رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه علاقة الإنسان بالغيب

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه علاقة الإنسان بالغيب


رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه علاقة الإنسان بالغيب
بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الرئيس التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا
الرئيس التنفيذي لجامعة سيتي بكمبوديا
الرئيس التنفيذي للمؤسسة الدولية للدراسات المتقدمة بأمريكا
ورئيس جامعة الوطن العربي الدولي ( تحت التأسيس )
الرئيس الفخري للجمعية المصرية لتدريب وتشغيل الخريجين
الرئيس الفخري لمنظمة العراق للإبداع الإنساني بألمانيا الإتحادية
الرئيس التنفيذي للجامعة الأمريكية الدولية
الرئيس الفخري للمركز الدولي الفرنسي للعلماء والمخترعين
الرئيس الشرفي للإتحاد المصري للمجالس الشعبية والمحلية
قائمة تحيا مصر
مما لاشك فيه أن أول شيء يجب على الإنسان أن يعرفه جيدًا وتمام المعرفة (نفسه هو)، عليه أن يعرف من هو؟ ومِن أين أتى؟ وما أصله؟ وما حقيقته؟ وما وضعه بين المخلوقات؟ ولماذا جاء؟ وما نهايته؟ وبعد ذلك يتأهَّل لاستيعاب باقي المعلومات بنظرة واقعية، بعيدًا عن التعالي والكبرياء، بعيدًا عن الأنا والذَّات.
عليه أن يعرفَ من هو، من خلال قوله - تعالى - للملائكة في بَدء الخليقة: {إنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30].
إذًا أيها الإنسان، أنت خليفة الله في الأرض، وهذه الخلافة لها أسس وضوابط، ولها دعائم ومقومات.
وعليه أن يفكر من أين أتى؛ لأنَّ هذا التفكير سيقوده إلى الإيمان بعالم الغيب، وعليه أن يعرف أصله وأساسه على ضوء قوله - تعالى -: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 26]، والحمأ المسنون هو الطين المنتن.
ثم عليه أن يعرف حقيقته على ضوء قوله - تعالى -: {فَلْينظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يخْرُجُ مِن بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق: 5 - 7].
مع الوضع في الاعتبار ما قاله الحسن البصري - رضي الله عنه - قال: "عجبت لابن آدم، يتكبر، وقد خرج من مجرى البول مَرَّتين".
نعم، المرة الأولى من الأب على هيئة ماء مَهين، والمرة الثانية من الأم على هيئة جنين لا يدري ما حوله، ولا يَملك من أمره شيئًا على الإطلاق، (ليس له سِنٌّ تقطع، ولا يد تبطش).
وعليه أن يعرف وضعه بين المخلوقات المختلفة في هذا الكون الفسيح، سواء كانت مخلوقات من نور (مثل الملائكة)، أم مخلوقات من نار (مثل الشياطين)، أم مخلوقات من التراب كالحيوان والنبات والجماد، وعليه أن يعرفَ لماذا جاء إلى الوجود، من خلال قوله - تعالى -: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إلاَّ لِيعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، مع الفهم الصحيح لكلمة "ليعبدون".
وعليه أن يعرف مصيره المحتوم، ونهايته التي لا مفرَّ منها، مع الوضع في الاعتبار أن أسلوبَ حياته هو الذي سيرسم له شكل النهاية، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
وبعد معرفتك للنِّهاية، عليك أيضًا أن تفكر في مسألة ما بعد النِّهاية، وهو غيب يؤهلك لحركة صحيحة في الحياة.
وإذا أعانك الله وعرفتَ هذه المسائل معرفةً صائبة، ستجد أن خلافتك في الأرض ليست قائمة ما لَم تقُم بإرساء دعائمها، ولتقوم بهذه الخلافة، فأنت تحتاج إلى خمسة أسس:
1 - جسم صحيح؛ لتتحمل الأعباء والتكاليف.
2 - عقيدة صحيحة؛ لتتحرَّك على أرضية صلبة.
