدث لمُدمني الخمور والمخدرات: نوباتُ إغماء متكررة، وقرحةُ المعدة، وسرطان المرِّيء، وسرطان المعدة، والتهاب البنكرياس الدموي الحادِّ، ومرض تشمُّع الكبد، وأمراض القلب، والدورة الدموية، والتهاب عصب الرئة المؤدي إلى العمى، وأمراض السُّلِّ الرئوي، وأمراض فقر الدم، وتشوهات الأجنَّة في بطون الحوامل المدمنات.
كما يسبِّب إدمانُ المخدرات: الإنتان الدموي؛ وهو مرض خطير، والأخطر من هذا كلِّه أن المخدرات تعتبر سببًا رئيسًا في مرض "الإيدز"؛ فقدان المناعة المكتسَبة، هذا المرض الذي سبَّب من الرعب والقلق ما لم يسببه أيُّ مرض آخر منذ قرنٍ من الزمان.
هـ- الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد اقتصاديًّا:
إن إدمان المخدرات يسبب اضطرابًا في النمو الاقتصادي بدءًا من الفرد ثم الأسرة ونهاية بالمجتمع كلِّه.
فالفرد لَبِنة من لَبِنات تكوين المجتمع، وانخفاض إنتاجية الفرد يؤدي لانخفاض إنتاجية المجتمع:
1- فإذا استسلم الفرد للمخدرات وانغمس فيها، ضَعف أمامَ مواجهة واقع الحياة؛ الأمر الذي يؤدي إلى تناقص كفاءته الإنتاجية؛ مما يعوقُه عن تنمية مهاراته وقدراته.
2- شرب المخدَّرات أو تعاطيها بأي شكل كان، يُنهِكُ الجسم بوجه عام، ويُؤثِّر ذلك في قدرته على العمل أو الدراسة، فيعتريه حينئذٍ الكسلُ والخمول، فيصبح بالتالي عاجزًا عن القيام بكثير من الضروريَّات؛ مما يجعله سلبيًّا في معظم أحواله.
3- شرب المخدرات وإدمانُها يؤدي إلى هبوط إنتاجيَّته كمًّا وكيفًا، فلقد اتضح أن أهم الاضطرابات التي تحدث لدى المتعاطي أثناء التخدير وترتبط بهبوط الجانب الكمي من الإنتاج: هي اضطراب إدراك الزمن، ويليه في الأهمية اضطرابُ إدراك الأصوات، ثم اضطرابُ إدراك الألوان، ثم قلَّة وضوح الرؤية للأشخاص والأشياء، واضطراب إدراك المسافات، واختلال إدراك الحجوم، كما أن اضطراب الذاكرة وانخفاض كفاءة التفكُّر يرتبطان بانخفاض الجانب الكيفي من الإنتاج (جودة الإنتاج).
4- إن الأموال الباهظة التي ينفقها المتعاطي على شراء المخدر تمثِّل خسارة كبيرة على نفسه وعلى أسرته ومجتمعه؛ فهو مستعدٌّ للتضحية حتى بقُوتِه الضروري الذي يقيم صلبَه، وهو لا يحسن التصرف في ميزانية منزله، وهدفه الوحيد والمفضل هو شراء المخدرات بأي ثمن، مهما كانت حاجة الأسرة؛ فهو مستعد كذلك بأن يضحي بقُوت أولاده؛ إرضاء لغريزته.
وتُمثِّل المخدرات خسارة على المجتمع أيضًا، وتسبب اضطرابًا في جميع أجهزته ومؤسساته، وكلما زادت ظاهرةُ استعمال المخدرات، ارتفعت معدلات الجرائم الخطيرة، مما يقتضي بالضرورة تدعيم أجهزة الرقابة في الدولة، وتشجيعهم بمكافآت مالية وغير مالية على القيام بهذا العمل، وهذا بالتالي يؤدِّي إلى مضاعفة الإنفاق المالي من الدولة على هؤلاء العاملين في مكافحة المخدرات، وهذا لا شكَّ يشكل عبئًا اقتصاديًّا على الدولة.
مما سبق يَتَّضِحُ أن المخدَّرات تؤدي إلى فَقْد الكليَّات الخمس، التي يحرص الإسلام على الحفاظ عليها.
والكليَّات الخمس التي اتفق الفقهاء عليها هي:
(1) الدين.
(2) النفس.
(3) العقل.
(4) العِرض.
(5) المال.
فسرعان ما يفقد متعاطي المخدرات الدِّين حين يُقدم على محرَّم شرعًا، ويترك الصلاة عمدًا، ثم تأتي بقية الأركان، وينهدم البناء من أساسه.
وثاني هذه الكليات هو: الحفاظ على النفس:
ولا شكَّ أن المخدرات تسبب أضرارًا جسيمة بالنفس صحيًّا، وقد أوضحنا آثارها على الصحة.
