الإنسان والعلاقات الإجتماعية بقلم الدكتور عربي أبو زيد




 الإنسان والعلاقات الإجتماعية

بقلم الدكتور عربي أبو زيد
وكيل وزارة التربية والتعليم بالإسكندرية
مما لا شك فيه أن سنة الله في خلقه قد اقتضت أن يعيش الناس في مجتمعات تربطهم قيم وأخلاق وعليهم واجبات ومسئوليات تجاه بعضهم وتجاه المجتمع الذي يعيشون فيه وجعل - سبحانه وتعالى - التعارف والتعاون وسيلة للحياة وتعمير الأرض وتقوية الروابط والصلات فيما بينهم قال - تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات/13).. والإنسان مفطور على العيش في ظل جماعة وفي كنف أمة لا يستغنى عن غيره، والآخرون في حاجة إليه، ولا تتصور حياة سوية مستقيمة ومستقرة إلا على هذا النحو وفي ذلك الإطار، فيصبح هذا المجتمع في هذه الحياة كالسفينة في البحر والناس يركبون عليها ونجاتها والمحافظة عليها وإيصالها إلى ساحل النجاة مسئوليتهم منهم جميعاً وكل واحد منهم له حقوق وعليه واجبات ينبغي أن يقوم بها ولا يحق لأحد من ركابها أن يفسد فيها أو أن يكون سبب في جلب الشقاء والتعاسة لبني جنسهم أو تعريض من هم فيها للخطر تحت أي مبرر أو رغبة أو شهوة أو طموح فهي ملك للجميع..
عن النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (( مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)) (البخاري (2493)... ونحن سفينتنا اليوم هي مجتمعنا والوطن الذي نعيش فيه ونمشي فوق أرضه ونستظل تحت سمائه ونستفيد من خيراته ويحتاج منا المحافظة عليه ولن يتأتى ذلك إلا بقيام كل منا بواجباته تجاه مجتمعة وهي واجبات شرعية أمرنا بها في ديننا الإسلامي لا نجاة ولا سعادة ولا حياة طيبة إلا بالقيام بها خاصة ونحن نعيش في ظل أمواج من الفتن والصراعات والرغبات والشهوات والأهواء إذا لم تلجم أو تعالج قد تكون سبباً لهلاك وغرق هذه السفينة ومن عليها.. لذا كان من اسباب النجاة ووسائل العلاج أن يدرك كل فرد مسئوليته وواجباته... وإن أول هذه الواجبات من قبل الفرد المسلم السعي للالتزام بأحكام الشرع وأوامر الدين في سلوكه وتعاملاته واعتقاده ففي ذلك الضمان لحياة طيبة مستقرة تنعم بالأمن والأمان وتنتشر فيها الخيرية وتشيع فيها المحبة وتحل فيها البركة قال - تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (لأعراف: 96)) وقال - تعالى -عن اليهود والنصارى في معرض تحذيره لهذه الأمة وضرب المثل لها بغيرها: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (المائدة: 66) وقال - تعالى-: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)(طه: من الآية123) فالفرد المسلم يعتقد بأنه كلما كان قريباً من ربه مقتدياً برسوله - صلى الله عليه وسلم - متمثلاً لأوامر الدين في حياته.. في أسرته وفي وظيفته ومع جيرانه.. في بيعه وشراءه وفي سلوكه وأخلاقه فإن ذلك يعود بالخير على مجتمعه... فلا ترى منه ظلمٌ ولا اعتداء ولا تكبر ولا فساد في الأرض ولا ترى منه تنصلٌ عن الواجبات أو تضييعٌ للأمانات وإن وقع في مثل ذلك في لحظة ضعف وسوء تقدير سارع إلى التوبة ورجع عن خطئه واعترف بذنبه فيأمنه الناس ويسعد به المجتمع.

اكتب تعليق

أحدث أقدم