3 - علاقة سوية بالخالق؛ لتكونَ أهلاً للعون الإلهي.
4 - علاقة سوية بالخلق؛ حتى لا تصطدم مع الآخرين.
5 - علم ينسق ما سبق؛ لأنَّ الجاهل عدوُّ نفسه.
ولا تنسَ أن الشيطان يَحِيكُ مكايدَه كلها؛ لينسف فيك هذه الأسس كلها؛ حتى لا تقوم لخلافتك قائمة، أو على الأقل يُحاول هدم بعضها، فيأتي الشيطان إلى الجسم، ويحاول أن يهدمه بالمخدِّرات والمُسْكِرات والفواحش، كما يسعى إلى هدم العقيدة بتزيين الشِّرك وعدم الرِّضا بالقَدَر، ويسعى إلى هدم العلاقة بالخالق ببثِّ الكسل والغفلة والانشغال بالدُّنيا الفانية، ويسعى إلى هدْم العلاقة بالخلق ببثِّ الفرقة والاختلاف والمشاكل، ويسعى إلى هدم العلم بنشر الجهل والخرافات والخزعبلات في كل الأوساط، والوَيْل لمن اتبع الشيطان في أغراضه الدنيئة.
وكما قال العليم الخبير عن أهل الكفر: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 102].
لأن الشيطان بذلك يبذل قصارى جُهده؛ ليحقق غرضَه الذي أعلن عنه صراحة، حين قال: {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39].
وفي المقابل، علينا أنْ نبذل جهدنا؛ لنحقق الغرض الأول من وجودنا؛ حيث قال تعالى: {إنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30].
فقد أعطاك الله الجسم الصحيح، وبيَّن لك كيفية الحفاظ على هذه النعمة؛ لأن العقل السليم في الجسم السليم، ومِنْ ثَمَّ حرم عليك إهدار هذه النِّعمة فيما يضر بها، وحرَّم عليك كلَّ ما يهدم هذا البنيان الإلهي من مأكولات ومشروبات، كما نظم وسيلةَ التكاثُر والتناسل بالأسلوب الذي يحفظ للجسم قدراته وملكاته، فأحلَّ الله الطيبات وحرَّم الخبائث، وأحل النكاح وحرَّم الزنا، وأحل الرزق الحلال وحرم الربا.
ثم هداك الله إلى العقيدة الصَّحيحة السليمة، بأن لا تشركَ بالله شيئًا، ولا تتخذ من دون الله آلهة، ولا تؤمن إلا باقتناع، ثم شرع الله - سبحانه وتعالى - لك الأسلوبَ المناسب؛ لصلة قوية بينك وبينه - سبحانه - بأن أنزل إليك رسلاً يشرحون لك كيف تصل ما بينك وبين الله بأقصر الخطوط {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6].
ثم نظم الله لك علاقتك بكلِّ ما حولك، سواء كانوا من الملائكة أم البشر من أمثالك، أم المخلوقات التي خلقها الله لك، أم أعدائك من الشياطين.
ثم وهبك الله من لدنه علمًا تنسِّق به كل هذه المسائل، كل هذا؛ لتكونَ أهلاً للخلافة؛ لأنَّ من لا يصلح للخلاقة فهو كالأنعام، بل أضل من الأنعام؛ لأنَّ الأنعام تقوم بدورها كاملاً.
فإن تأهلت للخلافة، وتصدرت لها بحقها، فأنعم وأكرم، وإن تخاذلت عنها، فأنت ظلوم جهول، تشبثت بالفانية، وأخلدت إلى الأرض، أقول لمن أراد أن يكون أقرب إلى المادة: نحن كما ترى من الناحية المادية في موقف يُرثى له - وهذا ما غرر بإبليس اللَّعين - وجعله يتعالى على آدم - عليه السَّلام؛ {قَالَ أنَا خَيرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 76].