واجتماعيًّا: حيث الحوادث المروِّعة التي تؤدي إلى إزهاق الأرواح بسبب هذا الداء الخبيث.
وثالث هذه الكليات: العقل:
ووظيفة المخدرات أساسًا هي إزالة العقل، أو المناطق العليا التي تتحكم في سلوك الإنسان، وتعطيه الانضباط.
ورابع هذه الكليَّات هو: العِرض:
ومدمن المخدرات وضيعُ المنزلة، فاقد السُّمْعة الطيبة بين قرنائه، ليس له من تقدير الناس واحترامهم وحبِّهم حظٌّ ولا نصيب.
فضلًا عن أنه من الممكن أن يبيع زوجته وابنته وأختَه؛ من أجل الحصول على شمة، أو حقنة! بل إنه يفقد غيرتَه مع فقدان عقله منذ اللحظات الأولى.
وأما الكلية الخامسة وهي: المال:
فإن المخدرات تأتي عليها، وتأكلها أكلًا، وكم من أشخاص فقدوا ثرواتهم وأعمالهم بسبب إدمانهم للمخدرات! ثم تحولوا بعد ذلك إلى الإجرام والسرقة واللصوصيَّة؛ من أجل الحصول على المال اللازم لشرائها.
وهكذا؛ تؤدِّي المخدرات وإدمانها إلى فقدان الكليَّات الخمس، التي يحرص الإسلام أشدَّ الحرص على الحفاظ عليها.
رابعًا: أدلة تحريم المخدرات، والمفتِّرات، والعقاقير النفسيَّة وغيرها:
يمكن أن نلخص ما اعتمد عليه الفقهاء من أدلة عند الحكم بتحريمها فيما يلي:
الدليل الأول: قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157]، فكل طيب مباح، وكل خبيث محرَّم.
والمخدرات بمختلف أنواعها خبيثةٌ من أشد الخبائث، وأعظمها ضررًا، فيكون تحريمُها منصوصًا عليه في هذه الآية.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90]، ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91].
وقد تقدَّم أن متعاطيَ الخمر أو المخدرات كِلَيهما يَفقد وعيَه، ويتصرَّف تصرفات طائشة، تثير الشِّقاق والخلاف والعداوة والبغضاء، وكِلاهما يكون في غفلة عن الصلاة وسائر التكاليف أثناء فقده الوعي؛ فيكون هذا دليلًا على تحريم المخدرات؛ قال الذهبي في مَعْرِض حديثه عن الحشيشة: "وبكل حال فهي داخلة فيما حرَّم الله ورسوله من الخمر المسكر" والحشيشة من المخدرات.
الدليل الثالث: ما رواه أبو داود في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أسكَر كثيرُه، فقليله حرام))، فقد حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كلَّ مسكر؛ قليلًا كان أو كثيرًا، وهو بعمومه يتناول المخدرات؛ لأنها مسكرة على ما ذكره أكثرُ المحققين من علماء الدين والطب.
هذا، وقد اعتَبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم كلَّ مادة مُسكِرة خمرًا؛ سواءٌ سميت بذلك في لغة العرب، أو لم تُسمَّ به؛ يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((كلُّ مُسكِر خمر، وكل مسكِر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يُدمنها لم يشربها في الآخرة)).
قال ابن تيمية رحمه الله: "ومذهب جمهور المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر العلماء: أن كلَّ مسكر خمر، وكلَّ خمر حرام، وما أسكرَ كثيرُه فقليله حرام، وهذا مذهب مالك وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وهو أحدُ القولَين في مذهب أبي حنيفة، وهو اختيار محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، واختيارُ طائفة من المشايخ".
وقال رحمه الله في كتابه "السياسة الشرعية": "... والأحاديث في هذا الباب كثيرة مستفيضة، جمَع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أُوتي من جوامع الكلم كلَّ ما غطى العقل وما أسكر، ولم يفرِّقْ بين نوع ونوع، ولا تأثيرَ لكونه مأكولًا أو مشروبًا... وقد حدَثَت أشربة كثيرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وكلُّها داخلة في الكَلِم الجوامع من الكتاب والسنة"؛ اهـ.
الدليل الرابع: ما رواه ابن عمر عن أم سَلَمة رضي الله عنها قالت: "نَهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتِّر".
فهذا الحديث أصرحُ في الدلالة على تحريم المخدرات مما سواه؛ ذلك أن المخدرات إما أن تكون مُسكِرةً، أو مُفتِّرة، أو جامعة بين الأمرين، وعلى جميع هذه الاحتمالات فإن الحديث نصٌّ في النهي عنها، والنهي يَقتضي التحريم.