فأبونا من طين، ونحن من ماء مَهين، وكلنا خرج من مجرى البول مرَّتين، ولا مجال لأي تكبُّر وتعالٍ، إذًا علينا أن نبتعدَ عن مواضع التحقير، ونبحث عن الشرَف، بعيدًا عن المادة والماديات، فنجدُ ضالَّتنا في الناحية المقابلة، وهي الروح والروحانيَّات، ولأن الروح من أمر الله ستقرُّ أعيننا جدًّا مع حروف وكلمات قوله - تعالى -: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70].
فلم يكن التكريم إلاَّ لأن المادة اتَّحدت مع السر الإلهي، وانفعلت مع الروح، وجعلتها قائدًا ودليلاً لها في كل شيء، بل وسيدًا عليها، ويجب علينا أيضًا أنْ نبحث عن الفخر في نفس المجال المشرف، وما علينا أننا بدأنا في هذه الدنيا بصفة تطاردنا دائمًا، وهي الظلم والجهل؛ حيث تحملنا الأمانة التي أشفقت من حملها السَّموات والأرض والجبال.
{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 73].
علينا أن نُنْعِمَ النظر في هذا الإنسان الحائر المحير؛ حيث أوجده الله - سبحانه - مخلوقًا وَسَطًا مخيرًا حاملاً للأمانة، بين مخلوقاتٍ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومخلوقات عَصَوا ربَّهم فيما أمرهم منذ البداية.
وأيضًا وَسَطًا في المادة التي خُلِقَ منها، فلا هو من نور - وإن كان النور جزءًا منه - ولا هو من نار - وإن كانت النار تجري منه مجرى الدم في العروق - ولكن من صلصال كالفخار.
وأيضًا وسطًا في درجة قُربه من الله - تعالى - فلا هو بالأقرب، وإن كانت لديه الفرصة ليزداد قربًا، ولا هو بالأبعد، وإن كانت المكائد تلاحقه أينما ذهب؛ ليزداد بعدًا عن الله - تعالى.
وما دام لله - سبحانه - مخلوقات نورانية مقربة إليه، ومخلوقات أخرى من النَّار ومطرودة من رحمته، ومَخلوقات من جنس ثالث (من الطين) مُؤهلة للقُرب من الله، ومعرَّضة للطرد من رحمة الله، فمن الطبيعي أن يتنافس عالم الملائكة وعالم الشياطين لاستمالة هذا العالم الثالث وهو عالم الإنسان، وكلٌّ يبذل قصارى ما عنده، و{لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: 4]، وفي هذا المضمار، نجد أنَّ الملائكة {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيؤْمِنُونَ بِهِ وَيسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7]، {وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرْضِ} [الشورى: 5]، والشياطين لا يدَّخرون جهدًا في تضليل بني الإنسان؛ يقول سفيههم: {فَبِمَا أغْوَيتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16]، وقال أيضًا: {رَبِّ بِمَا أغْوَيتَنِي لأُزَينَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَلأغْوِينَّهُمْ أجْمَعِينَ} [الحجر: 39].
قال لعنه الله: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119].
فالكلُّ يتفنن في أساليبه، والكل يتنازع لكسب ما يُواليه من مدارك الإنسان، فالملائكة وجدت إلى قلب الإنسان سبيلاً، وذلك واضح في قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ألا إن في الجسد مضغة، إذا صَلَحت صَلَح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).
فالملائكة يَدعون للإنسان بالدَّعوات التي توسع له صدره، وتساعده على تلقي الفيوضات الربَّانية والرحمات الإلهية.
وهل هناك ما هو أفضل من دعوات الملأ الأعلى، هؤلاء الملائكة الذين لا يعصُون الله أبدًا في أيِّ أمر.
أما الشياطين فقد وجدت إلى النفس البشرية سبيلاً؛ لأنَّهم عرفوا شيئًا مهمًّا عن الإنسان، وهو: {إنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53].
ولأنَّ كل الانفعالات تدور في صدر الإنسان كما يقول تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125].
فالملائكة تعزِف على وتر القلب؛ لأنَّ الفائز من أتى اللهَ بقلبٍ سليم، وهَلَكَ من ختم الله على قلبه، والشياطين تريد أن يكون الإنسانُ ضيقَ الصدر حرجًا، ويبذلون كل فنونهم ووساوسهم؛ لإطفاء نور القلب؛ {فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].
وحتى لا ندخل ونتوه في دوَّامة الاختيار بين غيب مؤجل، وواقع معجل، وحتى لا نتهافت على سهل بشهوة ونستلذ الشهوات، ثم نلوم أنفسنا على ذلك، وحتى لا نبتعد عن حزن بربوة، إلى أن تدركنا الطامة الكبرى، فنقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99 - 100].
وحتى لا تنفطر قلوبنا حزنًا يومَ لا ينفع الندم، بيَّن لنا ربُّنا - سبحانه وتعالى - أقصر الطرق للوصول إلى ما نصبو إليه، ويصبو إليه الفكر القويم.
كل هذا مع أن الله - سبحانه وتعالى - لا تزيده طاعة الطائعين شيئًا، ولا تنقصه معصية العاصين أبدًا، فبصِّر نفسَك بأفضل الأساليب التي تزكيك وترشحك، وتجعلك عرضة لنفحات الله - سبحانه وتعالى - ثم تكون أهلاً لاستغفار من هم أفضل منك وأقرب إلى الله، ثم تكون شديد الحرص بعيدَ الخُطا عن أعدائك الذين هم أقوى منك.
وبذلك يتسَنَّى لك إقامة علاقات سويَّة مناسبة مع مَن هم معك على السَّفينة، كما يقول الحديث القدسي: ((إذا أحب الله عبدًا، قال لجبريل: إني أحبُّ عبدي فلانًا، فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي في الملائكة: إنَّ الله أحب عبده فلانًا فأحبوه، فتحبه الملائكة، ثم يوضع له القَبول في الأرض)).
وهؤلاء الذين معك ستجد أنَّهم ليسوا سواء، منهم أصحابُ الفضل عليك، ومنهم من يرجو النفع منك، ومنهم من يدعوك إلى النَّجاة ومنهم من يدعوك إلى النار.
وغايتنا لا تَخفى على أحد، وعلينا أن نستعدَّ للنِّهاية التي لا بُدَّ منها، موت محقق يسبقه أحيانًا شيخوخة مرذولة، وأحيانًا أمراض مؤلمة، وحتى إن لم يكن هذا ولا ذاك، فمفاجأة مذهلة مُرعبة أعاذنا الله منها، وصدق الله العظيم إذ يقول: {أَفَحَسِبْتُمْ أنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأنَّكُمْ إلَينَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].
فما أحوجنا أن تكون صلتنا بالقوي القادر قوية ودائمة، نقية صادقة فالله - سبحانه وتعالى - شرفنا بعد أنْ خلقنا من طين، وكرَّمَنا ونحن من ماء مَهين، ومَهَّد لنا سبل الرشاد وهو نِعْمَ المُعين، وأعاننا على حمل الأمانة مع كوننا ظلومين جهولين، وفضلنا على كثير من خلقه، وبعد كل ذلك لا يَجد أكثرنا شاكرين، ونسأل الله أن لا يجعلنا ممن استهوته الشياطينُ، وأن لا يصدق إبليس فينا ظنه.
وما دام ذلك كذلك، فأوَّل ما ننظر إليه وفيه بإذن الله وتوفيقه هو أنه - سبحانه وتعالى - عرفنا بنفسه؛ حتى لا نضل ونتوه، فقال تعالى لنبيه موسى - عليه السَّلام - ومن خلاله لنا جميعًا -: {إنَّنِي أنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ أنَا فَاعْبُدْنِي وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14].
ثم قال تعالى لسيد الخلق - ومن خلاله لكل الخلائق -: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يشْرِكُونَ} [الحشر: 23].