قال في "عون المعبود" عند كلامه عن هذا الحديث:
قال الطيبي: لا يَبعد أن يُستدلَّ به على تحريم البَنْج والشَّعثاء ونحوهما مما يفتر ويزيل العقل؛ لأن العلة - وهي إزالة العقل - مطَّرِدة فيها، وقال في "مرقاة الصعود": "إن رجلًا من العجَم قَدِم القاهرة، وطلب الدليل على تحريم الحشيشة، وعَقد لذلك مجلسًا حضَره علماء العصر؛ فاستدل الحافظُ زين الدين العراقيُّ بهذا الحديث، فأعجَب الحاضرين".
الدليل الخامس: "أنه لا يُشكُّ شاكٌّ ولا يرتاب مُرتابٌ في أن تعاطيَ هذه الموادِّ حرام؛ لأنها تؤدي إلى مضارَّ ومفاسدَ كثيرةٍ؛ فهي تفسد العقل، وتفتك بالبدن، وتصيب متعاطيَها بالتبلُّد وعدم الغيرة، وتصدُّه عن ذكر الله وعن الصلاة، وتمنعه من أداء الواجبات الشرعيَّة من صيام وحج وزكاة... إلخ؛ وفي ذلك اعتداء على الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل، إلى غير ذلك من المفاسد والمضار".
الدليل السادس: أنه لا يحلُّ لمسلم أن يتناول من الأطعمة أو الأشربة شيئًا يقتله بسرعة أو ببطء - بأي نوع من أنواع القتل - أو يضرُّه ويؤذيه؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ... ﴾ [البقرة: 195] الآية، والقاعدة الشرعية المقرَّرة في الشريعة الإسلامية: أنه "لا ضررَ ولا ضرار"، روى الحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضررَ ولا ضرار، من ضارَّ ضاره الله، ومن شاق شاقَّ الله عليه)).
قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات: هذا الحديث دليل ظنيٌّ داخل تحت أصلٍ قطعيٍّ؛ فإن الضرر والضرار مبثوثٌ منعُه في الشريعة كلِّها في وقائعَ جزئيَّات وقواعدَ كليات...
ومنه النهي عن التعدي على النفوس، والأموال، والأعراض، وعن الغَصْب والظلم، وكلِّ ما هو في المعنى إضرار أو ضرار، ويدخل تحتَه الجِناية على النفس، أو العقل، أو النَّسل، أو المال؛ فهو معنى في غاية العموم في الشريعة، لا مِراءَ فيه ولا شك.
وقد أثبتت التحاليل الطبية والتجارب العلميَّة أن المخدرات بأنواعها هي مصدر العلل والأمراض العقلية، والنفسية، والاجتماعية المنتشرة في أنحاء العالم.
الدليل السابع: أنه فضلًا عما تُحدِثُه المخدرات والعقاقير النفسيَّة من آثار مدمرة للصحة، وفتور في الجسد - فإن ما يُنفَقُ من المال على شرائها يُعتبر إضاعة له فيما لا ينفع في الدين أو الدنيا، وقد دلَّت الآيات القرآنية العديدة والأحاديث المستفيضة على استعمال المال في الأمور النافعة في الدين والدنيا وتجنب إضاعته في الأمور الضارة؛ وذلك أن الله تعالى جعل المال قوامًا للعباد، به تقومُ مصالحهم الخاصة والعامة، الدينية والدنيوية؛ فهو ضرورة طبيعيَّة في حياة الإنسان، وهو أمانة بيدِ من يحوزه، فمن تناوله من حلِّه ووضعه في حقه، واستعان به على ما خلق له من القيام بعبودية الله، وإخراجه في الطرق التي تنفع العبد، ويبقى له ثوابها وخيرها - فقد أفلح وأنجَح، ومن لم يبالِ من أين اكتسبه، واستعان به على الفسوق والعصيان، وتمادى بسببه في الظلم والبغي والعدوان، وأطاع نفسه وهواه والشيطان - فقد تعس، وضلَّ وباء بالخسران؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ [النساء: 5]، وقال تعالى: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ [الإسراء: 26]، ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 27]، والآياتُ في هذا المعنى كثيرة.
وروى البخاريُّ في صحيحه عن المغيرةِ بن شعبة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن اللهَ حرَّم عليكم عقوقَ الأمهات، ووَأْد البنات، ومَنَعَ وهَاتِ، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)).
وروى البخاري معلَّقًا من رواية المستملي، والسَّرَخْسي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلوا واشربوا، والبسوا، وتصدَّقوا في غير إسراف ولا مَخِيلة)).
وقال ابن عباس: كُلْ ما شئت، والبس ما شئتَ ما خَطِئَتك اثنتان: سرَف، أو مخيلة.
وهذا هو العدل في تدبير المال أن يكون قَوامًا؛ أي: وسطًا بين رتبتَيِ البخل والتبذير، وما سوى هذا فإثم وضرر، ونقصٌ في العقل والحال.