ولن أستطردَ في آيات التعريف بالله - سبحانه - حيث إنَّه لا أحدَ ينكر ذلك، ولكنني فقط، أردت أنْ أذكرَ أنه الملك القدوس؛ حتى لا نخشى أحدًا غيره، وأنه السلام المؤمن؛ حتى لا نخاف بطشه إذا آمنا به، وأنه - سبحانه - المهيمن العزيز، حتى لا يهون الأمر لمن استحب المعصية، وأنَّه الجبار المتكبر؛ حتى لا يلعب بنا الأمل الطويل.
علاقة الإنسان بالله سبحانه
يقول تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، فأنتَ إذا تدبَّرت المخلوقات من حولك، ستجد فوقك شمسًا تدفئك، وقمرًا ينير ليلك، وسقفًا مرفوعًا؛ خشية أن يقع على الأرض، وسحابًا يحمل لك الماء، ثم كل هذا في خدمة الأرض التي تعيش عليها؛ لتنبت لك الثِّمار، كذلك تنبت الزَّرع الذي يخدم الحيوان لصالحك أيضًا، فتجد أن معظم المخلوقات المرئية تخدمك خدمة مباشرة وأنت أيها الإنسان، يا خليفة الله في أرضه، أمامك قوله - تعالى -: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إلاَّ لِيعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، ماذا أنت فاعل؟ ثم يقول - سبحانه وتعالى - في حديث قدسي: ((أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإنْ ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئِه، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا))، فهلاَّ كنت من الذَّاكرين المتقربين إلى الله - جل وعلا؟
لقد كانت هموم الأنبياء كلهم - عليهم السلام - إقامة علاقة وطيدة بين الإنسان وخالقه؛ حتى لا يتوه الإنسان في مجاهل ومتاهات الدُّنيا التي لا حصرَ لها، ولقد كان محور الدعوة بالنسبة لأولى العزم من الرُّسل وهم: "سيدنا نوح، وسيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى، وسيدنا عيسى، وسيدنا محمد" عليهم صلوات الله، كان المحور هو القربَ من الله؛ حيث قال: ((أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله))، وهذا هو رأس الأمر كله في علاقتك بالله - سبحانه - لأن العلاقة السوية هي العَلاقة المبنية على عقيدة صحيحة، انظر وفكر فيما قاله نوح - عليه السَّلام -: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح : 10 - 12].
بذلك بيَّن سيدنا نوح - عليه السَّلام - وسيلة القرب من الله - سبحانه وتعالى - (الاستغفار)، ثم لم يبخل علينا بأن يعرفنا الفائدة المؤجلة (المغفرة)، وكذلك الفوائد المعجلة (إدرار السماء، الأموال، البنون)، وانظر إلى الله - سبحانه - استخدم صيغ المبالغة (غفارًا، مدرارًا)، وفوق كل ذلك هنالك جنات وأنهار، في الدُّنيا والآخرة، وإن لم يكن الاستغفار قبلاً وبعدًا فأين توقير الله؟ ويستطرد سيدنا نوح - عليه السَّلام - في شرح دعوته إلى الله - سبحانه - على نفس المنوال؛ بشيرًا لمن آمن، ونذيرًا لمن أعرض، لم يصرفه انصرافُ الناس عنه، ولم يثنه استكبارُ القوم؛ {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} [الصافات: 79].
وفكر وتأمَّل أيضًا فيما قاله سيدنا إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لقومه حسب ما ذكره لنا القرآن الكريم: {قَالَ أَفَرَأيتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ * فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيسْقِينِ * وَإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء: 75 - 81].
فقد وضَّح سيدنا إبراهيم ضلال الفكر والمنهج الذي سار عليه قومه، وذلك البديل الهزيل الذي اتَّخذه قومه عن جهل، وعادى إبراهيم ما كان يعبده آباؤه من الأصنام، حتى حطمهم وجعلهم جذاذًا إلا كبيرًا لهم، وأعلن الحرب على كل الأوثان التي تعبد من دون الله، وشرح سبب ذلك العداء، فقد آتاه الله رُشده من قبل، وهو الذي خلقه وخلق الجميع، ومِنْ ثَمَّ فهو أعلم بهدايته وأسلوب هداية الناس، وسبحانه الرزَّاق الذي يطعم ويَسقي، وسيدنا إبراهيم يذكر ولا يشرح، يؤكد ولا يناقش إلا بالقدر.
ثم يستطرد سيدنا إبراهيم، فيذكر أن الله - سبحانه - هو الذي يشفي من الأمراض والأكثر من ذلك أنه يُميت، والموت أفتك من المرض، ثم إنَّه يُحيي من جديد بعد الموت، والإحياء أصعب من الشِّفاء من المرض، وليس هناك صَعب في مقدور الله، ولكنها تبدو كذلك في مقاييسنا البشرية، ومِنْ ثَمَّ فإن الرجاء في غفران الخطايا يوم الدين لا يكون إلا من الله – سبحانه - حيث إنَّه في ذلك الموقف الرهيب العظيم، لا ينفع أيُّ شيء إلا ما قاله سيدنا إبراهيم في دواعي التوحيد: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89]، وكيف يسلم القلب إن لم يؤمن الإنسان بطلاقة قُدرة الله - سبحانه - وبهذا التقرير السريع في الإيقاع، البليغ في الإيجاز والإعجاز - يُخاطب سيدنا إبراهيم قومه على أمل الوصول بهم إلى بر الأمان؛ {سَلاَمٌ عَلَى إبْرَاهِيمَ} [الصافات: 109].
وانظر أيضًا فيما قاله كليم الله موسى - عليه السَّلام - لربه - سبحانه وتعالى -: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيسِّرْ لِي أمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} [طه: 25 - 31] عرف سيدنا موسى من الله - سبحانه - أنْ لا ملجأَ منه إلاَّ إليه، وقد أرسله الله إلى فرعونَ الذي يقول للناس من حوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيرِي} [القصص: 38]، وكان هذا الفرعون يقتل المواليد الذكور من بني إسرائيل، ومن حول فرعون جبابرة استكبروا مع فرعون بغير الحق، فلجأ موسى - عليه السَّلام - إلى الله - سبحانه - وعلمه وقدرته وقوته، يستلهمه الرُّشد والصلاح والثبات؛ حتى لا يضيق صدره بما سيجده من عناد فرعون وقومه ومَلَئِه وجنوده، ولا أحد غيرهما أمامَ ضلالة يقف بجانبها عُتاة جبَّارون معهم السُّلطة والمال والقوة والعتاد.
ويطلب موسى - عليه السَّلام - البلاغة لنفسه؛ ليقنع بها، وأيضًا يطلب فهمًا وإدراكًا لقومه؛ حتى يقتنعوا بما يقول، ويطلب النُّصرة والعون من الله بأنْ يرزقه البطانة الصالحة، وهو بذلك يضع دستورًا خالدًا لكل من تراوده الظروف، وتجعله من وُلاة الأمر، وواضح في هذا الدستور كيف يتصرَّف وإلى من يلجأ؟ وممن يطلب؟ وسلوكه قبل وبعد كل ذلك، وكيف يختار رفاق الدَّرب؛ {سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} [الصافات: 120]، انظر إلى كل هذه الدروس، وتفكَّر وتدبر وتعلم، {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، ثم انظر بإمعان واتِّعاظ إلى ما قاله سيدنا عيسى - عليه السَّلام - لقومه في إيجاز تام: {إنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [الزخرف: 64]، وكأنَّما توقع - عليه السَّلام - أنْ يأتِيَ من أتباعه من يعبده هو، من دون الله أو مع الله، فحدد لهم أن الله - سبحانه وتعالى - هو ربُّه، كما أنه رب الجميع، ومِنْ ثَمَّ فإن عيسى - عليه السَّلام - يوضح لأتباعه أنه عبدالله، كما أن الجميع عبيدُ الله، وليس ابن الله كما زعم المبطلون، وأكَّد لهم ما قاله وهو في المهد صبيًّا؛ {إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم: 30].