الدليل الثامن: أن المخدرات والعقاقير النفسيَّة وغيرها من الموبقات تتوافر فيها كلُّ أسباب التحريم الشرعي؛ فهي فوق أنها مفسدة للصحة مضيعةٌ للمال، تهدد العَلاقات الاجتماعية، وتخل بالنظم المرعيَّة والأمن العام؛ لأن كلَّ مَن يقبل على المخدرات وقد حظرتها الدولة وحرَّمتها، يكون خارجًا عن الطاعة الواجبة لولي الأمر بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59].
نداء للمؤمنين بوصف الإيمان أن يطيعوا الله ابتداءً، وأن يطيعوا الرسول بما له من صفة الرسالة، وطاعة أُولي الأمر؛ لأن طاعتهم مستمدَّةٌ من طاعة الله ورسوله، وأولو الأمر المقصودون بالخطاب هم: "الولاة على الناس من: الأمراء والحكام، والعلماء المفتين؛ فإنه لا يستقيمُ للناس أمرُ دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم؛ طاعة لله ورغبة فيما عنده".
ولا يسَع أحدًا أن يربَأ بنفسه، وينسلخ من طاعتهم، وامتثال أوامرهم إذا وجدها لا تتفق ونزواتِه وأهواءَه الشخصيَّة.
روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((على المرء المسلم السمعُ والطاعة فيما أحبَّ وكَرِه، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية؛ فلا سمعَ ولا طاعة)).
الدليل التاسع: وهو خاصٌّ ببعض أنواع المخدرات والمفتِّرات، والتي منها: الدُّخان بجميع أنواعه واستعمالاته، سواء أكان مَضْغًا بالفم، أو تدخينًا عن طريق السيجارة، أو الشيشة، والغليون، أو استنشاقه مسحوقًا أو غير ذلك، وقد ذهب إلى تحريمه جمعٌ من أكابر العلماء وجهابذة الفقهاء، وجميع الأطباء المعتبَرين.
وقد أورد الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله نقولًا كثيرة عن أرباب المذاهب الأربعة وغيرهم تدلُّ على خُبْثه ونَتْنِه وإسكاره - أحيانًا - وتفتيره، وذلك في فتوى سماحته رحمه الله في حكم شرب الدخان، قال: وممن ذهب إلى تحريمه من علماء الحنفية: أبو الحسن المصري الحنفي، قال ما نصُّه:
"الآثار النقليَّة الصحيحة، والدلائل العقلية الصريحة تُعلن بتحريم الدخان... وقد نهى الله عن كلِّ مسكر، وإن قيل: إنه لا يسكر فهو يُخدِّر، ويفتر أعضاءَ شاربه الباطنة والظاهرة.
والمراد بالإسكار: مطلق تغطيةِ العقل، وإن لم تكن معه الشدة المطرِبة، ولا ريب أنها حاصلة لمن يتعاطاه أولَ مرة، وإن لم يسلم أنه يُسكِرُ، فهو يخدر ويُفتِّر، وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يُنهَى عن كلِّ مسكر، ومُفتِّر)).
قال العلماء: المُفتِّر: ما يُورِثُ الفتور، والمُخدِّر في الأطراف، وحسبك بهذا الحديث دليلًا على تحريمه، وأنه يضرُّ بالبدن والروح، ويفسد القلب ويضعف القُوَى ويغيِّر اللون بالصُّفْرة، والأطباء مُجْمعون على أنه مضرٌّ، ويضرُّ بالبدن، والمروءة، والعِرض، والمال، وفيه التشبُّه بالفَسَقة؛ لأنه لا يشربُه - غالبًا - إلا الفُسَّاق، والأنذال، ورائحة فم شاربه خبيثة"؛ اهـ.
وفي موضع آخر من فتوى سماحته رحمه الله قال: وممن ذكرَ تحريمَه من فقهاء الحنفيَّة أيضًا: الشيخ محمد العيني؛ ذكر في رسالته تحريم الدخان والتدخين من أربعة أوجه:
أحدها: كونه مضرًّا بالصحة؛ بإخبار الأطباء المعتبَرين، وكل ما كان كذلك يَحرُمُ استعمالُه اتفاقًا.
ثانيها: كونه من المخدرات المُتَّفق عليها عندهم، المنهيِّ عن استعمالها شرعًا؛ لحديث أم سلمة السابق.
ثالثها: كون رائحتِه الكريهة تؤذي الناسَ الذين لا يستعملونه، وعلى وجه الخصوص في مَجامع الصلاة ونحوها، بل وتؤذي الملائكة المكرَّمين؛ روى مسلم في صحيحه عن جابر

اكتب تعليق

أحدث أقدم