وبعد أن تُلقي - أيها القارئ - هذه النظرة السريعة إلى ما جاء به أولو العزم من الرسل يكون الذِّهن قد استعدَّ، ووصل إلى قمة النضج والتعقل، وعرف جيدًا النظائر والأضداد، ولمس جانبًا من الأفعال وردود الأفعال، وتَجهَّز للاختيار الدقيق بين طريقين، لا طريق واحد كما زعم ذلك الذي قال: إنه أبصر قدامه طريقًا فمشى، ولذلك علينا أن ننظر إلى رسالة سيد المرسلين - صلَّى الله عليه وسلَّم - من زاوية هذا العقل المتَّقد، المستعد للاختيار، القادر على التمييز بين الخير والشر، بل القادر على كشف أيَّة كلمة حق يراد بها باطل، فقال تعالى آمرًا رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يواجه الناس من هذا المنطلق، وبهذه الواقعية، فقال: {وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيكْفُرْ} [الكهف: 29]، ولا عجب في أن تكون هذه الآية مكية؛ أي: نزلت في الفترة التي كان للكفار فيها أصواتٌ أعلى من صوت المسلمين، وكانت الرسالة وقتها في المهدِ، والمسلمون قلة مضطهدون، نعم لا عجبَ، خصوصًا أنَّ الرسالة نزلت على سيدنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومن خلاله وصلت إلى الناس كافَّة بقوله - تعالى -: {اقْرأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، فإذا قرأت، وقرَّأت، وتعلَّمت وعَلِمْت من أنباء ما قد سبق، وعلمت جانبًا من حكم الله - تعالى - فيما بينكم، وبعض الأخبار عمَّا بعدكم من الأمم، فأنت أهلٌ للاختيار، وهذا هو المهم؛ لأنه - سبحانه وتعالى - لا يريد عبيدًا مقهورين، ولكنه يريد عبادًا مخيرين، أو كما يقول تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99].
ويقول تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أعْينِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأنَّى يُبْصِرُونَ} [يس: 66].
إذًا لا تنسَ أنَّك أمام إله قدير، قادر على قهرك، وأنت لا تستطيع أن تدفع شيئًا من قَدَر الله عليك، لا في السَّرَّاء ولا في الضراء؛ {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ} [الرعد: 11]، فأنت المحتاج إلى القُرب من الله - تعالى - وليس العكس، وليس من الأدب ولا من الفطنة أنْ يغفل الناس عن قوله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أنتُمُ الفُقَرَاءُ إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ} [فاطر: 15].
نعم، أنت المحتاج إلى الله في كل أحوالك، تحتاج إلى الله والقُرب منه في حال خوفك وأمنك؛ {إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 38].
وتحتاج إليه في كل خطوة تخطوها في دروب الحياة المتنوعة؛ لأنه كما قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ} [البقرة: 257].
ومن يلجأ لغير الله، فقد ضَل ضلالاً بعيدًا، وكما قيل: "من اعتمد على المال، مَلَّ، ومن اعتمد على العقل، ضَلَّ، ومن اعتمد على الناس، ذلَّ، ومن اعتمد على الله، لا مَلَّ، ولا ضَلَّ، ولا ذل"، وكما يقول - سبحانه وتعالى -: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41].
وأنت - أيها الإنسان الضعيف - أشد ما تكون حاجة إلى الله عند الكوارث والمحن؛ {وَإذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 67].
والبحر على سبيل المثال، لا على سبيل الحصر.
وإذا أردت الرزق فعند الله، فهو الرزَّاق ذو القوة؛ {وَاللَّهُ يرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212].
وإذا رجوت الرحمة، فمن عند الله الرحمن الرحيم؛ {وَاللَّهُ يخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} [البقرة: 105].
وإذا أردت الدنيا وثوابها، {فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ} [النساء: 134]، ثم يوم القيامة ما أحوجَ



 

اكتب تعليق

أحدث أقدم